سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة 610: نحو نموذج حزبي يستجيب لتحديات السودان

إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «6-10»: نحو نموذج حزبي يستجيب لتحديات السودان

ميرغني الحبر/ المحامي

عندما نتحدث عن إصلاح الأحزاب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الحزب الذي نريد إصلاحه أو بناؤه؟

فليس كل تنظيم سياسي حزباً بالمعنى المؤسسي، كما أن كثرة الأحزاب لا تعني بالضرورة وجود حياة ديمقراطية سليمة. لقد أثبتت تجارب العالم أن نجاح الديمقراطية يرتبط بنوعية الأحزاب أكثر من عددها، وبقدرتها على إدارة الشأن العام أكثر من قدرتها على كسب الانتخابات.

ومن هنا، فإن الحديث عن “الحزب السياسي الحديث” لا يقصد به حزباً جديداً من حيث تاريخ التأسيس، بل نموذجاً جديداً في التفكير والتنظيم والإدارة، يمكن أن تتبناه الأحزاب القائمة كما يمكن أن تقوم عليه أحزاب جديدة.

 أولاً: الحزب الحديث مؤسسة لا زعامة

الفرق الجوهري بين الحزب التقليدي والحزب الحديث هو أن الأول غالباً ما يدور حول الأشخاص، بينما يدور الثاني حول المؤسسات.

فالحزب الحديث لا يتوقف على وجود زعيم بعينه، بل يستمر بقوة لوائحه، ووضوح هياكله، وقدرته على إنتاج قيادات جديدة بصورة منتظمة.

وتصبح القيادة فيه وظيفة تنظيمية، لا امتيازاً دائماً، وتخضع للمساءلة والتقييم كما يخضع لها جميع أعضاء الحزب.

 ثانياً: البرنامج قبل الشعارات

يقاس نجاح الأحزاب اليوم بقدرتها على تقديم حلول عملية، لا بكثرة الشعارات.

فالمواطن يريد أن يعرف كيف سيحسن الحزب الاقتصاد، ويطور التعليم، ويعالج البطالة، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويحقق السلام، ويكافح الفساد.

ولهذا، فإن الحزب الحديث يبني برامجه على الدراسات والبيانات والخبرات، لا على الانطباعات أو الخطابات التعبوية.

 ثالثاً: الديمقراطية تبدأ من داخل الحزب

لا يستطيع حزب يفتقد الديمقراطية الداخلية أن يقود دولة ديمقراطية.

ولذلك، فإن الانتخابات الدورية، وتداول القيادة، وحرية النقاش، وشفافية اتخاذ القرار، ليست إجراءات شكلية، وإنما هي أساس بناء الثقة داخل الحزب، وشرط لاكتساب المصداقية أمام المجتمع.

 رابعاً: الاستثمار في الإنسان

أحد أكبر أوجه القصور في الحياة الحزبية السودانية هو ضعف الاهتمام بإعداد الكوادر.

فالأحزاب الحديثة لا تنتظر وصولها إلى السلطة حتى تبحث عن الوزراء والخبراء، بل تعمل منذ البداية على إعداد قيادات سياسية وإدارية قادرة على إدارة الدولة بكفاءة.

ولهذا، تنشئ معاهد للتدريب، ووحدات للبحوث، وبرامج لاكتشاف القيادات الشابة، وتستفيد من الجامعات ومراكز الدراسات والخبرات الوطنية في الداخل والخارج.

 خامساً: الانفتاح على المجتمع

الحزب الحديث لا يعيش داخل مقاره، بل يعيش وسط المجتمع.

إنه ينصت للمزارع كما ينصت للأستاذ الجامعي، ويهتم بقضايا الريف كما يهتم بقضايا المدن، ويتعامل مع المواطنين بوصفهم شركاء في صناعة السياسات، لا مجرد ناخبين يظهرون كل بضع سنوات.

كما يحرص على تمثيل النساء والشباب وذوي الخبرات والأقاليم المختلفة تمثيلاً حقيقياً داخل مؤسساته.

 سادساً: الشفافية والمحاسبة

الثقة لا تُطلب، بل تُبنى.

ولا يمكن أن يثق المواطن في حزب لا يعرف مصادر تمويله، أو لا يعلن ميزانيته، أو لا يراجع أداء قياداته.

ولذلك، فإن الحزب الحديث يلتزم بالشفافية المالية، ويضع آليات واضحة للمحاسبة، ويعتبر النزاهة قيمة تنظيمية لا مجرد شعار سياسي.

 سابعاً: التكنولوجيا والمعرفة

في القرن الحادي والعشرين، أصبحت المعرفة أهم موارد السياسة.

ولهذا، يعتمد الحزب الحديث على قواعد البيانات، والبحوث، واستطلاعات الرأي، والتقنيات الرقمية في التواصل مع المواطنين، وفي تقييم السياسات، وفي إدارة شؤونه التنظيمية.

كما يستثمر في الإعلام الرقمي، ويجعل الحوار مع المجتمع عملية مستمرة، لا موسماً انتخابياً.

 الحزب الحديث في السودان

إذا أردنا بناء حزب حديث في السودان، فلا ينبغي أن يكون نسخة من حزب أوروبي أو آسيوي، وإنما تعبيراً عن واقعنا الوطني.

حزب يحترم التنوع الثقافي والإثني، ويؤمن بالمواطنة المتساوية، ويوازن بين الحرية والعدالة الاجتماعية، ويستفيد من الإرث الوطني، دون أن يبقى أسيراً له.

حزب يربط الديمقراطية بالتنمية، والسياسة بالإنتاج، والسلطة بالمسؤولية، ويجعل خدمة المواطن معيار نجاحه الأول.

 ختاماً

إن الحزب السياسي الحديث ليس حلماً نظرياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة الدولة المعاصرة وتعقيدات المجتمع الحديث.

والسودان، وهو يستعد لمرحلة إعادة البناء بعد الحرب، يحتاج إلى أحزاب تمتلك القدرة على إدارة السلام كما تمتلك القدرة على إدارة الاقتصاد، وتجمع بين الوطنية والكفاءة، وبين المبادئ والواقعية.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: هل يكفي إصلاح الأحزاب القائمة لتحقيق هذا الهدف، أم أن السودان يحتاج إلى ميلاد حزب جديد يعبر عن القوى الحديثة وتطلعات الأجيال الجديدة؟

وهذا ما سنناقشه في المقال القادم.

إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «5-10»: ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟

altaghyeer.info