نبوءة القميص…
ماجد عرمان
لكل مدينة باب تعبر منه إلى ذاكرتها. وكان باب الخرطوم يومها هو مدخل اعتصام القيادة العامة. كانت البلاد كلها تنهض من ضيق الخوف إلى سعة الحلم. وما إن اجتزت البوابة، حتى دبت في تفاصيل المكان حياة أخرى. هتاف وثيقة، وجدار سجل، وقميص معلق شاهد على كل ما مر. الوجوه تروي سنوات الانتظار. غبار الخرطوم عالق في أطرافها، وتحت العينين بقايا ليال لم تعرف تمام النوم، ومع ذلك بقي في الملامح شيء من جمال الوطن ظل مقيما فيها. وجوه أرهقتهم الأيام وأبقت في ملامحهم بشاشة لا تصطنع. يقفون عند المداخل، يستقبلون القادمين بخفة تشبه المكان. ويأتي الصوت: “ارفع إيدك فوق… التفتيش بالذوق” كما لو أنها جزء من نظام المكان غير المكتوب.كان لمدخل اعتصام القيادة العامة قانون لا يشبه قوانين المدن، ترفع يديك لتدخل، وتترك خلفك خوفا لا يفتش عنه. وما إن تخطو إلى الداخل، حتى تكتشف أن الوطن يمكن أن يُبنى من خيمة، ومن كوب شاي، ومن أغنية، ومن قميص ظل معلقا كأنه عرف، قبل الجميع، أن بعض الخارجين لن يعودوا بالطريق نفسها. وفي طرف الخيمة ظل القميص معلقا. تمر الريح، فتقلب كمه قليلا ثم تمضي، فيعود إلى سكونه الأول. الزر الأخير ما زال مفتوحا، وانثناءة الكتف لم تغادر مكانها، كأن من ارتداه غادره على عجل، ووعده أن الغياب لن يطول. بعض الوعود تبقى معلقة في صمتها، كأنها تعرف طريقا لا نراه. يتقدم الصباح من جهة الأصوات. وقع أقدام بين الخيام، وكفتيرة يتصاعد منها بخار الشاي، وصفوف تمتد نحو المتاريس، وأخرى تجمع الأكياس وتكنس الأرض قبل أن تمتلئ بالناس. ثم يعلو النداء الذي تحفظه الساحة:
“يا إخوانا… الشاي… الشاي بيجاي… شاي ما عادي.”
ينتقل الصوت من خيمة إلى أخرى، ويخرج معه كوب، ثم إبريق، ثم ضحكة. وعلى مقربة منه تعبر العبارة الأخرى، خفيفة كأنها قانون المكان:
“عندك خت… ما عندك شيل.”
من يملك القليل يضعه، ومن لا يملك شيئا يأتي بيديه. نقود تتجمع في كيس صغير، وخطوات تسد فراغا أو نقصا. شاحن يجد هاتفا لا يعرفه، ورغيف يتقاسم بين أكثر من يد، ومساحة صغيرة تتسع لوافد وصل متأخرا.تمر الأيام على الخيام، تتعاقب الوجوه، بينما يزداد القميص رسوخا في مكانه، كأنه وتد غرسه الغياب. يراقب النهار من مكانه، ويجمع على قماشه غبارا خفيفا، ورائحة شاي، وشيئا من دخان الكوانين، وأصواتا لا تعلق إلا بالأماكن التي يكثر فيها الأمل.
الجدران بدورها لم تبق على حالها. وجه يرتسم فوق طبقة طلاء، وكف مرسومة بالحبر، وعبارة تستوقف المارة لحظة ثم تواصل حياتها داخلهم.
تمتد الذاكرة إلى قميص آخر، أبعد زمنا وأشد حضورا. قميص سيدنا يوسف الذي عاد إلى سيدنا يعقوب ملطخا بدم لا يعرفه. وقميص قُدَّ من دبر، وانشق من موضعه، فاستقام ميزان الحقيقة. وقميص حمل رائحة الابن قبل خطاه. القمصان تروي القصة، وتترك آثارها، ثم تمضي، تاركة الزمن يقرأ ما بقي عليها.
بعد فض الاعتصام، خرجت المتعلقات وحدها إلى الضوء. قميص تعرفه أم من غرزة خاطتها ذات مساء. ساعة توقفت عقاربها في لحظة لم يلاحظها أحد. هاتف ما زال يحتفظ برسالة تنتظر من يعود إليها. خاتم تعرفه عين الأب قبل أن تعرفه الأوراق. حذاء أكمل الطريق منفردا. الشواهد سبقت الأسماء إلى التعرف.
مرت الحرب من فوق البلاد، وأعادت ترتيب الشوارع والخرائط والوجوه. بقيت بعض آثار الساحة خارج هذا كله. قميص معلق في الذاكرة، جدار ما زال يحتفظ بملامح وجه، وهتاف يعبر فجأة في رأس عابر، فيلتفت حوله كما لو أن ميدان الاعتصام ما زال حاضرا. للزمن لغته على النسيج أيضا. تخفت الألوان قليلا، وتلين الخيوط، غير أن هيئة الغائب لا تغادره. كل يد ارتدته تركت فيه أثرا صغيرا، عند الياقة، أو على الكمين، أو في كرمشة القماش فوق الكتف. تلك البصمات لا تراها العين لأول وهلة، لكنها تهتدي إليها ذاكرة من يعرف صاحبها. وحين يطول الغياب، يبدأ الناس في البحث عن الإنسان من حيث لا يتوقعون. من خياطة، أو زر، أو ساعة، أو خاتم، أو رائحة علقت بثوب. في تلك التفاصيل التي تبدو ضئيلة، يختبئ العمر كله.
وإذا مر أحد اليوم بالمكان، فلن يرى الخيمة. غير أن القميص ما زال يتأرجح في ساحة الاعتصام في جهة لا تصلها الريح. يمر الذين عاشوا تلك الأيام، فيرفع كل واحد منهم رأسه إلى الموضع نفسه، كأن وعدا ما لا يزال ينتظر عودة من تأخر قليلا. ذلك التأخير اتسع حتى صار أعواما، وبقي القميص على وعده الأول، مكان محفوظا لمن خرج ذات صباح، ولم يغلق الباب خلفه. كأن للقمصان موعدا لا يخطئ الحقيقة. تتأخر أحيانا، لكنها لا تضيع. فما أخفاه قميص، كشفه آخر، وما أطفأه غياب، أعادته رائحة، وما استعصى على الناس، أدركه الزمن واحصاه الحق. و حين يأتي، يقرأ القميص أخيرا ما ظل مطويا في خيوطه.
altaghyeer.info