
بقلم: احمد النوش
ثمة حقيقة تاريخية واجتماعية سوداء تغيب عن الكثيرين وراء بريق كرة القدم البراق، وهي أن الأرجنتين تمثل واحدة من أكثر بقاع أمريكا الجنوبية عنصريةً وهندسةً عرقية؛ إذ خضع هذا البلد طوال قرنين لعملية "تبييض اجتماعي" ممنهجة وقاسية، أسفرت عن إبادة وتذويب المكون الإفريقي عبر الحروب والأوبئة، وتهميش السكان الأصليين حتى باتت نسبتهم لا تتجاوز اليوم حاجز الـ 3% إلى 5%. ولعل نظرة واحدة إلى تشكيلة منتخب الأرجنتين طوال العقود الماضية تكفي لتكشف لك العجب: بلد في أمريكا اللاتينية يخلو تماماً من أي لاعب أسود، في تناقض صارخ مع جيرانه كالبرازيل وكولومبيا! هذا الفكر الإقصائي ليس مجرد إرثٍ قديم، بل هو سلوك حي يطفح به واقعهم اليوم؛ وتكفي نظرة واحدة على مقاطع الفيديو المتداولة لترى مشجعين أرجنتينيين يهتفون بكل وقاحة واستعلاء ضد مشجع من الرأس الأخضر بمقولة عنصرية فجة: "ارجع إلى وطنك أيها الزنجي!".
هذه البيئة المحتقنة القائمة على الاستعلاء العرقي والطبقي، لم تسلم منها حتى أساطيرهم؛ فـ "دييغو أرماندو مارادونا" نفسه — أول شخصية كروية عرفتها وعرفتُ من خلالها سحر كرة القدم منذ أن أبصرت عيناي النور — كان ضحيةً لهذه العنصرية البغيضة قبل أن يصبح إلهاً كروياً في بلاده.
لقد كان دييغو هو السبب الأول والملهم الأكبر لعشقي الجارف لمنتخب الأرجنتين؛ عشقٌ لم ينطفئ حتى بعد اعتزاله التراجيدي الصادم في مونديال أمريكا عام 1994، حيث كنتُ طفلاً في الحادية عشرة من عمري أرقبُ بمرارة انكسار هذا البطل المحاط بكاريزما صارخة وهالة قيادية لا تتكرر.
وُلد مارادونا في عشوائيات "فيا فيوريتو" الفقيرة، ومنحدر عائلياً من جذور تختلط بالسكان الأصليين، فلاحقته النخبة الأرجنتينية ذات الأصول الإسبانية والإيطالية في بداياته بنظرات الازدراء، وصنّفته ضمن المسمى العنصري الشهير هناك (Cabecitas negras) أو "الرؤوس السوداء"؛ وهو التعبير التحقيري الذي يُنبذ به الفقراء وأصحاب الملامح غير الأوروبية. لم يغفر المجتمع الأرجنتيني المخملي لمارادونا "دونية" منشئه وملامحه، إلا بعد أن أجبرهم بعبقريته الفذة على الركوع تحت قدميه حاملاً مجد عام 1986.
لقد كان مارادونا في مخيلتي الطفولية تجسيداً حياً لشخصية الأنيمي الياباني الشهير "الكابتن ماجد" (Captain Tsubasa)؛ فكلاهما ارتدى شارة القيادة, وحمل الرقم (10)، ورسخ في ذهني اليقين بأن صاحب هذا الرقم هو سيد الملعب الأوحد القادر على تطويع المستحيل.
ولم يتوقف الشغف بالبلد عند حدود المستطيل الأخضر، بل عززه لاحقاً وجه آخر للأرجنتين، وجه لم يكن يمثل فصيلاً بعينه بل حمل أبعاداً إنسانية وعالمية، وهو الثائر الأممي "ارنستو تشي غيفارا".
بدأت رحلتي الطويلة في تشجيع التانغو منذ مونديال 2002، واستمرت لأكثر من عقدين من الزمن.
غير أن هذه المسيرة بلغت محطتها الختامية والمنطقية في ليلة الثامن عشر من ديسمبر عام 2022 بقطر، حين تُوّج "صاحب السمو" وطويل العمر ليونيل ميسي بكأس العالم متشحاً بالبشت العربي. كانت تلك الليلة هي المشهد الأخير المثالي لإغلاق كتاب تشجيع الأرجنتين بعد 21 عاماً من الوفاء؛ فالمهمة التاريخية للجيل الذي عشقته قد كُللت بالتمام.
والحقيقة الدامغة التي تفرض نفسها هنا، هي أن البرازيل ورغم أن تاريخها الاستعماري لا يختلف كثيراً عن بقية مستعمرات كولومبوس ومن تبعوه في "العالم الجديد" — والتي تشكلت مآسيها عبر إبادة السكان الأصليين واستجلاب الرقيق من القارة الإفريقية — إلا أنها اختارت مساراً مغايراً تماماً لجارتها الأرجنتين. فبينما ركضت الأرجنتين خلف وهم "النقاء العرقي الأبيض" عبر الإقصاء والإبادة، احتضنت البرازيل هذا التنوع العرقي الجميل، واستسلمت لوجود هذا الهجين البشري الفريد الذي أعطاها رونقاً خاصاً، وحول مأساة الماضي إلى لوحة فسيفسائية مدهشة تميزت بها بين شعوب الأرض، وانعكست روحها الحرة والمبدعة في طريقة عيشهم ولعبهم.
ومع إسدال الستار على تلك الحقبة، عاد القلب بعد غياب دام عشرين عاماً إلى محطته الأولى وحبي الأزلي؛ إلى منتخب "السيليساو" البرازيلي. ورغم أن راقصي السامبا ودعوا المونديال قبل 8 أيام تقريباً على يد النرويج في دور ال16، إلا أن السيليساو — بكل تنوعه العرقي، وسمرته الأفريقية الممتدة من "بيليه" العظيم إلى يومنا هذا — سيبقى هو العشق الأولي، الدائم، والمستديم.
سيبقى هذا المنتخب هو الموطن الروحي لكرة القدم التي أحببت، متزيناً بإرث الفيلسوف والطبيب "سقراط" — الذي طالما وقفتُ معجباً بشخصيته الاستثنائية ومبادئه الإنسانية والسياسية الصارمة داخل الملعب وخارجه — ومزداناً ببريق الظاهرة "رونالدو"، وسحر "ريفالدو"، وأناقة "كاكا". إنها مدرسة المتعة والقيم التي لا تغيره تقلبات المنصات ولا حسابات التتويج العابرة.