سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

التعديات على شبكة الري بمشروع الجزيرة تهدد مستقبل القسم الشمالي الغربي

التعديات على شبكة الري بمشروع الجزيرة تهدد مستقبل القسم الشمالي الغربي

حسب الرسول العوض إبراهيم

ظل مشروع الجزيرة لعقود أحد أهم المشروعات الزراعية في السودان وقامت نهضته على نظام ري دقيق صمم وفق أسس هندسية تضمن عدالة توزيع المياه ووصولها إلى جميع الحواشات. غير أن ما يشهده المشروع اليوم وبخاصة القسم الشمالي الغربي يكشف عن تدهور كبير في إدارة منظومة الري حتى أصبحت التعديات على شبكة الري أحد أبرز أسباب الأزمة التي يعاني منها المزارعون.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى سنوات سبقت التدهور العام الذي أصاب المشروع، عندما بدأت تعديات كبيرة على التصميم الهندسي لشبكة الري. ومن أبرزها إنشاء ميجر الكريل وترعة الإنقاذ وترعة جياد وترعة  الخريجين وهي قنوات أُنشئت خلال فترة حكم الإنقاذ في ظل تجاوزات إدارية سمحت لنافذين بالعبث بمنظومة الري.

ولم يكن الخلل في إنشاء هذه الترع وحده بل امتد إلى طريقة ربطها بشبكة الري. فوفقاً للتصميم الهندسي الأصلي كان من المفترض أن تستمد ترع الإنقاذ وجياد والخريجين مياهها من ترعة أبو زمام إلا أن تلاعباً  بحسب إفادات ميدانية جرى بين بعض العاملين في إدارة الري ومستفيدين من هذه التعديات أدى إلى توصيلهما مباشرة بميجر وغرة مقابل منح مساحات زراعية لبعض مهندسي الري. وقد ترتب على ذلك استنزاف جزء من الحصة المائية المخصصة للقسم الشمالي الغربي وانخفاض كميات المياه المتدفقة إلى مكاتبه الزراعية.

إلى جانب ذلك توجد تعديات أخرى تتمثل في الترع الممتدة من أبو عشر حتى منطقة 26 سليم، إضافة إلى الترع الواقعة بين 26 سليم  وكيلو  20  (قهوة الخشب) وقد خصصت هذه الترع لري مساحات محددة إلا أنها أصبحت على أرض الواقع تروي مساحات تفوق المصدق لها بأضعاف دون أي زيادة في الطاقة الاستيعابية للقنوات أو في كمية المياه الواردة وهو ما أخل بعدالة توزيع المياه وأدى إلى تفاقم أزمة العطش في القسم الشمالي الغربي.

كما توجد ترع كان يفترض أن تتغذى من مواجر أخرى، إلا أنها حولت إلى ميجر القسم الشمالي الغربي لمجرد قربها الجغرافي في مخالفة واضحة للتصميم الهندسي الأصلي. وتشير المعلومات أيضاً إلى وجود مزارع خاصة تستنزف حصة المياه بينما يروي بعض أصحاب النفوذ مساحات تصل إلى نحو مائتي فدان  وازيد في وقت يعجز فيه آلاف المزارعين عن الحصول على احتياجاتهم من المياه.

والأخطر من ذلك أن ميجر القسم الشمالي الغربي صُمم لري مساحات محددة ولم تُجر عليه أي توسعة تستوعب هذه الأحمال الإضافية مما أدى إلى انخفاض المناسيب وعدم وصول المياه إلى نهايات القنوات خاصة خلال مواسم العطش.

ورغم أن السلطات سبق أن أزالت بعض هذه التعديات في إحدى السنوات فإنها سرعان ما عادت من جديد،وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول ضعف المتابعة وغياب تطبيق القانون بصورة مستمرة. كما شُكلت لجنة طوارئ لإزالة التعديات، إلا أن جهودها تركزت على مواجر أخرى بينما ظلت تعديات القسم الشمالي الغربي قائمة رغم التنبيه المتكرر إلى أنها تمثل أحد الأسباب الرئيسية لأزمة المناسيب وشح المياه.

ولا شك أن هذه التعديات على خطورتها ليست السبب الوحيد في أزمة الري لكنها زادت من سوء الأوضاع التي تعانيها منظومة الري في مشروع الجزيرة والتي تعاني أصلاً من انهيار البنية التحتية وعدم تطهير الترع والقنوات في مواعيدها، وضعف أعمال الصيانة وتراجع كفاءة شبكة الري بصورة عامة. ومع اجتماع هذه العوامل أصبحت حصة المياه المخصصة للقسم الشمالي الغربي تتناقص عاماً بعد آخر حتى بات آلاف المزارعين مهددين بفقدان مواسمهم الزراعية، بل إن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى خروج مساحات واسعة من دائرة الإنتاج نهائياً.

إن ما يجري اليوم في القسم الشمالي الغربي لا يهدد موسماً زراعياً فحسب بل يهدد مستقبل أحد أهم أقسام مشروع الجزيرة. ومن هنا فإن المطالبة بفتح تحقيق شامل ومستقل في جميع التعديات التي شهدها هذا القسم ومراجعة كل التصاديق والقرارات التي خالفت التصميم الهندسي لشبكة الري وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من أسهم في الإضرار بحقوق المزارعين.

ويجب على لجنة الطوارئ المختصة بإزالة التعديات أن تجعل القسم الشمالي الغربي على رأس أولوياتها وأن تتحرك بصورة عاجلة لإزالة جميع التعديات التي استنزفت حصته المائية لسنوات طويلة. فالمزارعون في هذا القسم لم يعودوا يواجهون مجرد نقص في مياه الري وإنما أصبح مستقبلهم الزراعي بأكمله مهدداً وقد يجد كثير منهم أنفسهم عاجزين عن زراعة أراضيهم إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه. وإن إنقاذ القسم الشمالي الغربي اليوم هو خطوة ضرورية لإنقاذ ما تبقى من مشروع الجزيرة وحماية واحد من أهم المشروعات الزراعية في السودان.

* كاتب ومحلل سياسي

altaghyeer.info