لاهاي – 13 يوليو 2026 – راديو دبنقا
قالت اللجنة الوطنية السودانية للتقصي حول استخدام السلاح الكيميائي إنها لم تجد أي دليل مادي أو مؤشرات ملحوظة تدعم الادعاءات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في المواقع التي تم تفتيشها من خلال البعثات الميدانية التي أُجريت حتى الآن. في المقابل، أكدت الولايات المتحدة أن الآليات البيروقراطية المحلية ليست بديلاً عن الامتثال للمعاهدة والتحقق المستقل، فيما دعت بريطانيا السودان لنشر النتائج النهائية للتحقيق حول استخدام الأسلحة الكيميائية.
وأشارت اللجنة الوطنية السودانية في تقريرها المقدم إلى الدورة المائة واثنتي عشرة (7-10 يوليو 2026) إلى تشكيلها وفقاً لقرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي بتاريخ 1 يونيو 2025، القاضي بفحص الاتهامات التي قدمتها الولايات المتحدة بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.
وكانت الولايات المتحدة قد اتهمت السودان، في مايو من العام الماضي، باستخدام أسلحة كيميائية، وأعلنت فرض المرحلة الأولى من العقوبات في العام ذاته، كما فرضت المرحلة الثانية من العقوبات في يونيو الماضي.
وفي أكتوبر الماضي، كشف فريق مراقبي قناة “فرانس 24” في باريس عن أدلة تفيد باستخدام القوات المسلحة غاز الكلور في هجماتها على مصفاة الجيلي النفطية وبالقرب منها في شمال الخرطوم، في حادثتين وقعتا في سبتمبر 2024 أثناء محاولة الجيش استعادة المنطقة من قوات الدعم السريع.
وأعربت منظمة “هيومن رايتس ووتش” حينها عن قلقها إزاء تقارير تفيد باستخدام الجيش السوداني غاز الكلور سلاحاً، معتبرة أن ذلك محظور بموجب القانون الدولي.
وأظهرت الصور التي نشرتها قوات الدعم السريع في مايو 2024 سحابة صفراء مائلة إلى الخضرة، وهي مميزة لغاز الكلور. وتمكن فريق مراقبي “فرانس 24” من تحديد موقع الصور ومقاطع الفيديو المنشورة في سبتمبر 2024 في قاعدة “قري” العسكرية ومصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم، وأكدت “هيومن رايتس ووتش” أنها تحققت من الموقع بشكل مستقل.
من جانبها، وصفت المحامية رحاب مبارك، المهتمة بملف استخدام الأسلحة الكيميائية، في مقابلة مع “راديو دبنقا”، التقرير الذي قدمته اللجنة الوطنية للتقصي بأنه “ضعيف، مهزوز، ومتناقض”، وذكرت أن التقرير لم يوضح آليات عمل اللجنة أو التوقيت الذي جرى فيه التحقيق.
وأشارت إلى أن التقرير لم يوضح ما إذا كانت اللجنة قد استعانت بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للحصول على أدوات أو مساعدة، مرجحة أن اللجنة تجنبت ذلك لتفادي التحقق الميداني المستقل الذي قد يكشف حقائق مختلفة.
وأكدت في الوقت ذاته أنه على الرغم من ضعف التقرير، فإنه سيرتب آثاراً قانونية كونه رداً رسمياً على الادعاءات. وأوضحت أن هذا الرد يرتب مسؤولية جنائية في حال ثبت لاحقاً بالأدلة القاطعة استخدام الأسلحة الكيميائية، حيث يعمق المسؤولية بمجرد إنكارها بتقرير رسمي.
وقالت اللجنة الوطنية في تقريرها إن المقابلات التي أُجريت مع السلطات المحلية، وأفراد المجتمع، وموظفي الرعاية الصحية، وغيرهم من الأفراد المعنيين، لم تسفر عن أي شهادات أو أدلة مثبتة تؤكد الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية.
وأوضحت أن المعلومات والوثائق التي راجعتها اللجنة لم تقدم، حتى تاريخه، أي أدلة قابلة للتحقق تدعم الادعاءات قيد التحقيق.
ونبهت إلى أن عمليات التفتيش الموقعية التي أجرتها اللجنة لم تسفر عن أي مؤشرات بيئية أو مادية أو غيرها من المؤشرات الملحوظة التي يمكن تفسيرها بشكل معقول كدليل على استخدام عوامل كيميائية محظورة، وذلك في حدود المناطق التي تمت زيارتها وأنشطة التحقيق التي أُجريت.
وقالت أيضاً إنها حتى وقت إعداد هذا التقرير المرحلي، لم تحصل على أي أدلة مادية أو فنية أو وثائقية تثبت صحة الادعاءات.
وحول منهجية عملها، ذكرت اللجنة أنها راجعت جميع الوثائق والتقارير الرسمية المتاحة والمعلومات ذات الصلة بالادعاءات. وساعد هذا التقييم الأولي في تحديد المواقع والحوادث التي تتطلب التحقيق، وذلك بالتعاون مع مصدر الادعاءات (ممثلي السلطات الفنية المعنية في الولايات المتحدة الأمريكية).
وأشارت أيضاً إلى تنسيقها مع السلطات المعنية، حيث أجرت بعثات ميدانية إلى المواقع المحددة في سياق الادعاءات. وخلال هذه الزيارات، قام أعضاء اللجنة بما يلي، إجراء تفتيش مباشر للمواقع، توثيق الحالة المادية والفيزيائية للمواقع، فحص البيئة المحيطة بحثاً عن أي مؤشرات ملحوظة تتوافق مع الاستخدام المزعوم لعوامل كيميائية، تقييم طبيعة ومدى الأضرار المرئية، تسجيل الملاحظات عبر التوثيق المكتوب والأدلة الفوتوغرافية (الصور) حيثما كان ذلك مناسباً.
كما أجرت مقابلات مع المسؤولين المحليين، وقادة المجتمعات المحلية، والممارسين الطبيين، والعاملين في مجال الرعاية الصحية، وسكان المناطق المتضررة، بجانب الأشخاص الآخرين الذين لديهم معلومات مباشرة قد تكون ذات صلة.
وأعلنت اللجنة كذلك فحص السجلات الطبية والصحية لتحديد ما إذا كانت الإصابات أو الأمراض المبلغ عنها تظهر خصائص قد تشير إلى التعرض لعوامل كيميائية سامة.
من جانبها، قالت البعثة الدائمة للولايات المتحدة الأمريكية لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، في بيانها للدورة 112 من اجتماعات المجلس التنفيذي للمنظمة، إنها رصدت إخفاقات خطيرة في الامتثال أثبتتها التقييمات الفنية الوطنية الأمريكية فيما يتعلق بجمهورية السودان.
وأوضحت البعثة أنه بناءً على تحليل فني دقيق ومستقل، تُقدّر الولايات المتحدة أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024 وظلت غير ممتثلة في عام 2025. وبموجب المادة الأولى، الفقرة 1 (ب) من اتفاقية الأسلحة الكيميائية، فإن حظر استخدام الأسلحة الكيميائية هو حظر مطلق وغير قابل للتفاوض.
وفيما يتعلق بتتشكيل السودان للجنة فنية وطنية داخلية، قالت بعثة الولايات المتحدة إن الآليات البيروقراطية المحلية ليست بديلاً عن الامتثال للمعاهدة والتحقق المستقل. وأكدت مشاركتها المعلومات مع حكومة السودان بشأن ما توصلت إليه، ودعوتها السودان باستمرار للوفاء بالتزاماته بموجب المعاهدة.
وأوضحت أن الولايات المتحدة لم ترسل موظفين إلى السودان لإجراء تحقيقات مستقلة، كما لم توجه أي تحقيق داخلي أجرته لجنته الفنية الوطنية. وكان مندوب السودان قد ذكر في اجتماعات مجلس الأمن في يونيو الماضي أن وفداً أمريكياً قد وصل إلى السودان وجمع عينات، ولكنه لم يرسل نتائج تلك العينات حتى الآن.
وأضافت البعثة الأمريكية أن الاتفاقية واضحة: يجب أن تبدأ العودة إلى الامتثال بتقديم السودان إعلاناً شاملاً ودقيقاً إلى الأمانة الفنية، يتضمن جميع المعلومات المطلوبة حول المنشآت والأسلحة الكيميائية في السودان. كما يتعين على السودان بعد ذلك مباشرة، ووفقاً للاتفاقية، أن يتيح للأمانة الفنية إمكانية الوصول دون عوائق وبكل شفافية لتمكينها من إجراء عملية تحقق كاملة في الموقع.
وأكدت أن استمرار فشل السودان في العودة إلى الامتثال له عواقب؛ فقد فرضت الولايات المتحدة جولة ثانية من العقوبات على السودان بناءً على إخفاقه في تلبية الشروط المطلوبة، معلنة في الوقت ذاته انفتاحها على العمل مع السودان لحل هذه المسألة، مشددة على أن الامتثال للاتفاقية ليس أمراً اختيارياً.
وقالت إن مصداقية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية باتت على المحك، مؤكدة أن الامتثال لأحكام الاتفاقية أمر أساسي لأي دولة طرف، ناهيك عن دولة طرف تشغل مقعداً في المجلس التنفيذي للمنظمة. وأضافت: “لا ينبغي لدولة طرف استخدمت أسلحة كيميائية وفشلت في العودة إلى الامتثال أن تشارك في توجيه قرارات هذا الجهاز”.
ودعت بعثة الولايات المتحدة الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى الحفاظ على نزاهة اتفاقية الأسلحة الكيميائية، وحماية مصداقيتها باختيار ممثلين يتألفون حصرياً من دول ممتثلة امتثالاً كاملاً وقابلاً للتحقق لالتزاماتها بموجب الاتفاقية.
يُذكر أن السودان يشغل حالياً عضوية المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ضمن 41 دولة، وسيتم انتخاب دول بديلة في نوفمبر المقبل بعد انتهاء دورته، على أن تبدأ الدولة الجديدة مهامها في مايو من العام التالي.
dabangasudan.org