
يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ أشهر إجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، مستخدماً كل الوسائل المتاحة من الغارات الجوية والحصار البحري إلى المفاوضات والتهديدات بتدمير «حضارة بأكملها».
لكن الخبراء يرون أن إعادة حركة ناقلات النفط في هذا الممر الملاحي الحيوي في الشرق الأوسط إلى مستويات ما قبل الحرب سيتطلب على الأرجح أسطولاً حربياً أميركياً أكبر بكثير، إن لم يكن عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين على الأراضي الإيرانية. ورغم الحرب المتقطعة، لا تزال إيران قادرة على استهداف السفن في الممر المائي الضيق للخليج بطائرات مسيّرة وصواريخ مخبأة في بلد لا تتجاوز مساحته ثلث مساحة الولايات المتحدة القارية، حسبما أفاد تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».
وفي هذا الصدد، يقول جيسون إتش. كامبل، الباحث في معهد الشرق الأوسط والمسؤول السابق في البنتاغون لوكالة «أسوشييتد برس»: «إيران تستعد لهذا النوع من الصراع غير المتكافئ منذ عقود. أعتقد أنهم بدأوا يوضحون لماذا لم يختر أي رئيس أميركي آخر منذ ريغان الدخول في هذا المستوى من الصراع مع إيران؛ لأن لديهم القدرة على تعطيل مضيق هرمز بشكل كامل».
أعلن ترمب، الاثنين، أن الولايات المتحدة ستعيد فرض حصارها على موانئ إيران، وستفرض رسوماً على السفن الأخرى مقابل المرور الآمن عبر المضيق، بينما تصر إيران على سيطرتها على الممر المائي، الذي يمر عبره عادةً 20 في المائة من نفط العالم، في حين تبادل الجانبان إطلاق النار خلال الأسبوع الماضي في سلسلة من المناوشات التي تنذر بعودة حرب شاملة.
ولا تزال حركة الشحن التجاري مُقيدة في المضيق؛ الأمر الذي ينذر بارتفاع أسعار النفط مجدداً، ولم تُبدِ إيران أي نية للتراجع. وقد لاقت الحرب استياءً شعبياً واسعاً بين الأميركيين، وقد تؤثر على انتخابات التجديد النصفي المقبلة في ظل ارتفاع أسعار البنزين.
وفي هذا الصدد، قال إريك لوب، الباحث غير المقيم في برنامج الشرق الأوسط التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة فلوريدا الدولية: «كانوا يعتقدون أن الوضع تحت السيطرة، والآن يشهدون تصعيداً متجدداً، وردود فعل سلبية من الأسواق».
وأضاف لوب: «إنه اختبار حقيقي للإرادة لمعرفة مدى استعداد الإيرانيين لتحمل الخسائر الاقتصادية، ومدى الخسائر الاقتصادية، بل وحتى التبعات السياسية، التي قد تلحق بترمب والجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)».
وقد يتطلب تأمين المضيق إرسال قوات برية. وقبل انضمامه إلى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، عمل كامبل باحثاً في مؤسسة راند، حيث تعاون مع الجيش الأميركي لمحاكاة سيناريوهات حرب ضد إيران. وأوضح كامبل: «إن ما يفعلونه الآن هو تحديداً ما نوقش وطُرح في جميع هذه السيناريوهات».

قال كامبل إن إيران تُنتج قطع غيار أسلحتها في منشآت متعددة لتقليل خطر تعرضها للهجوم. وغالباً ما يُسمح لوحداتها العسكرية بالعمل دون انتظار أوامر من طهران، كما أنها لا تتجمع عادةً في مكان واحد؛ ما يُقلل من فاعلية الضربات الجوية. وأضاف كامبل: «من الصعب جداً تصور أي سيناريو يُمكن فيه تأمين مضيق هرمز بشكل مُرضٍ دون وجود قوات برية».
وقال كامبل إن نشر قوة بهذا الحجم سيستغرق بضعة أشهر ويتضمن «تكاليف باهظة للغاية». وأوضح كامبل أن ذلك سيتطلب عشرات الآلاف من الجنود، ليس فقط لتدمير الذخائر الإيرانية المخفية، بل أيضاً لتأمين مئات الأميال من السواحل ومساحات شاسعة من الأراضي الداخلية. ومن المرجح أن تواجه القوات الأميركية هجمات من المتمردين.
وأصرّ ترمب مساء الاثنين على أن «المضيق مفتوح، وسيظل مفتوحاً»، وأن الولايات المتحدة أحرزت تقدماً ملحوظاً في إضعاف قدرات إيران خلال بضعة أشهر فقط. وتعهدت إيران بالرد على أي تدخل أميركي في المضيق.
ويرى الخبراء أن من بين الطرق الأخرى لتسهيل حركة الملاحة التجارية الآمنة عبر المضيق استمرار - بل وتصعيد - وجود سفن حربية أميركية ترافق السفن المدنية. إلا أن هذا الأمر ينطوي على تحديات وتكاليف خاصة به.
في هذا السياق، قال مايكل آيزنشتات، المحلل العسكري الأميركي السابق، إن مثل هذا الجهد اليوم يتطلب عدداً كبيراً من السفن الحربية الأميركية، في حين أن الأسطول أصغر مما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي.
وأضاف آيزنشتات، الذي يدير حالياً برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «لا يزال من الضروري تخصيص جزء كبير من الأسطول الأميركي لهذه المهمة بشكل دائم». وأوضح أن الوضع اليوم أكثر تعقيداً بكثير، إذ راكمت إيران قدرات متقدمة، بما في ذلك قدرتها على شنّ ضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
وتابع آيزنشتات: «إذا نفّذنا ما يلزم لإنجاح هذه العملية، والذي قد يشمل إنزال قوات برية لتطهير مواقع إطلاق صواريخ كروز والطائرات المسيّرة، فإن خسائر القوات الأميركية سترتفع، وإذا ما أُضيفت إليها عملية مرافقة، فمن المحتمل أن ترتفع الخسائر أيضاً».
وتتجنب السفن التجارية الطرق التقليدية عبر المضيق خوفاً من الألغام الإيرانية. وقد طالبت إيران السفن باستخدام طريق قريب من سواحلها، وألمحت إلى إمكانية فرض رسوم بموجب اتفاق مؤقت لإنهاء الحرب.
وتتجه السفن بشكل متزايد إلى سلوك طريق جنوبي بمحاذاة ساحل عُمان، تحت إشراف عملية مراقبة أميركية تستخدم الطائرات المسيّرة والطائرات العادية لتوجيهها.
وقال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية، إن عمليات إزالة الألغام مستمرة في بعض الطرق التقليدية عبر المضيق، لكن «الطرق البديلة لا تزال متاحة».
ولم يمنع الطريق الجنوبي الهجمات الإيرانية على السفن؛ ما دفع الجيش الأميركي إلى استهداف أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، ومواقع الرادار، ومعدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والقوارب الصغيرة.
لكن تهديدات إيران وحدها كافية لوقف التجارة في المضيق، حسب نوعام رايدان، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والمتخصص في مخاطر الطاقة والمخاطر البحرية في الشرق الأوسط.
قال رايدان: «لا يحتاجون إلى إطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ، بل يمكنهم ببساطة استخدام قناة الاتصال اللاسلكي البحري لتوجيه بعض التهديدات. وهذا بحد ذاته كافٍ لترهيب الكثير من البحارة».
وقال كلايتون سيغل، الباحث غير المقيم في مجال أمن الطاقة بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن إدارة ترمب لم تفِ بوعودها التي قطعتها في بداية الحرب بتقديم الدعم العسكري للشحنات التي أصبحت عبئاً على الصراع.
وقال سيغل: «لم تتحقق تلك المرافقة البحرية، والسفن الحربية الأميركية، والالتزامات الأكبر مثل إرسال قوات برية؛ لأنني أعتقد أن الخطاب تجاوز قليلاً قدرتنا على تحمل المخاطر. وعندما حانت لحظة الحقيقة، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لنشر قواتها البحرية، أو قواتها العسكرية الأخرى، بالقدرة اللازمة حتى لمحاولة تحييد تلك التهديدات».
aawsat.com