سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

المبادرات.. لماذا تتحول إلى ساحة حرب جديدة

المبادرات.. لماذا تتحول إلى ساحة حرب جديدة؟

أحمد عثمان جبريل

❝ حين تقترب الحروب من نهايتها، لا يشتد الصراع على إسكات البنادق، وإنما على من يكتب الصفحة الأولى بعد صمتها.. فالتسويات لا تثير الخلاف لأنها توقف القتال، بل لأنها تعيد توزيع المستقبل. ❞

يروي التاريخ الإسلامي أن صلح الحديبية، حين أُبرم بين المسلمين وقريش، لم يُستقبل بالرضا الكامل من الجميع.. فقد رأى بعض الصحابة أن شروطه تميل إلى قريش، حتى ضاقت بها النفوس، وتسرب إليها شعور بأن المسلمين قد قبلوا بما لا يليق بقوتهم ومكانتهم.. غير أن رسول الله صل الله عليه وآله وسلم، كان ينظر إلى ما وراء اللحظة، فرأى ما لم يكن يراه صحابته، حتى نزل قول الله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا).

ولم يكن الخلاف يومها على وقف القتال وحده، وإنما على شكل المرحلة التي ستولد بعده.. وهكذا تخبرنا تجارب الأمم أن المبادرات الكبرى لا تدخل التاريخ باعتبارها أوراقاً تفاوضية فحسب، بل بوصفها خرائط لمستقبل جديد، ولذلك يشتد حولها الجدل كلما اقتربت من إعادة رسم ملامح الغد.

وربما.. لهذا السبب لا يبدو الجدل الذي أثارته المبادرة الأميركية الخاصة بالسودان أمراً مفاجئاً.. فما إن ظهرت بنودها، وتكاثر الحديث عن لقاء الفريق شمس الدين الكباشي بالمبعوث الأميركي مسعد بولس، حتى انتقلت المعركة من الميدان إلى ساحة أخرى لا تقل سخونةً عنه.. ساحة التأويل، حيث لم يعد السؤال: ماذا تقول المبادرة؟ وإنما:” ماذا تعني؟ ومن يربح منها؟ ومن يخسر؟ وهل ترسم نهاية الحرب فقط، أم ترسم أيضاً شكل الدولة التي ستأتي بعدها؟”.

(1)

نعم .. ربما كان السؤال الذي شغل الرأي العام خلال الأيام الماضية هو: هل تجاوز مسعد بولس رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عندما التقى الفريق شمس الدين الكباشي؟ غير أن التوقف عند هذا السؤال وحده قد يحجب سؤالاً أكبر وأكثر أهمية.. فالتاريخ السياسي يخبرنا أن الوسطاء، كلما اقتربت الحروب من محطات التسوية، يتواصلون مع الشخصيات التي يرون أنها معنية بالملفات المطروحة، أو مع من تفوضهم مؤسساتهم لإدارة مرحلة بعينها.. ولذلك فإن اللقاء، في حد ذاته، لا يكفي للحكم على انتقال مركز القرار، ولا يصلح وحده دليلاً على أن موازين السلطة قد تبدلت داخل الدولة.. وإنما يظل جزءاً من مشهد أوسع، لا تكتمل قراءته إلا بما يتكشف من وقائع ومعطيات.

(2)

والواقع .. أن السؤال الأهم قد لا يكون: هل تجاوز بولس البرهان؟ بل:( لماذا تحولت المبادرة نفسها إلى ساحة حرب جديدة؟).. فالمتابع لما يدور في الساحة السودانية يلحظ أن النقاش لم ينصرف إلى بنودها وحدها، وإنما تمدد سريعاً إلى تفسير مقاصدها، والبحث عمن يستفيد منها، ومن قد يخسر موقعه إذا كُتب لها أن تمضي إلى نهاياتها.. وهنا تحديداً يبدأ الجدل الحقيقي، لأن المبادرات لا تدخل فراغاً سياسياً، وإنما تدخل ميداناً تتقاطع فيه المصالح والهواجس وحسابات المستقبل.

(3)

ولعل .. أكثر ما غذّى الجدل هو ما تردد عن أن المبادرة تمثل تسويةً تُفرض على الجيش.. غير أن قراءة المبادرات الدولية، في العادة، لا تبدأ من قبولها أو رفضها، وإنما من فهم طبيعتها أولاً.. فهي تعكس رؤية من صاغها، لكنها لا تتحول إلى واقع إلا عبر التفاوض والأخذ والرد والتعديل. ولذلك فإن الحديث عن أي مبادرة ينبغي أن يميّز بين ما هو مقترح قابل للنقاش، وبين ما أصبح التزاماً نهائياً.. فالمسافة بين الأمرين هي المساحة التي تتحرك فيها السياسة، وتُختبر فيها قدرة الأطراف على حماية مصالحها والتوصل إلى تسويات تحفظ للدولة تماسكها.

(4)

أما .. ما يطرحه كثيرون من أن البرهان قد يتعامل مع المبادرة كما تعامل مع مبادرات سابقة، مناوراً كعاداته عبر كسب مزيد من الوقت أو إعادة ترتيب أوراق التفاوض.. فنقول:” ذلك احتمال يفرضه تاريخ الأزمة، لكنه ليس الاحتمال الوحيد.. فإذا ما نظرنا للواقع الإقليمي والدولي اليوم، فسيبدوا لنا أكثر تعقيداً مما كان عليه في المراحل السابقة، كما أن استمرار الحرب قد ألقى بأعباء إنسانية واقتصادية وأمنية على حكومة البرهان تجاوزت حدود السودان إلى جواره الإقليمي.. وفي مثل هذه الظروف، لا تُقاس قدرة أي قيادة على المناورة بالرغبة وحدها، وإنما بميزان القوى، وبحجم الضغوط، وبالبدائل المتاحة أمامه على طاولة التفاوض.

(5)

غير أن .. السؤال الذي لا يقل أهمية هو: لماذا كان الكباشي هو من جلس إلى الطاولة؟ وهل اختاره الأميركيون لاعتبارات تتصل بطبيعة المرحلة، أم أن المؤسسة العسكرية نفسها دفعت به لإدارة هذا الملف؟ لا توجد، حتى الآن، معطيات قاطعة تجيب عن ذلك، لكن المؤكد أن الدول، حين تدخل مفاوضات معقدة، لا تنظر فقط إلى المواقع الدستورية، وإنما إلى طبيعة الملفات، وإلى الشخصيات التي تستطيع إدارة كل ملف.. ولذلك قد يكون تعدد قنوات التواصل تعبيراً عن توزيع للأدوار داخل المؤسسة، كما قد يراه آخرون مؤشراً إلى تحولات أعمق.. وبين الاحتمالين، يبقى التريث في إطلاق الأحكام أقرب إلى القراءة الرصينة من الاستعجال في بناء الاستنتاجات.

(6)

وهنا .. ربما تتضح الصورة أكثر.. فالمتابع للجدل الدائر يلحظ أنه لم يعد محصوراً في نصوص المبادرة أو لقاءات الوسطاء، وإنما امتد إلى سؤال أكثر حساسية: “من سيكون جزءاً من معادلة ما بعد الحرب، ومن سيجد نفسه خارجها؟”.. فمن يرى أن بعض الصيغ المتداولة قد تُفضي إلى حوار لا تشارك فيه قوى بعينها، ينظر إلى المبادرة من زاوية إعادة تشكيل الخريطة السياسية..

وفي المقابل، يرى آخرون أن بعض البنود قد تُحدث تغييراً في موقع المؤسسة العسكرية أو طبيعة دورها خلال المرحلة المقبلة، فيتعاملون معها بوصفها تسويةً قد لا تنصف الجيش.. وبين هاتين القراءتين يتسع الجدل، لأن الخلاف لم يعد يدور حول وقف الحرب وحده، بل حول ترتيب الدولة التي ستولد بعدها.

(7)

ومن هنا .. يبدو أن السؤال الذي بدأنا به لم يكن عن لقاء عُقد في القاهرة، ولا عن شخصية جلست إلى طاولة التفاوض، وإنما عن ظاهرة تتكرر كلما اقتربت الحروب من نهاياتها..

فالمبادرات لا تدخل الساحة السياسية بوصفها أوراقاً لوقف إطلاق النار فحسب، وإنما باعتبارها تصوراتٍ للمستقبل.. ولذلك تستنفر المؤيدين والمعارضين معاً، إذ يرى كل طرف فيها ما قد يضيفه إلى رصيده، أو ينتقصه منه.

وعند هذه النقطة، تتحول معركة (البنادق) إلى معركة على الرواية، ومعركة (الميدان) إلى معركة على شكل الدولة المقبلة.

ما نود قوله هنا:

قد يختلف الناس حول هذه المبادرة، كما اختلفوا حول مبادرات سبقتها، وقد يرفضها بعضهم، أو يتحفظ على بنودها، أو يدعو إلى تعديلها، وذلك حقٌ تفرضه طبيعة السياسة والأزمات الكبرى.. غير أن ما يبدو واضحاً هو أن المبادرات لا تتحول إلى ساحات صراع لأنها تدعو إلى وقف الحرب فحسب، وإنما لأنها تقترب من الإجابة عن السؤال الذي يؤجل الجميع مواجهته: (من سيكتب الصفحة الأولى من السودان بعد الحرب؟)..

وعندما يصبح الصراع على الغد أكبر من الصراع على الحاضر، يصبح الجدل أمراً متوقعاً، وتغدو الروايات المتنافسة جزءاً من معركة لا تقل تأثيراً عن المعارك التي تُخاض في الميدان.. الله غالب.

ومضة:

حين يشتد الخلاف حول مبادرة للسلام، فربما لا يكون الخلاف على السلام نفسه، وإنما على الوطن الذي سيولد بعده.

توقيع أفق الحرف:

أفق الحرف.. أفقٌ يترفّق باتساعه، ليفتح نوافذ المستقبل، لا ليضيف جداراً جديداً إلى الماضي.

altaghyeer.info