إعادة إعمار السودان: استعادة ما نُهب واستحقاق ما دُمّر
مقال تحليلي في اقتصاديات وسياسات إعادة الإعمار بعد الحرب
عمر سيد أحمد
هناك فرضية شائعة في أدبيات ما بعد الحرب مفادها أن الحروب “تصفّر العداد” وتمنح فرصة للبدء من جديد. هذه الفرضية صحيحة جزئياً وخطيرة جزئياً. صحيحة لأن الحرب فعلاً تكسر الجمود المؤسسي وتفتح الباب لإعادة تصميم العقد الاقتصادي والاجتماعي. وخطيرة لأنها قد تُستخدم لتبرئة أربعة عقود من سوء الإدارة والنهب المنظم، وكأن الحرب هي التي خلقت الأزمة لا أنها كشفتها وضاعفتها.
الأصحّ أن السودان اليوم أمام مهمتين متداخلتين لا مهمة واحدة: إصلاح ما خلّفته الحرب من دمار مادي غير مسبوق، واستعادة ما راكمته عقود من غياب العدالة والتخطيط من نهب واختلال بنيوي. من يخلط بين المهمتين سينتج حلولاً جزئية؛ ومن يفصل بينهما تماماً سيعيد إنتاج نفس الشروط التي أنتجت الحرب.
تتحدث السلطات السودانية اليوم عن احتياجات إعمار ضخمة تُقدَّر بنحو 300 مليار دولار للعاصمة الخرطوم وحدها، و700 مليار دولار لبقية الولايات، فيما لا تزال الأمم المتحدة تُعِدّ تقديراتها الخاصة لحجم الأضرار. وقد أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس مطلع 2026 أن هذا العام سيكون “عام التعافي وإعادة الإعمار”، مؤكداً أن البلاد بدأت بالفعل تتجاوز تداعيات الحرب. هذه الأرقام تتجاوز بكثير أي تقدير آخر متداول، وتُبرز حجم الفجوة بين الطموح الرسمي والموارد المتاحة فعلياً — وهي الفجوة التي يتناولها هذا المقال في الأقسام التالية.
مقارنة الدمار الحالي بحروب تاريخية كبرى — غزوات المغول، حروب القبائل الجرمانية على الإمبراطورية الرومانية — ليست مبالغة بلاغية بقدر ما هي محاولة لقياس حجم الكارثة بمقياس يتجاوز الذاكرة السياسية القريبة. لكن هذه المقارنة تكشف أيضاً حدود الاستفادة من التاريخ: تلك الحروب دُمِّرت فيها ممالك ولم تُعِد بناء نفسها بأدوات القرن الحادي والعشرين من نظم مصرفية وصناديق سيادية وتمويل دولي مشروط.
الدرس المفيد من خطة مارشال ليس تفاصيلها التقنية، بل مبدأها التأسيسي: الاعتراف الصريح بالخطأ قبل الشروع في البناء، والتخطيط المركزي لكنه موزَّع التنفيذ عبر العمل الجماعي واللامركزية. هذا مبدأ قابل للاستعارة، وله أيضاً جذر في المرجعية الدينية والتاريخية المحلية: فقه اعتبار الناس شركاء في الماء والنار والكلأ، وممارسات الخلفاء الراشدين في إدارة الموارد المشتركة كأساس للتكافل الاجتماعي، يحمل المنطق نفسه الذي قامت عليه خطة مارشال لاحقاً بقرون: أن الموارد الحيوية لا يجوز احتكارها من فئة على حساب الجماعة، وأن إعادة البناء تبدأ بالاعتراف بالخطأ قبل أي شيء آخر. أما آليات التمويل والتوزيع العملية فيجب أن تُبتكر لخصوصية الحالة السودانية: اقتصاد ريعي، تهريب موارد منظم عبر عقود، انقسام طبقي وجهوي استُثمر فيه سياسياً، ومديونية خارجية ضخمة سبقت الحرب أصلاً.
جبر الضرر والعدالة الانتقالية
جبر الضرر ليس بنداً محاسبياً فقط، بل هو الأساس الذي يمنع تحوّل المرارة إلى مخزون رغبة في الانتقام. ثلاثة عناصر متلازمة هنا:
العدالة الانتقالية هنا وظيفتها مزدوجة: قانونية (محاسبة) واقتصادية (كسر آلية إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال).
إعادة إعمار المرافق والمنشآت
هذه هي المهمة الأكثر وضوحاً من الناحية الهندسية والأصعب من ناحية التمويل: مرافق الخدمات، المنشآت الإنتاجية، الأعيان المدنية للقطاعين العام والخاص. المسؤولية الأولى هنا على الدولة، لكن دورها الحاسم ليس التنفيذ المباشر لكل شيء، بل تحديد أدوار الشركاء: أين يتدخل القطاع الخاص القادر اقتصادياً، وأين يتدخل المجتمع المدني، وأين تبقى الدولة الفاعل الوحيد (كالبنية التحتية الاستراتيجية والخدمات الأساسية التي لا يجوز تسليعها بالكامل، كالتعليم والصحة).
خطة تنمية متوازنة قطاعياً وإقليمياً
هذه هي المهمة التي تمنع تكرار الدورة: توازن بين قطاع الخدمات وقطاع الإنتاج والبنية التحتية والتنمية البشرية، وتوازن جغرافي بين المركز والأقاليم وبين الأقاليم نفسها. غياب هذا التوازن تحديداً — تركّز الاستثمار والخدمات في الخرطوم على حساب الأطراف — هو أحد الجذور البنيوية للحرب، وليس نتيجة عرضية لها. لذلك فإن اقتراح إنشاء بنية إنتاجية أساسية (مطاحن، مسالخ، صوامع غلال) في كل ولاية من الولايات الثماني عشرة ليس شعاراً لامركزياً فحسب، بل تصحيح لمسار اقتصادي ظل لعقود يكافئ المركز ويعاقب الأطراف.
الفكرة الأهم في أي تصور واقعي لإعادة الإعمار هي ترتيب أولويات التمويل، لا فقط تعدادها. التسلسل المقترح منطقي: استنفاد الموارد الوطنية أولاً (بالجنيه والعملة الصعبة)، ثم اللجوء للتمويل الدولي. هذا الترتيب مهم لسببين: يقلل الاعتماد على شروط خارجية قد تكون مكلفة سياسياً، ويمنح السودان موقفاً تفاوضياً أقوى حين يتفاوض من موقع من استنفد أدواته الذاتية لا من موقع العاجز الكامل.
من أبرز عناصر هذا الملف ما يُعرف بـ”الشركات الرمادية” — كيانات عملت خارج السجل التجاري الرسمي ودون التزامات ضريبية معلنة. بحسب ما أورده البروفيسور شيخون في تسجيل مصوَّر متداول، ظهرت هذه الشركات في أواخر عهد نظام الإنقاذ، وقُدِّر عددها وقتها بنحو 500 شركة، بينما صرّح من وصفه بـ”عرّاب الاقتصاد” في ذلك النظام بأن العدد الفعلي وصل إلى نحو 8000 شركة.
حسب تفاصيل إضافية أوردها د. محمد شيخون، أستاذ الاقتصاد، في ندوة “خطة إعادة الإعمار” (مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أمدرمان الأهلية، 23 يوليو 2026)، فإن لجنة شكّلها المكوّن العسكري لمراجعة أوضاع هذه الشركات فحصت 443 شركة فقط، ولم تجد من بينها سوى 12 شركة مسجلة رسمياً — وجميعها خاسرة — بينما تعذّر تتبع بقية الشركات؛ حتى إن اللجنة لم تتمكن من مراجعة أكثر من شركة واحدة بالفعل، ولما عادت إليها بعد شهر لم تجد لها أثراً، وهو ما دفع البعض لوصفها بـ”شركات السامسونايت والورقة المروَّسة” — أي كيانات لا وجود فعلي لها خارج الورق.
وبحسب المصدر نفسه، أظهرت لجنة اقتصادية وطنية بعد سقوط النظام أن ما لا يقل عن 95% من الكتلة النقدية للبلاد كان خارج النظام المصرفي الرسمي، مخزَّناً لدى فئة محدودة، بقيمة إجمالية تُقدَّر — وفق تصريحات موثّقة للمصدر نفسه (يوليو 2026) — بنحو 900 مليار جنيه. ويربط الطرح ذاته هذه الكتلة بثلاثة مسارات رئيسية: السيطرة على ما بين 77% و80% من إنتاج الذهب وتهريبه، والاستيلاء على تحويلات ما بين 6 و9 ملايين مغترب سوداني بعيداً عن القنوات الرسمية (قدّرت وزارة المالية هذه التحويلات بنحو 27 مليار دولار خلال 2011–2018 وحدها)، وتمويل صادرات زراعية رئيسية (كالقطن والصمغ العربي والحبوب الزيتية والماشية واللحوم) دون إعادة عائداتها للخزينة العامة، التي كانت تحصل سابقاً على نحو 55% من هذه العائدات قبل موجات الخصخصة.
هذه الأرقام تصريح كان في الأصل منسوباً لمصدر واحد غير مؤكد (فيديو متداول للبروفيسور شيخون)، إلا أنها أصبحت اليوم أكثر توثيقاً بعد أن كرّر د. محمد شيخون الطرح نفسه علناً وباسمه الكامل بصفته أستاذ اقتصاد في ندوة أكاديمية علنية نظّمها مركز أكاديمي معروف، ونقلتها راديو دبنقا في تقرير منشور بتاريخ 23 يوليو 2026. هذا لا يرقى إلى تدقيق رسمي مستقل أو تحقيق حكومي معلن النتائج — إذ تبقى الأرقام تقديرات شخصية لخبير واحد لا بيانات مؤسسية موثّقة — لكنه يرفعها من مستوى “تسجيل متداول غير معروف المصدر” إلى مستوى “رأي علمي منشور وقابل للمساءلة باسم صاحبه”. جوهر الظاهرة التي تشير إليها — اقتصاد موازٍ كبير الحجم، تهريب موارد سيادية كالذهب، وتحويلات مغتربين تسير خارج القنوات الرسمية — موثّق بما يكفي في تقارير مؤسسات دولية ومحلية متعددة (بما فيها بيانات منشورة للبنك الدولي حول إنتاج الذهب وتهريبه) ليكون نقطة انطلاق جادة لأي إصلاح، بصرف النظر عن دقة الأرقام بعينها.
والأهم من الأرقام نفسها هو الأثر المباشر الذي يربطه الطرح ذاته بحياة المواطن: فقدان الدولة لمصادر تمويل كانت تغطي مجانية التعليم والصحة ودعم سلع أساسية كالخبز والدواء، وتحوّل السودان -بحسب هذا الطرح- إلى استيراد ما يقارب 95% من احتياجاته حتى في سلع زراعية بسيطة كالثوم والبن، رغم أن البلاد تمتلك أصلاً مقومات الاكتفاء الزراعي. ويُنسب لنفس المصدر تقدير أن نحو 75% من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر نتيجة هذا المسار. هذا الربط هو ما يحوّل ملف “الشركات الرمادية” من قضية مالية تقنية إلى قضية عدالة اجتماعية مباشرة: فجوة الفقر لم تنشأ من ندرة الموارد، بل من احتكار عائداتها.
أدوات مقترحة لإعادة إدماج هذه الموارد:
وما يمنح هذا الملف طابعاً عملياً لا نظرياً فقط هو أن مقترحاً بهذا الاتجاه تحديداً طُرح فعلاً: دعا د. محمد شيخون، في الندوة نفسها (راديو دبنقا، 23 يوليو 2026)، إلى تحويل نصف الكتلة النقدية تقريباً — نحو 450 مليار جنيه من أصل 900 مليار — إلى صندوق سيادي وطني مباشرةً، لتحقيق التوازن الاقتصادي بين الأقاليم وتمويل ميزانيات التسيير وإعادة توزيع الاستثمارات بعدالة أكبر. هذا يطابق إلى حد بعيد فكرة الصندوق السيادي الموحّد المطروحة في هذا المقال، لكنه يضيف رقماً محدداً بدل أن يبقى المقترح تصوراً عاماً. ولتوضيح حجم الانهيار النقدي الذي يقف خلف هذه الأرقام: انتقل سعر صرف الدولار في السوق الموازية من نحو 15 جنيهاً عند وصول نظام الإنقاذ للسلطة في يونيو 1989 إلى نحو 60 ألف جنيه قبل حذف الأصفار الثلاثة من العملة — أي تضاعف آلاف المرات خلال ثلاثة عقود، وهو ما ينعكس مباشرة في تآكل القدرة الشرائية للمواطن العادي.
وتؤكد بيانات السوق الموازي هذا التحليل ميدانياً: سجّل الدولار في يوليو 2026 مستويات قياسية جديدة، إذ وصل سعر البيع إلى نحو 5700 جنيه سوداني (شراء 5400 / بيع 5725 جنيهاً) بحلول 21 يوليو، وفق رصد سودافاكس لتعاملات السوق الموازي. هذا المؤشر يزيد من إلحاح مقترح إعادة إدماج الكتلة النقدية الخارجة عن النظام المصرفي الرسمي — لكنه أيضاً يُظهر أن أي أداة كتبديل العملة تحتاج إلى تصميم أكثر حذراً، إذ إن انهيار الثقة بالجهاز المصرفي في هذا السياق قد يدفع النقد للاختباء أكثر بدل عودته، كما أشرنا أعلاه.
الدين الخارجي السوداني كان قبل الحرب في نطاق يتراوح — بحسب المصدر والتاريخ — بين نحو 56 و60 مليار دولار تقريباً، مع توقعات صندوق النقد الدولي في وقتها بأن تطبيق مبادرة تخفيف ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) كان يمكن أن يخفضه إلى نحو النصف. المسار الذي بدأته حكومة حمدوك نحو الانضمام لهذه المبادرة تعطّل بعد انقلاب 2021 ثم بالحرب. أي عودة لهذا الملف اليوم تعني التفاوض من موقع أضعف مما كان عليه السودان عام 2021، لأن الحرب أضافت دماراً يحتاج تمويلاً إضافياً في وقت تراجعت فيه القدرة التفاوضية والمؤسسية للدولة.
الدرس من مسار 2021 ليس فقط الأرقام، بل الشرط: أي تخفيف ديون أو دعم دولي جاء ويأتي مشروطاً بإصلاحات اقتصادية (توحيد سعر الصرف، ترشيد الدعم، إصلاح ضريبي، حوكمة مصرفية). التعامل الواعي مع هذا الملف يعني تفادي تكرار خطأ الماضي: قبول شروط تقشفية دون معالجة موازية لجذر الفساد وتهريب الموارد، لأن ذلك يعني ببساطة تمويل الفجوة بينما يستمر النزيف من نفس الثقوب.
وقد بحث وفد سوداني، في أبريل 2026، مع مسؤولين في البنك وصندوق النقد الدوليين استعادة الشراكة الكاملة مع البنك الدولي لتمويل برامج إعادة الإعمار وتسريع خطوات إعفاء الديون، مؤكداً التزام الحكومة باستكمال متطلبات برنامج الإعفاء والإصلاحات الهيكلية رغم ظروف الحرب. ويُذكَّر أن الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية علّقت، فور انقلاب 2021، خطوات إعفاء نحو 50 مليار دولار من ديون السودان، رغم وصوله وقتها إلى “نقطة القرار” في مبادرة الهيبك بعد إصلاحات اقتصادية قاسية شملت رفع الدعم عن الوقود والكهرباء والخبز — وهو بالضبط المسار الذي تعطّل بعد انقلاب 2021 ثم بالحرب.
أما رقم الدين نفسه فتتباين تقديراته بين المصادر: تتحدث تقارير عن نحو 49.7 مليار دولار (معظمها متأخرات متراكمة)، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن الدين اقترب من 65 مليار دولار بنهاية 2024. هذا التفاوت يعزّز الملاحظة بأن أرقام الدين ينبغي أن تُعامل بحذر منهجي، وأن ما يهم أكثر من الرقم بعينه هو المسار: هل يُستأنف الطريق نحو نقطة القرار في الهيبك من موقع تفاوضي أضعف مما كان عليه السودان عام 2021 أم لا.
اقتراح تجميع كل هذه المصادر — الموارد الوطنية بالجنيه d