
تبحث دراسة "الدور السوري: حاجة إقليمية واختبار لبناني"، للباحث شفيق شقير، في مركز الجزيرة للدراسات، طبيعة الدور الإقليمي الذي بدأت سوريا تؤديه في مرحلة لم تستكمل فيها بعد عملية بناء الدولة والنظام الجديد، وتنطلق من مفارقة أساسية تتمثل في أن عودة دمشق إلى الإقليم لا تأتي نتيجة استعادتها عناصر قوتها السابقة، وإنما بسبب تزايد حاجة الأطراف الإقليمية والدولية إليها أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا. وتختبر الدراسة إمكانات هذا الدور وحدوده من خلال لبنان، باعتباره الساحة التي تتداخل فيها بدرجة كبيرة المصالح السورية والإقليمية والدولية، وتتجمع فيها في الوقت نفسه مخاطر الدور الجديد وتناقضاته.
وتستدل الدراسة على التحول في موقع سوريا بالحراك السياسي والدبلوماسي الذي شهدته مطلع يوليو/تموز 2026. ففي الثاني من الشهر، زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبنان، مؤكدًا أن دمشق لا تريد استعادة علاقة الوصاية السابقة، وإنما بناء علاقة بين دولتين، وإعادة وصل علاقاتها مع شيعة لبنان، والاستعداد لأداء دور في البلاد إذا كان ذلك بطلب لبناني ومن خلال مؤسسات الدولة. وأعقب ذلك زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق يومي 6 و7 يوليو/تموز على رأس وفد اقتصادي، بما أبرز عودة سوريا إلى حسابات إعادة الإعمار والطاقة والممرات الإقليمية.
وفي الثامن من الشهر، التقى الرئيس أحمد الشرع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، واكتسب اللقاء دلالة إضافية من انعقاده في تركيا، بما أظهر دورها في وصل سوريا الجديدة بالترتيبات الغربية والإقليمية.
وترى الدراسة أن هذه المحطات تكشف انتقال سوريا من مرحلة إسقاط النظام السابق وتثبيت السلطة الجديدة إلى مرحلة أخرى اتسع فيها الاعتراف الإقليمي والدولي بالحكم الجديد، وبدأت دمشق تُستدعى إلى ملفات تتجاوز حدودها، بدءًا من أمن المشرق ومكافحة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، مرورًا بالممرات الاقتصادية ولبنان، وصولًا إلى التسوية مع إسرائيل. لكن المفارقة أن هذه التوقعات تتزايد بينما لم تستكمل الدولة بناء مؤسساتها، ولم تبسط سلطتها بصورة مستقرة على كامل أراضيها، الأمر الذي يجعل السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت سوريا استعادت قوتها السابقة، وإنما ما إذا كانت حاجة الآخرين إليها باتت كافية لمنحها وزنًا إقليميًا قبل اكتمال بنائها الداخلي.
تفرق الدراسة بين إنجاز بناء الهياكل الدستورية الأساسية وبين اكتمال النظام الجديد واستقرار الدولة. فقد مثّل تعيين الرئيس أحمد الشرع سبعين عضوًا يشكلون الثلث الأخير من مجلس الشعب، وانضمامهم إلى 137 عضوًا اختارتهم الهيئات الانتخابية، ثم بدء المجلس عمله في يوليو/تموز 2026، تقدمًا مهمًا في استكمال مؤسسات السلطة، لكنه لا يعني أن قواعد الحكم والعلاقة بين السلطات وبيروقراطية الدولة وأجهزتها أصبحت مستقرة.
إعلانفمؤسسات الدولة، من الوزارات والإدارات المحلية إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية، لا تزال في طور إعادة البناء، بينما تضغط الأزمات المعيشية يوميًا، من نقص الوقود والخدمات الأساسية إلى محدودية الاستثمارات ورؤوس الأموال، مع وجود غالبية السوريين تحت خط الفقر. كما يبقى الوضع الأمني معرضًا لاختبارات متكررة، بما في ذلك داخل دمشق نفسها، وهو ما يعني أن استعادة الدولة مركزها السياسي لا تزال عملية جارية، وأن الطريق إلى جهاز إداري وأمني مستقر ومؤسسي لم يكتمل.
وتتجاوز المشكلة بناء المؤسسات إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية؛ إذ لا تزال الحكومة تواجه تحديات في الجنوب، ولاسيما السويداء، إلى جانب الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
كما لم تستكمل التفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" تثبيتها السياسي والإداري والأمني، في حين يحتفظ تنظيم داعش بخلايا قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى تقدم حققته دمشق من خلال السيطرة على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا، وإغلاق مخيم الهول بعد إجلاء من بقي فيه، ونقل أكثر من 5700 من معتقلي داعش من السجون السورية إلى العراق. غير أن ذلك لا يعني انتهاء ملف داعش وغيره من "التنظيمات الجهادية"، بل سيظل التعامل مع تداعياتها تحديًا طويل الأجل.
وفوق هذه التحديات، تقف أمام الحكم الجديد قضايا موروثة من الحرب والنظام السابق، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية والأزمة الاقتصادية. ومع استقرار مؤسسات السلطة، ستظهر بصورة أكبر أسئلة هوية الدولة، وشكل المشاركة السياسية، وعلاقة المركز بالمكونات المحلية، وحدود التعددية في النظام الجديد.
ولهذا تخلص الدراسة إلى أن تغيير مركز السلطة وإقامة سلطة جديدة قد أُنجزا، لكن بناء النظام البديل واستعادة الدولة لم يكتملا، كما أن العلاقة بين السلطة والمجتمع نفسها لا تزال قيد التشكل.
ومن هنا تطرح الدراسة السؤال عن سبب عدم انتظار القوى الإقليمية والدولية اكتمال هذا البناء قبل التعويل على دمشق، وتجيب بأن بناء الدولة السورية لم يكن تاريخيًا عملية داخلية منفصلة عن موقعها في المشرق ووظيفتها الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن الخارج يعوض ضعف الداخل، وإنما أن الداخل والخارج يتداخلان في إنتاج قدرة الدولة وشرعيتها. وفي الحالة الراهنة تحديدًا، يصعب على سوريا، بعد الحرب التي استنزفت مواردها البشرية والاقتصادية، إعادة بناء مؤسساتها بمواردها الذاتية وحدها، ولذلك يصبح الدور الإقليمي نفسه أحد شروط التعافي، وليس مجرد نتيجة لاحقة له.
وتضيف الدراسة إلى ذلك أن السياسة الخارجية أصبحت موردًا اقتصاديًا أيضًا؛ فالاعتراف السياسي يفتح المجال أمام تخفيف العقوبات، والاستثمارات، وإعادة الإعمار، وتنشيط التجارة والممرات الإقليمية. ومن ثم تصبح عمليتا بناء الدولة وبناء الدور الإقليمي متلازمتين: توسع الدور يحسن فرص بناء الدولة، وتقدم مؤسسات الدولة يزيد قدرتها على تحمل متطلبات الدور وترسيخه. لكن هذه العلاقة تحمل خطرًا معاكسًا؛ فإذا توسعت سوريا خارجيًا قبل تحصين الداخل، فقد تستورد تناقضات الإقليم وأزماته وتتحول مجددًا إلى ساحة لها.
لا تنكر الدراسة أهمية الموقع الجغرافي السوري في تفسير حضور دمشق، لكنها ترى أنه لا يكفي لتفسير سرعة عودتها وزخمها، خصوصًا أن إرث الدور الإقليمي للنظام السابق وشبكة تحالفاته انهارا معه. ولذلك تقترح معيارًا آخر لفهم المرحلة الجديدة، هو مقدار حاجة الفاعلين الآخرين إلى سوريا. فكلما تراجعت قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إدارة مصالحها وملفاتها من دون دمشق، زاد وزن سوريا، حتى قبل استعادتها كامل عناصر قوتها.
إعلانوتحدد الدراسة أربع وظائف رئيسية تتجسد فيها هذه الحاجة: الأمن وإعادة التوازن الإقليمي، والاقتصاد والممرات والطاقة، والدور السياسي في التسويات، وإدارة التنوع والتشابكات الاجتماعية والطائفية العابرة للحدود. وهذه الوظائف، رغم اختلافها، تتجمع في إعادة إدخال سوريا في عملية تشكيل النظام الإقليمي.
تضع الدراسة الأمن في مقدمة الوظائف التي تنتظرها الولايات المتحدة من سوريا؛ من احتواء النفوذ الإيراني في المشرق، وقطع طرق السلاح والمقاتلين، وضبط الحدود، ومنع عودة داعش، والمساهمة في معالجة ملف حزب الله. ولا تقف نتائج ذلك عند الجانب الأمني؛ لأن إخراج سوريا من شبكة النفوذ الإيراني يغير التوازنات في لبنان والعراق والمشرق، ويجعل دمشق طرفًا في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
وتلتقي هذه الوظيفة مع أولويات الولايات المتحدة وحلفائها والحكم السوري ومعظم دول المنطقة، لكنها تنطوي على خطر استنزاف سوريا إذا تحولت إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران وحلفائها، خصوصًا في لبنان والعراق، فضلًا عن احتمال أن تجد القوى المناوئة للحكم السوري الجديد دعمًا لدى شبكات إيران الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، لا ترى الدراسة أن مقاطعة إيران وحلفائها بالكامل خيار يخدم دمشق؛ فالدور السوري يحتاج إلى إدارة ما تبقى من النفوذ الإيراني في دول الجوار، وقد يحتاج إلى ترتيبات وتفاهمات وتنسيق. ومن هنا تصبح المعادلة السورية هي تحصين الدولة ضد النفوذ الإيراني من دون حرب مفتوحة معه، والتنسيق مع طهران عند الحاجة من دون السماح لها باستعادة نفوذها داخل سوريا.
وترتبط هذه المعادلة بعامل الوقت. فإذا تغير سلوك إيران أو نظامها بما يحسن علاقتها بواشنطن، فقد تنخفض حاجة الولايات المتحدة إلى سوريا بوصفها أداة لاحتواء طهران، وتنتقل المطالب الأمريكية نحو قضايا الحكم والسياسات الداخلية السورية. أما استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران، فيزيد الضغوط الإيرانية على دمشق. ولهذا ترى الدراسة أن فاعلية الدور السوري ستتحدد بقدرة دمشق على احتواء إيران من دون استنزاف نفسها، مع إبقاء قنوات التنسيق الإقليمي مفتوحة؛ أما الانكفاء عن الإقليم فلا يبدو خيارًا متاحًا.
تربط الدراسة الوظيفة الاقتصادية لسوريا بالممرات والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار، وترى أن الحرب الأمريكية-الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز زادا الحاجة إلى الأراضي السورية باعتبارها ممرًا موازيًا أو بديلًا جزئيًا بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط.
فالعراق يحتاج إلى منفذ على المتوسط يقلل اعتماده على مضيق هرمز، ومن هنا الاتجاه إلى إحياء خط كركوك-بانياس. كما تحتاج تركيا والأردن ودول الخليج إلى استعادة الطريق البري عبر سوريا، بينما يحتاج لبنان إلى الأراضي السورية للوصول إلى الأسواق العربية. وبذلك تؤدي دمشق وظيفة تتعلق بأمن الطاقة واستمرار التجارة وتنويع الممرات.
أما إعادة الإعمار، فهي في الوقت الراهن حاجة سورية إلى الخارج أكثر من كونها حاجة إقليمية إلى سوريا، لكنها قد تتحول مستقبلًا إلى جزء من الوظيفة الاقتصادية الإقليمية إذا أصبحت السوق السورية مجالًا مستدامًا للشراكات والاستثمارات. وتلفت الدراسة إلى أن أهمية الممرات نفسها ليست مضمونة إلى الأبد، فقد تنخفض بانتهاء الحرب أو ظهور بدائل؛ ولذلك ينبغي لسوريا تحويل الفرصة الظرفية إلى دور اقتصادي طويل الأجل.
تنبع الحاجة السياسية إلى سوريا، بحسب الدراسة، من صعوبة تنفيذ تسوية إقليمية في المشرق من دونها؛ فموقعها، وحضورها العربي، وصلتها بلبنان، وقدرتها على ضبط الحدود ومسارات السلاح، تجعلها مرشحة لضمان جانب من الترتيبات الأمنية والسياسية. كما أن دخول دمشق في أي مسار للتسوية مع إسرائيل يمنحه شرعية عربية إضافية، وهو ما يفسر رغبة واشنطن في إدخالها في ترتيبات السلام.
إعلانلكن المشكلة أن سوريا ستكون ضامنًا للتسوية وطرفًا فيها في الوقت نفسه؛ فإسرائيل تحتل أراضي سورية، ودمشق تفاوض على أمنها وحدودها، وما تقبله في هذا المسار ينعكس على دورها في لبنان. كما أن التسوية تحمل تكلفة داخلية على الحكم الجديد، لأنها تجري في ظل حرب إسرائيلية ممتدة في فلسطين والمنطقة، لا ضمن تسوية إقليمية شاملة.
وتشير الدراسة إلى عبء إضافي تفرضه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل؛ إذ قد تتحول التنازلات اللبنانية تحت الضغط إلى سابقة تفاوضية تستخدم لدفع دمشق إلى تنازلات أكبر. ولذلك لا ترى الدراسة مصلحة لسوريا في سلام منفرد، أو تسوية تتجاهل الفلسطينيين وتستغل ضعف دمشق الراهن لفرض تنازلات دائمة عليها. والأرجح أن دمشق تبحث عن تسوية واقعية قابلة للإدارة، تخفض التوتر وتضبط الحدود وتحفظ موقع سوريا والحاجة إليها، من دون الذهاب إلى مفاوضات نهائية تتحمل تكاليفها وحدها.
تتمثل الوظيفة الرابعة في إدارة التداخل الطائفي والاجتماعي العابر للحدو