سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

الرئيس الجزائري يحسم جدلا محتدما حول التأشيرات مع فرنسا

الرئيس الجزائري يحسم جدلا محتدما حول التأشيرات مع فرنسا

أكَّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنه «لم يطلب قط حصصاً للتأشيرات» من فرنسا، في رد مباشر وصريح على جدل محتدم داخل البرلمان والوسط السياسي الفرنسي، بشأن مشروع لمنح ربع مليون تأشيرة للجزائريين. وشنَّ في الوقت ذاته هجوماً حاداً على أطراف لم يذكرها بالاسم، محذراً من محاولاتها «استهداف أمن تونس».

وفي تصريحات مثيرة، تضمنتها مقتطفات فيديو من حوار مطوَّل يبثه التلفزيون العمومي مساء اليوم (الاثنين)، خاض الرئيس الجزائري في «ملف التأشيرات»، وهو أحد الملفات التي تسببت في توتر العلاقات مع فرنسا منذ سنوات، والذي تصاعدت حدَّته منذ اندلاع «أزمة اعتراف باريس بمغربية الصحراء» في صيف 2024. ونشرت الرئاسة هذه المقتطفات صباحاً على حسابها بالإعلام الاجتماعي.

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وقال تبون، رداً على سؤال بخصوص ملف التأشيرات: «ثلاثة أشياء يجب أن يعلمها الجزائريون قبل أصدقائنا الفرنسيين: لم يطلب الرئيس الجزائري قط حصصاً للتأشيرات، ولا عدداً معيناً منها، ولا تطرق إلى موضوع التأشيرات. لم أطلب أبداً الاعتذار. لم أطلب أبداً التعويضات. الجزائر لن تستجدِي أحداً أبداً».

وحمل هذا الرد الواحد ردوداً في مواضيع عدة، أبرزها نقاش حاد أثير محلياً منذ أشهر حول «ممارسة ضغوط سياسية على فرنسا لدفعها إلى الاعتذار رسمياً عن جرائم الاستعمار»، ودفع تعويضات مادية عن هذه الجرائم، وعن التجارب النووية التي أجرتها فوق أرض الجزائر مطلع ستينيات القرن الماضي.

وحسمت الجزائر هذا الجدل بمناسبة سنِّ «قانون تجريم الاستعمار» في أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ تضمنت النسخة الأولى منه قضيتَي «الاعتذار» و«التعويض»، غير أنه تم التخلي عنهما في النسخة النهائية التي صادق عليها البرلمان، في خطوة فُسِّرت بأنها رغبة في الحفاظ على «خط الرجوع» في العلاقات مع باريس.

أزمة التأشيرة والذاكرة

وتفجَّر الجدل حول «التأشيرة» عندما نشر الموقع الإخباري «كل شيء عن الجزائر»، في 15 يوليو (تموز) الجاري، مقابلة مع سفير فرنسا بالجزائر ستيفان روماتيه، أكد فيها أن القنصليات الفرنسية الثلاث بالجزائر تعتزم العودة بحجم التأشيرات الممنوحة إلى المستويات التي كانت عليها قبل الأزمة الثنائية، أي نحو 250 ألف تأشيرة سنوياً.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الداخلية الفرنسي وإليزابيث بورن التي كانت تتولى رئاسة وزراء فرنسا في أواخر عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وأثارت هذه التصريحات فوراً ردود فعل غاضبة في فرنسا، لا سيما لدى أحزاب اليمين واليمين المتطرف؛ إذ شدد رموزها على رفضهم التام لعودة العلاقات بين البلدين إلى مجراها الطبيعي، ما دفع الحكومة إلى التدخل.

وأوضحت وزارة الخارجية الفرنسية أنه لم يتم تحديد أي هدف رقمي بشأن التأشيرات الخاصة بالجزائيين، وأن المسألة «ليست ضمن المواضيع المطروحة للنقاش».

وتحت قبة البرلمان في باريس، قادت إدويج دياز، نائبة رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، الهجوم قائلة إنها «تنقل صوت كثير من الفرنسيين الذين صُدموا بتصريحات السفير الفرنسي في الجزائر»، واصفة ما أعلن عنه الدبلوماسي بأنه «انتحاري اقتصادياً» و«ضار ببلادنا دبلوماسياً».

وفي الثاني والعشرين من الشهر الجاري، تطرق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للملف، ونَقَلت تصريحاته الناطقة باسم الحكومة، مود بريجون، خلال إيجازها الصحافي الأسبوعي عقب اجتماع مجلس الوزراء؛ حيث أفادت بأن رئيس الجمهورية «حرص على تصحيح تصريحات السفير الفرنسي في الجزائر» بخصوص أعداد التأشيرات. ونقلت عن ماكرون تأكيده أن فرنسا «انخرطت في عمل يتسم بالصرامة بشأن القضايا والملفات الكبرى مع الجزائر، ومع ذلك لا يوجد أي هدف رقمي في مجال التأشيرات، ولا يوجد أي تساهل من جانب فرنسا».

مسافرون جزائريون بمطار شارل ديغول في باريس (صحيفة الوطن الجزائرية)

وفي السجالات الجارية بفرنسا، يُناقَش ملف التأشيرات وكأنه مطلب جزائري في إطار محادثات ثنائية جارية منذ فترة قصيرة لترميم العلاقات؛ ومن هنا جاء التوضيح من الرئيس الجزائري.

وطُرحت «قضية التأشيرات» لأول مرة عام 2022، عندما أعلن وزير الداخلية السابق جيرالد دارمانان تقليص حصة التأشيرات لصالح الجزائر إلى النصف، رداً على وقف قنصلياتها إصدار التراخيص التي تسمح بترحيل المهاجرين الجزائريين الذين صدرت بحقهم أوامر إدارية فرنسية بالطرد. وعادت هذه المشكلة بقوة في 2025، حين جمَّدت فرنسا العمل بجواز السفر الدبلوماسي الخاص بكبار المسؤولين الجزائريين وأفراد عائلاتهم.

دفاعاً عن تونس

من جهة أخرى، أظهرت مقاطع الحوار الصحافي للرئيس تفاعله مع حالة الحراك الشعبي التي تشهدها تونس حالياً، موجهاً في تصريحاته رسالة تحذير لمن يعتقد أنهم يسعون لزرع الخوف وعدم الاستقرار في تونس والمنطقة بشكل عام.

من لقاء سابق بين الرئيسَين الجزائري والتونسي (الرئاسة الجزائرية)

وقال تبون بلهجة عامية يفهمها سكان البلدان المغاربية: «اللي يجيب الإرهاب لحذا تونس ولا يهدد بيه تونس نخليولو الخيمة نتاع والديه»، وهو ما يعني: «من يجلب الإرهاب إلى أعتاب تونس أو يهدد بذلك، لن يجد أمامه سوى الرد الحازم والصارم من الجزائر».

ويمكن تفسير كلام تبون بأن أمن شعوب المنطقة هو مسؤولية مشتركة، وأن أي محاولة للتقسيم أو الترهيب أو زعزعة الاستقرار ستصطدم بيقظة الدول وتضامن الشعوب فيما بينها.

aawsat.com