سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

الجزيرة.. ثورة إعلامية صنعتها رؤية أمير سبق زمنه

الجزيرة.. ثورة إعلامية صنعتها رؤية أمير سبق زمنه

جسد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية صباح اليوم الأحد، رؤيته الطموحة في تحويل قطر من دولة صغيرة إلى قوة إقليمية مؤثرة، عبر مشروع غير مسبوق هو قناة الجزيرة.

وانطلق المشروع في مساء خريفي من منتصف تسعينيات القرن الماضي، من مبنى في قلب الدوحة ليصبح لاحقا صرحا إعلاميا فارقا، مستلهما اسمه (الجزيرة) من قطر في الجغرافيا وجزيرة العرب في التاريخ.

وذكر تقرير للجزيرة أعدته فاطمة التريكي، أن الأمير الوالد آمن بأن الإعلام الحر هو بوابة النهضة، فاستقطب نخبة من الإعلاميين من مشارب فكرية وجنسيات متعددة، ورفع سقف الحرية عاليا، واضعا الجزيرة في موقع الصدارة الإعلامية.

ويشير التقرير إلى أن القناة جاءت تجسيدا لرؤية تتجاوز المكان والزمان، كصخرة ألقيت في بحيرات الركود، أو ريح عصفت بفيافي الصمت الطويل.

ويلفت التقرير إلى قول الأمير الوالد: "والله صحيح انتو المشكورين، لأنكم استطعتم أن تخلقوا وضعا عربيا جديدا بالنسبة لحرية الإعلام والرأي، والدليل أن الجزيرة في 10 سنوات غيرت الوضع في العالم العربي، حتى بدأت قنوات تريد أن تنافسها، وهذا شيء جيد لأن الهدف الذي كنا نسعى له هو حرية التعبير".

ويوضح التقرير أن الجزيرة كانت البذرة التي أيقظت وعي الأمة العربية، وجعلت الشعوب ترى نفسها في مرآة الإعلام الحر.

وفي سياق متصل، تشير فاطمة إلى حرص الأمير الوالد على متابعة البدايات، واستقطاب الكفاءات من مختلف الجنسيات، واضعا التنوع مصدر قوة، وأنها ستعمل في جو من الحرية والمهنية، قائلا: "تأكد أنه لن يكون عليها ضوابط سياسية أو جنائية، وأن تكون مفتوحة للجميع، هذا أكيد".

قناة مختلفة

ويضيف التقرير أن القناة كانت مختلفة منذ انطلاقتها، فصارت حديث الناس حين سمعوا فيها الأصوات المعارضة كما الرسمية، صحفيا يسأل ومذيعا يناقش بأداء تقني وبشري رفيع، وسرعان ما انتشرت سيرتها كالنار في هشيم الاحتكار الإعلامي.

إعلان

وتأكيدا على هذا المعنى، يصور التقرير كيف كبرت الجزيرة عاما بعد عام، وعين الأمير الوالد لا تفارقها، معتبرا إياها مشروعه الشخصي الذي يشبهه، واسع الأفق، متقبلا للآخر رأيا وحضورا، وكان يدرك أن التأثير وليد الإقناع، والإقناع ابن المنطق، والحقيقة لا تموت، وما يقنع الناس يقبلون عليه.

ويشير التقرير إلى أن الأمير الوالد منح الإعلام العربي ثورته، فتبع الجزيرة سيل من القنوات والمحطات، "لكنه كان الأول، وهي الأولى، برؤية رجل سبق زمنه بعقود"، مستذكرا كلمته "الشعوب العربية لم تقل بعد كلمتها الأخيرة، ومن يتهيب صعود الجبال، يعيش أبد الدهر بين الحفر"، في تأكيد على أن النهضة تبدأ بفكر حر وإعلام صادق.

ويخلص التقرير إلى أن السياسة الجديرة بالاحتفاء هي ما تجعل الناس يقفون منتصبي القامة، وتحفظ لهم حقهم الإنساني في المعرفة، وتحترم العقل والحرية.

وهذا ما أرادت الجزيرة أن تكونه، وكانته، وستكون وفية لمن أسسها، ولمن يكمل من بعده، لكن الأمانة محفوظة في كل زاوية وصورة وصوت، في الصرح المقبل على عامه الثلاثين، كما تؤكد فاطمة التريكي.

منبر إعلامي حر

وقال أحمد الشيخ، مدير الأخبار سابقا بقناة الجزيرة، إن إطلاق قناة الجزيرة كان أحد أبرز تجليات رؤية الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مؤكداً أن المشروع انطلق من إيمانه بأهمية وجود منبر إعلامي عربي حر يتيح للجمهور معرفة ما يدور حوله ويفتح المجال أمام تناول القضايا المختلفة باستقلالية.

وأوضح الشيخ أن المشهد الإعلامي العربي قبل تأسيس الجزيرة كان يغلب عليه الطابع الرسمي، وكانت معظم وسائل الإعلام تركز على إبراز أخبار الحكام، في حين اختار الأمير الوالد أن تبتعد القناة عن هذا النهج، فلم تكن أخباره تتصدر نشراتها، في إطار رؤية هدفت إلى جعل الإعلام في خدمة الجمهور لا السلطة.

وأضاف أن الشيخ حمد بن خليفة كان يحرص خلال زياراته لمقر الجزيرة على لقاء الصحفيين والعاملين فيها والتحدث إليهم بصورة مباشرة، مشيراً إلى أن تعامله اتسم بالبساطة والإنسانية، بعيداً عن المظاهر الرسمية، مع احتفاظه بالحزم في اتخاذ القرار.

واستعاد الشيخ حواراً دار بينه وبين الأمير الوالد بشأن مستقبل قناة الجزيرة، في ظل تراجع بعض المؤسسات الإعلامية القطرية التي كانت تحظى بمكانة عربية، مثل مجلة الدوحة، موضحاً أن الشيخ حمد بن خليفة أكد له حينها أن القناة ستظل محمية ولن يمسها أحد ما دام على قيد الحياة، وهو ما اعتبره دليلاً على التزامه باستمرار المشروع الإعلامي الذي أطلقه.

رؤية جريئة لتطوير الإعلام

ومن جانبه، قال الإعلامي بقناة الجزيرة محمد كريشان إن الأمير الوالد امتلك رؤية مبكرة وجريئة لتطوير الإعلام، مؤكداً أن مشروع قناة الجزيرة لم يكن خطوة مفاجئة بالنسبة لمن عرفوا أفكاره قبل توليه الحكم، بل جاء امتداداً لرؤية إصلاحية كان يحملها منذ أن كان ولياً للعهد.

وأوضح كريشان أنه التقى الأمير الوالد في الدوحة عام 1993 عندما كان ولياً للعهد ووزيراً للدفاع، ضمن وفد صحفي تونسي، مشيراً إلى أن اللقاء كشف عن شخصية مختلفة عن الصورة التقليدية للمسؤولين الخليجيين، من خلال حديثه عن التغيير وتطوير الدولة والمنطقة برؤية منفتحة وغير تقليدية.

إعلان

وأضاف أن تلك القناعات انعكست لاحقاً في السياسات التي انتهجها بعد توليه الحكم، وفي مقدمتها تأسيس قناة الجزيرة، التي وصفها بأنها تجسيد لرؤية سياسية وإعلامية اتسمت بالجرأة والسعي إلى تغيير أساليب تناول القضايا العربية.

وأكد كريشان أن العاملين في الجزيرة كانوا يشعرون بقدر كبير من الثقة أثناء ممارسة عملهم، بفضل ما وصفه بـ"الإرادة السياسية" الداعمة لاستقلالية القناة، مشيراً إلى أن هذا الدعم أتاح تقديم برامج وخطابات إعلامية جريئة، في وقت كانت فيه معظم وسائل الإعلام العربية تخضع لقيود سياسية ورقابية صارمة.

aljazeera.net