سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

مجزرة تل.. الدم الفلسطيني وقود الانتخابات الإسرائيلية

مجزرة تل.. الدم الفلسطيني وقود الانتخابات الإسرائيلية

لم يتوقف أثر المواجهة الدامية في قرية تل، غرب نابلس، بالضفة الغربية المحتلة، يوم الجمعة 24 يوليو/تموز 2026، عند مقتل 4 فلسطينيين وإسرائيليين اثنين، ولكن تحوّل إلى مرآة لانقسام إسرائيلي حول عنف المستوطنين، وإلى فرصة حكومية لتسريع الاستيطان قبل الانتخابات.

وبين الرواية الأمنية الرسمية، والتحذيرات الصادرة من داخل المؤسسة الأمنية، والنقد الصحفي، برز اتفاق على أن الضفة دخلت مرحلة احتكاك قد تتجاوز قدرة الجيش على احتوائها.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

رواية أمنية

قدَّم نيتسان شابيرا والمراسل العسكري نير دفوري، في تقرير للقناة 12 نُشر يوم الحادث، الواقعة بوصفها "الهجوم الثالث خلال 24 ساعة"، وقالا إن فلسطينيا انتزع سلاح أحد عناصر الحراسة وأطلق النار، فقتل بنياهو ميلات والرائد يوفال عزرا، لكن التقرير أقر بأن عشرات الإسرائيليين دخلوا محيط تل دون تنسيق مع الجيش، وأن المواجهة بدأت قرب مسجد القرية، حيث قُتل أيضا 4 فلسطينيين.

وأكد إيتاي بلومنتال، مراسل الشؤون العسكرية في "كان 11″، أن الجيش اعتبر المواجهة تحركا عفويا لا عملية مخططة، ودفع بكتيبتين تمهيدا لعملية اعتقالات واسعة في نابلس، أما ألون بن ديفيد، المحلل العسكري في القناة 13، فنقل خشية الجيش من انفجار واسع، مشيرا إلى أن الضفة باتت "على وشك الانفجار" بعد تتابع الهجمات والاعتداءات.

استفزاز متعمد

المحلل المختص بالشأن الفلسطيني في يديعوت أحرونوت، آفي يسخاروف، كتب في 25 يوليو/تموز أن الحادث "كان يمكن منعه"، نافيا أن يكون هجوما مخططا أو محاولة اختطاف.

ووصف دخول المستوطنين إلى تل بأنه استفزاز متعمد، محملا المسؤولية لمن أطلق النار، ولحكومة تسمح بالعنف اليهودي، وشرطة تمنح غطاء لمخالفي القانون، وجيش وشاباك يترددان في مواجهة المستوطنين.

تطور متصاعد في عدد وأساليب هجمات المستوطنين بالضفة الغربية (الجزيرة)

ومن داخل الشاباك، وصف إريك "هاريس" باربينغ، الرئيس السابق لمنطقة القدس والضفة ورئيس قسم السايبر، في مقال للقناة 12 بالتاريخ نفسه، المستوطن المحرض بأنه "المتنمر الإستراتيجي" القادر على إشعال انتفاضة. وقال إن جولة المستوطنين غير المرخصة لم تكن لمعرفة البلاد، بل "لإظهار الوجود والقوة"، وإن الاحتكاك الهادف للحرق والسرقة والضرب تحوّل إلى "إرهاب يهودي" يستنزف القوات المكلفة أصلا بإحباط الهجمات.

إعلان

غضب متبادل

مراسلة هآرتس المتخصصة في الشأن الفلسطيني، عميرة هاس، رأت في مقال لها في 25 يوليو/تموز أن ما انهار في تل هو "ضبط النفس الفلسطيني" أمام هجمات متكررة لمستوطنين مسلحين، واعتبرت أن الجولات والمزارع الاستيطانية ليست حوادث منفصلة، بل أدوات لدفع "خطة الحسم" التي يتبناها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، عبر الاستيلاء على الأرض، وتفكيك التجمعات الفلسطينية ودفع سكانها إلى الرحيل.

وعرضت عيناف حلبي في يديعوت أحرونوت روايتين تعكسان اتساع الهوة، فقد قال جهاد رمضان، أحد أقارب الشهداء الأربعة، إن "حاجز الخوف انكسر"، وإن الحادث جزء من حملة انتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وسموتريتش. وفي المقابل، قال مستوطنون من حفات جلعاد إنهم يشعرون بأنهم يعيشون "7 أكتوبر" جديدا، وإنهم سيعتمدون على أنفسهم إن لم يوفر الجيش الحماية.

انتقام واستيطان

وثق تقرير إفرات بورشر في موقع والا، في 24 يوليو/تموز، موجة اعتداءات انتقامية شملت فرعتا وجيت وبيت فوريك ومناطق أخرى، وتضمنت إطلاق نار وحرق ممتلكات وشاحنة إطفاء. وفي اليوم التالي، كشف عيدان بلومهوف في يديعوت أحرونوت دخول نحو 20 مستوطنا إلى تل مجددا، وإقامة 4 بؤر قرب تل ونابلس، بعضها في المنطقة "ب"، بينما اعتقل الجيش أكثر من 70 فلسطينيا، بينهم 11 من القرية، واستجوب نحو 80 آخرين.

موجة اعتداءات انتقامية نفذها المستوطنون في أنحاء مختلفة في الضفة الغربية (مواقع التواصل الاجتماعي)

وفي مقابل التصعيد، اكتفى الرئيس إسحاق هرتسوغ، وفق تقرير إيتامار إيخنر في يديعوت أحرونوت، بتعزية عائلة ميلات والدعوة إلى الوحدة ومنع "انتصار الإرهاب"، دون التطرق إلى دخول المستوطنين غير المنسق أو مقتل الفلسطينيين.

وفي المعسكر الحكومي، تعهد نتنياهو بالعمل بقوة، وطالب بن غفير بتدمير المنازل بالطائرات وجرافات دي 9، وحذرت ليمور سون هار-ميلخ من حزب "عوتسما يهوديت" من "7 أكتوبر آخر". وقالت الشرطة، ردا على الانتقادات، إنها اعتقلت منذ مطلع عام 2026 نحو 200 مشتبه بهم في عنف قومي وقدمت أكثر من 50 لائحة اتهام بحقهم حتى الآن.

عبء عسكري

المراسل العسكري في موقع والا، أمير بوحبوط، نقل في 25 يوليو/تموز عن ضابط رفيع أن الضفة "قنبلة موقوتة"، وأن الجيش يستعد لهجمات انتقامية من الجانبين. وكشف أن 19 مستوطنة جديدة، وأكثر من 80 بؤرة و126 مزرعة استيطانية، تحتاج إلى حماية، وأن "البؤر العنيفة" تعرقل السيطرة وفرض القانون، في وقت نُقلت فيه قوات من لبنان وغزة إلى الضفة.

ووصف الباحث الأول في مركز ديان بجامعة تل أبيب، ميخائيل ميلشتاين، في يديعوت أحرونوت يوم 26 يوليو/تموز، ما جرى بأنه نهاية "عصر المعجزة". فعدم انتهاء اقتحامات المستوطنين السابقة بقتل أو اختطاف كان استثناء، بينما لا تعالج التعزيزات العسكرية خطرا ينشأ من احتكاك متعمد، لا من بنى فلسطينية منظمة. وحذر من أن "ثورة" سموتريتش الاستيطانية تدفع إلى واقع بلقاني ودولة واحدة، وتفتح جبهة إضافية بينما الجيش وقوات الاحتياط مستنزفون.

إعلان

ضم انتخابي

تكشف خلفية الاستيطان أن الرد لم يكن وليد اللحظة. فقد وثق إليشع بن كيمون في يديعوت أحرونوت، في 29 مايو/أيار 2025، قرار إنشاء 22 مستوطنة، نصفها جديد ونصفها بؤر يجري تقنينها، ضمن مسار رفع عدد المستوطنات التي أقامتها الحكومة إلى 50، وقطع التواصل الفلسطيني ودفن حل الدولتين.

أحداث تل أصبحت مبررا لتسريع مشروع سموتريتش المعد مسبقا بالحسم الاستيطاني للضفة الغربية (الفرنسية)

وقبل حادث تل بيومين، كشف عيدان بلومهوف أن سموتريتش ثبّت "إدارة الاستيطان" كهيئة رسمية في وزارة الدفاع ومدد ولاية نائب رئيس الإدارة المدنية، لضمان استمرار منظومة التخطيط والأراضي الاستيطانية بعد الانتخابات. وبذلك أصبحت أحداث تل مبررا لتسريع مشروع مُعد سلفا، بعدما أعلن نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس تقنين المزارع الاستيطانية وإنشاء أخرى جديدة.

اختبار المعارضة

أثار موشيه ريدمان، المرشح في حزب الديمقراطيين، عاصفة بعدما انتقد، وفق تقرير يوني غاباي في "كيكار شبات" في 24 يوليو/تموز، تبني الإعلام "رواية المستوطنين"، ودعا إلى وقف انتشار المزارع والبؤر الاستيطانية التي تهدر قوات الجيش. لكن جدعون ليفي، كاتب الرأي في هآرتس، رأى في 26 يوليو/تموز أن زعيم الحزب يائير غولان فشل في الاختبار، لأنه تبنى خطاب "دحر الإرهاب" ولم يدن بوضوح المستوطنين أو يذكر الفلسطينيين الأربعة.

أما بن درور يميني، الكاتب البارز في يديعوت أحرونوت، فحذر من أن إنشاء مزارع استيطانية وسط تجمعات فلسطينية سيحوّل إسرائيل إلى دولة منبوذة، وقال إن "اللهيب سيطال الجميع". ورغم تأييده السيطرة الأمنية والكتل الاستيطانية الكبرى، وصف قرار نتنياهو وكاتس بأنه وصفة لتصعيد العنف، داعيا إلى تغيير القيادة خلال ثلاثة أشهر.

تكشف مجزرة تل أن المستوطنين لا يعملون على هامش السياسة، بل في قلب حملتها الانتخابية، فكل احتكاك يتيح عقوبات جماعية، وكل قتيل يتحول إلى مبرر لبؤرة جديدة، بينما تتنافس الحكومة والمعارضة على خطاب أمني يتجنب مواجهة أصل الانفجار، والنتيجة أن الضفة لا تتجه إلى حادث عابر، بل إلى جبهة يصنعها الاستيطان، ويحرسها الجيش، وتستثمرها صناديق الاقتراع.

aljazeera.net