
في غابات جنوب شرق آسيا المطيرة، ترتفع بعض الأشجار كأنها أبراج خضراء فوق كل ما حولها. تتجاوز قممها عشرات الأمتار، وتخزن كميات هائلة من الكربون، وتشكل جزءا مهما من حياة الغابة وذاكرتها.
لكن هذا الارتفاع المذهل كان دوما محل قلق لدى علماء النبات: هل تصبح الأشجار العملاقة أكثر عطشا وضعفا أمام الجفاف، لأنها تضطر إلى رفع الماء من الجذور إلى أوراق بعيدة جدا في القمة؟
في دراسة جديدة نشرت يوم 3 يوليو/تموز في مجلة "ساينس"، وجد فريق دولي من الباحثين أن أطول الأشجار الاستوائية عريضة الأوراق في العالم، وهي أشجار الدبتروكارب المنتشرة في غابات جنوب شرق آسيا، لا تعاني بالضرورة خللا في نظامها المائي مع زيادة الطول. بل يبدو أنها تعدل أنسجتها وأوراقها بطريقة دقيقة تسمح لها بتوصيل الماء إلى القمة دون أن تصبح أكثر عرضة للجفاف من الأشجار الأقصر.
وبحسب الدراسة، يخزن أعلى 1% من الأشجار أكثر من نصف الكربون الموجود فوق سطح الأرض في الغابات. لذلك، إذا كانت هذه الأشجار أكثر هشاشة أمام الجفاف، فقد يكون لذلك أثر كبير على مخزون الكربون العالمي في ظل تغير المناخ وازدياد موجات الجفاف.
لفهم ما يحدث داخل هذه الأشجار، درس الباحثون 38 شجرة من خمسة أنواع من الدبتروكارب، تراوحت أطوالها بين نحو 7 و71 مترًا. وقاس الفريق 25 صفة مرتبطة بنقل الماء داخل النبات، شملت ضغط الماء في الأوراق، وقدرة الخشب على مقاومة الانسداد بفقاعات الهواء، وتشريح الأوعية الناقلة للماء.
كما تابع الباحثون نمو جذوع 42 شجرة قبل وأثناء وبعد موجة جفاف قوية ارتبطت بظاهرة إل نينيو خلال عامي 2023 و2024.
تقول المؤلفة المشاركة في الدراسة لوسي رولاند، أستاذة البيئة النباتية في جامعة إكستر: "كانت الفكرة التقليدية تقول إن الطول يخلق مشكلتين كبيرتين للشجرة: الأولى أن المسافة من الجذور إلى الأوراق تصبح أطول، ما يزيد مقاومة تدفق الماء داخل الخشب، والثانية أن الجاذبية تجعل رفع الماء إلى القمة أصعب، فتقل قدرة الأوراق العليا على الحصول على الماء الكافي، خصوصًا أثناء الجفاف"
إعلانتوضح لوسي في تصريحات للجزيرة نت أن الدراسة كشفت أن الأشجار لا تقف مكتوفة الفروع أمام هذه المشكلة. إذ وجد الفريق أن الأوعية الناقلة للماء في قاعدة الأشجار الأطول تصبح أوسع. وفي شجرة طولها 70 مترا، كانت هذه الأوعية أوسع بنحو 2.2 مرة من أوعية شجرة طولها 10 أمتار.
وهذا الاتساع يساعد على تعويض زيادة المسافة، ويسمح للماء بالتحرك بكفاءة أكبر نحو الأعلى. يعني ذلك أنه كلما طال الطريق الذي يقطعه الماء داخل الشجرة، وسعت الشجرة بعض "أنابيبها" الداخلية عند القاعدة، بحيث لا يتحول الطول وحده إلى عبء مائي قاتل.
أما تأثير الجاذبية، فقد عوضته الأوراق نفسها رغم أن ضغط الماء في أوراق القمة انخفض مع الارتفاع، لكن أوراق الأشجار الأطول أصبحت أكثر قدرة على تحمل هذا الانخفاض؛ أي أن القمة لم تكن منطقة خطر بالضرورة، بل منطقة تكيف.
وتظهر الدراسة أن الأشجار العملاقة لا تعتمد على حل واحد، بل على مزيج من التعديلات. فالخشب يتغير ليسمح بنقل الماء بكفاءة، والأوراق تتغير لتتحمل ظروفا مائية أصعب. وبذلك لا يكون الطول مجرد تحد، بل صفة ترافقها تعديلات داخلية تساعد الشجرة على البقاء.
واللافت أن الخشب لم يصبح أكثر عرضة للانسداد مع زيادة الطول. وتوضح الباحثة أن الانسداد هنا يعني تكون فقاعات هواء داخل الأوعية الناقلة للماء، وهي فقاعات يمكن أن تقطع مسار الماء من الجذور إلى الأوراق، وتؤدي إلى تلف النبات أثناء الجفاف. لكن الدراسة لم تجد علاقة واضحة بين ارتفاع الشجرة وزيادة هذه الهشاشة.
حتى خلال جفاف "إل نينيو"، لم تتراجع معدلات نمو الأشجار الأطول أكثر من الأشجار الأقصر. إذ تباطأ نمو بعض الأشجار، وبعضها لم يتأثر كثيرا، لكن الفروق لم تكن مرتبطة بالطول نفسه. وهذا يعني أن الارتفاع، على الأقل في الأنواع والظروف التي درستها هذه الدراسة، لا يجعل الشجرة تلقائيا أكثر ضعفا أمام الجفاف. م
ع ذلك، لا تعني الدراسة أن كل الأشجار العملاقة في العالم آمنة من الجفاف. فقد ركزت على فصيلة معينة من الأشجار في غابات جنوب شرق آسيا، وعلى أشجار بلغ أقصاها 71 مترا، رغم أن بعض الأشجار في هذه الغابات قد يصل إلى نحو 100 متر.
لذلك قد تختلف الصورة عند الأشجار الأطول، أو في بيئات أخرى، أو في أنواع لا تملك آليات التكيف نفسها. ويشير الباحثون أيضا إلى أن النتائج قد لا تنطبق مباشرة على أشجار الأمازون أو الأشجار العملاقة في الغابات المعتدلة، لأن لكل نظام غابي تاريخه التطوري ومناخه وأنواعه الخاصة.
ومولت الدراسة من مجلس أبحاث البيئة الطبيعية في المملكة المتحدة، ومنحة "+ نيرك جي دبليو4″، وزمالة بحثية مستقلة من مجلس أبحاث البيئة الطبيعية، ومنحة "فابسب" للباحثين الشباب، ومنحة دكتوراه من جامعة علوم الحياة في براغ. وأقر الباحثون بعدم وجود تضارب مصالح.
aljazeera.net