سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

بين لغة الصواريخ وطاولة التفاوض.. هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل حرب إيران

بين لغة الصواريخ وطاولة التفاوض.. هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل حرب إيران

تصاعدت حدة التوتر في الشرق الأوسط مع انزلاق المواجهة بين واشنطن وطهران إلى مرحلة أكثر تعقيدا، بالتزامن مع استمرار الحديث عن مسارات تفاوضية لم تُغلق بالكامل، في وقت ركزت فيه الصحف الأمريكية والبريطانية على التناقض بين السعي الدبلوماسي المعلن واستمرار التصعيد العسكري والسياسي.

وأبرزت كبريات الصحف والمجلات -وتحديدا نيويورك تايمز وواشنطن بوست وأتلانتيك وإنترسبت ونيوزويك وفايننشال تايمز البريطانية- حجم التحديات المتزايدة التي تواجه إدارة الرئيس دونالد ترمب في إدارة الحرب داخليا وخارجيا، فيما بقيت قنوات الوساطة قائمة رغم تراجع فرص التوصل إلى اتفاق سريع.

ماركو روبيو أكد أن بلاده منفتحة على التوصل إلى حل دبلوماسي (رويترز)

المسار الدبلوماسي وفرص التفاوض

ففي ملف التفاوض, أشارت واشنطن بوست إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أكد أن الولايات المتحدة "تبقى منفتحة دائما على حل دبلوماسي"، لكنه أضاف أن الانقسامات داخل النظام الإيراني أصبحت أكثر وضوحا، في إشارة إلى تعقيد فرص التوصل إلى تفاهم.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وفي المقابل، نقلت الصحيفة عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قوله إن إيران "لن تدخر جهدا لوقف الجرائم الأمريكية"، لكنه كشف في الوقت ذاته أن "مقترحات من الوسطاء القطريين قد نُقلت إلينا"، مضيفا أنه لا يرغب في الخوض في تفاصيلها في هذه المرحلة.

وترى الصحيفة أن استمرار تداول مبادرات الوساطة القطرية يعكس بقاء نافذة للحوار، رغم احتدام العمليات العسكرية.

كما تناولت واشنطن بوست تصريحات مسؤولين أمريكيين بشأن الهدف من الهدنة السابقة التي انهارت قبل أسبوع، موضحة أن الإدارة الأمريكية كانت تعتبر وقف القتال فرصة للوصول إلى تفاهم يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز.

في الوقت نفسه، تؤكد إيران أن استئناف الهجمات جاء بعد ما اعتبرته خرقا للتفاهمات السابقة. وبحسب الصحيفة، أدى انهيار مذكرة التفاهم إلى عودة القتال بوتيرة متصاعدة، مع استمرار تبادل الضربات لليوم التاسع على التوالي.

 

مايك جونسون: وظيفة الكونغرس توفير احتياجات الأمن القومي لأمريكا (رويترز)

الأزمة داخل واشنطن

على الصعيد الداخلي الأمريكي، سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على المأزق السياسي والمؤسسي الذي يواجه الحزب الجمهوري في الكونغرس، إذ يجد المشرعون الجمهوريون أنفسهم أمام مطالبات حكومية برصد مبالغ مالية ضخمة لتمويل عمليات عسكرية لم يشاركوا في إقرارها ولا الإشراف عليها.

إعلان

وتقدمت الإدارة الأمريكية بطلب لتمويل إضافي بقيمة 87.6 مليار دولار، يخصص منها 67.1 مليار دولار للنفقات العسكرية الإضافية لهذا العام.

وفي هذا السياق، صرح رئيس مجلس النواب مايك جونسون -في مقابلة مع إحدى القنوات التلفزيونية- بأن "أعظم قوة قتالية على كوكب الأرض يجب أن تكون مجهزة بالكامل، وهذه وظيفة الكونغرس لضمان تحقيق ذلك".

وعند سؤاله عما إذا كان من واجب الكونغرس أيضا التفويض بالحرب، أجاب جونسون "سنقوم بتوفير احتياجات الأمن القومي لأمريكا".

وفي المقابل، يبدي أعضاء الحزب الديمقراطي رفضا قاطعا لتمرير مشروعات قوانين الإنفاق الدفاعي دون الحصول على إستراتيجية واضحة ومحددة للنزاع.

ونسبت الصحيفة إلى زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر القول "إذا كان الجمهوريون يريدون أصواتنا، فعليهم تقديم إستراتيجية موثوقة، كم ستستغرق هذه الحرب؟ وأين تنتهي؟ وما هي أهدافنا؟ إنها أمور بسيطة للغاية ولم يقدموها بعد".

من جانبه، أبدى السيناتور جاك ريد، كبير الديمقراطيين في لجنة الخدمات المسلحة، رفضه المضي قدما في مشروع قانون السياسة الدفاعية، معللا ذلك بقوله "لا يمكنني التصويت لصالح قانون يعين على استمرار حرب جارية ضد إيران لم يسبق للكونغرس أن وافق عليها".

ولم تقتصر المطالبات بالإفصاح والشفافية على المعارضة الديمقراطية فحسب، بل امتدت لتشمل أصواتا داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ دعا السيناتور بيل كاسيدي والسيناتورة ليزا موركوفسكي الإدارة إلى تقديم توضيحات تفصيلية للكونغرس بشأن خلفيات استئناف العمليات العسكرية.

ومع ذلك، ترى الصحيفة أن هذه الانتقادات لم تتحول إلى تحرك فعلي لتقييد صلاحيات الرئيس العسكرية.

خيارات أحلاها مر

ومن جانبها، تناولت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية -في تحليل للكاتب جدعون راشمان- فرص التفاوض من زاوية أكثر تشاؤما، مشيرة إلى أن واشنطن تجد نفسها عالقة في مستنقع عسكري بدون خريطة طريق واضحة للنصر.

وأوضح الكاتب أن الأهداف المتواضعة التي تطرحها المؤسسة الأمنية الأمريكية -مثل إعادة فتح مضيق هرمز بدون رسوم وتقييد البرنامج النووي- تبدو غير قابلة للتحقيق عبر القصف الجوي وحده، بينما تفتقر الإدارة لرغبة في خوض حرب برية تتطلب -وفق تقديرات عسكرية- نحو 600 ألف جندي.

وأضافت فايننشال تايمز أن المأزق الدبلوماسي أعاد طرح خيار "تغيير النظام" في طهران إلى الطاولة في واشنطن وتل أبيب، من خلال تشديد الحصار الاقتصادي لقطع عوائد النفط ومحاولة تحريك المعارضة الداخلية، بعد أن كانت الدبلوماسية قد تصدرت المشهد خلال فترة الهدنة السابقة.

وفي قراءة أعمق للموقف، اتفقت مجلة "ذا أتلانتيك" مع التحليل الذي نشرته فايننشال تايمز بأن واشنطن باتت تواجه خيارات أحلاها مر؛ إذ إن القصف الجوي أثبت محدوديته في فرض خضوع كامل، بينما تنطوي فكرة الحرب البرية على مخاطر سياسية وبشرية غير محسوبة وتتطلب مئات الآلاف من الجنود.

ورأت ذي أتلانتيك أن الحرب كشفت غياب رؤية أمريكية واضحة بشأن مآلات الصراع، مشيرة إلى أن الإدارة قدمت أهدافا متغيرة للحرب، تراوحت بين منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وإضعاف النظام الإيراني، من دون أن تحدد إستراتيجية واضحة لتحقيق أي من هذه الأهداف.

إعلان

واعتبرت المجلة أن هذا الغموض يضعف فرص نجاح أي مسار تفاوضي، ويجعل العودة إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.

 

خسائر الأمريكيين أكبر مما هو معلن

وعلى صعيد التصعيد العسكري، ركزت واشنطن بوست وموقع إنترسبت الإخباري -في تقريريهما- على ارتفاع الخسائر في صفوف القوات الأمريكية عقب استئناف القتال.

وأشار التقريران إلى مقتل 3 جنود أمريكيين خلال الأيام الأخيرة في الأردن والعراق، مع استمرار الضربات الإيرانية على قواعد أمريكية في المنطقة.

ونقلت واشنطن بوست عن مسؤول أمريكي قوله إن واشنطن تستعد لاحتمال "حرب أوسع", لكنها تواجه تحديات تتعلق بتراجع مخزون الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، وصعوبة تعزيز القوات المنتشرة في الشرق الأوسط.

أما تقرير إنترسبت فقد تطرق لجانب آخر من المشهد، إذ نقل عن مسؤول أمريكي لم يُسمه أن عدد المصابين جراء الهجمات الإيرانية "أكبر بكثير" مما تعلنه وزارة الدفاع الأمريكية، وأن عشرات العسكريين تلقوا العلاج خلال الأيام الأخيرة.

وبحسب الموقع الإخباري، فقد أكد مسؤولون أمريكيون أن الحصيلة الحقيقية للإصابات والوفيات تتجاوز الأرقام المعلنة رسميا من قبل وزارة الحرب (البنتاغون)، حيث أشار التقرير إلى وجود تباين وتستر على أرقام المصابين الذين يقدرون بالعشرات، مما يرفع إجمالي الضحايا بين قتيل وجريح إلى أكثر من 446 شخصا منذ اندلاع المواجهات.

وردا على ذلك، توعد الرئيس دونالد ترمب في تصريحات صحفية بأن إيران "ستدفع ثمن مقتل أي جندي أمريكي أضعافا مضاعفة"، مؤكدا أن الضربات الجوية تهدف إلى حماية حرية الملاحة ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي.

وأضاف الموقع الإخباري أن بعض القواعد الأمريكية في البحرين والأردن والكويت والعراق تعرضت لأضرار كبيرة، وأن الهجمات الإيرانية أظهرت قدرة متزايدة على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي باستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

غير أن وزارة الحرب نفت وجود أي تعتيم، مؤكدة أن بيانات الخسائر تحدث بصورة دورية.

استهداف البنية التحتية المدنية يثير تساؤلات قانونية، في ظل القواعد الدولية التي تحظر مهاجمة المنشآت المدنية ما لم تكن لها استخدامات عسكرية مباشرة

بواسطة مجلة نيوزويك

اتساع رقعة الاستهداف

وفي تطور آخر، سلطت نيوزويك الضوء على اتساع نطاق الحرب ليشمل منشآت مدنية وحيوية، بعدما تبادل الطرفان الاتهامات باستهداف محطات تحلية المياه في الخليج وإيران.

ولفتت المجلة إلى أن الكويت أعلنت تعرض محطات للتحلية والطاقة لهجمات إيرانية، مما أدى إلى اندلاع حرائق وتعطيل عدد من وحدات إنتاج الكهرباء والمياه، ودعوة السكان إلى ترشيد الاستهلاك.

ومن جانبها، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن الضربات الأمريكية استهدفت محطة لتحلية المياه على الساحل الإيراني، مما أثر في إمدادات المياه لآلاف السكان، بينما أكدت السلطات الإيرانية لاحقا استمرار تشغيل محطات التحلية في جنوب البلاد.

ونقلت نيوزويك عن يوسي ميكلبرغ، الباحث في معهد تشاثام هاوس في لندن، قوله إن استهداف محطات التحلية يمثل "تصعيدا هائلا"، مشيرا إلى أن استهداف مثل هذه المنشآت الحيوية التي تعتمد عليها دول الخليج بنسب تصل إلى 90% "سيؤدي حتما إلى ردود فعل متتالية". كما أشارت المجلة إلى أن استهداف البنية التحتية المدنية يثير تساؤلات قانونية، في ظل القواعد الدولية التي تحظر مهاجمة المنشآت المدنية ما لم تكن لها استخدامات عسكرية مباشرة.

وبصورة عامة، تُظهر التغطيات الصحفية أن المشهد الحالي يتسم بتوازي مسارين متناقضين، الأول يتمثل في استمرار الوساطات، ولا سيما القطرية، مع تأكيد واشنطن وطهران إبقاء الباب مواربا أمام الحلول الدبلوماسية.

ويتصف المسار الثاني بتصاعد وتيرة العمليات العسكرية واتساع رقعة الاستهداف والخسائر، بما يزيد من تعقيد فرص استئناف المفاوضات في المدى القريب، ويجعل أي تسوية سياسية مرهونة بقدرة الوسطاء على احتواء التصعيد وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين الطرفين.

إعلان

aljazeera.net