
بدأت القصة كما ترويها الصحافة الأمريكية من رقم صغير في قاعدة بيانات كبيرة: حصيلة قتلى الحرب على إيران هبطت فجأة من 18 إلى 14.
لم يكن ذلك إعلانا عن خطأ في العد، بل عن قرار بوضع 4 عسكريين قتلوا بعد وقف إطلاق النار المعلن خارج خانة الحرب التي أطلقت عليها إدارة ترمب اسم "الغضب الملحمي".
وبعد أيام، عادت الأسماء الأربعة إلى الموقع الرسمي، لكن تحت تصنيف جديد. ومن هذه الخانة الجديدة، فتحت الصحافة الأمريكية سؤالا أوسع: كيف تتحول حرب مستمرة إلى سلسلة عمليات منفصلة على الورق؟ ومن يدفع ثمن هذا الفصل، الكونغرس أم الرأي العام أم عائلات العسكريين؟
هنا تستعيد مجلة أتلانتيك جدلا قديما، حين منعت الصحافة بين عامي 1991 و2009 من تصوير عودة رفات العسكريين إلى قاعدة دوفر، وما أثاره ذلك لاحقا من أسئلة حول محاولات الإدارات الأمريكية إبعاد كلفة الحرب البشرية عن أعين الرأي العام.
تقول صحيفة واشنطن بوست إن البنتاغون حذف الأسبوع الماضي 4 وفيات عسكرية حديثة من قاعدة بياناته الإلكترونية، هم 3 جنود قتلوا في ضربة صاروخية إيرانية استهدفت قاعدة في الأردن يوم 17 يوليو/تموز، وجندي رابع قتل في اليوم التالي إثر مسيّرة إيرانية ملغومة في قاعدة بالعراق.
وعند انكشاف الأمر، عزت وزارة الدفاع اختفاء الأسماء إلى خلل مؤقت في معالجة البيانات.
لكن الصحيفة تضيف أن الوفيات الأربع عادت لاحقا إلى قاعدة البيانات، ومعها 207 جرحى لم يكن قد كشف عنهم سابقا، غير أنها لم تدرج تحت اسم عملية "الغضب الملحمي"، وهو الاسم الذي أطلقته إدارة الرئيس دونالد ترمب على حرب إيران، بل تحت تصنيف جديد هو "عمليات طارئة خارج حدود البلاد".
ووفق البيانات التي نقلتها الصحيفة، أدت الحرب حتى الآن إلى مقتل 18 عسكريا أمريكيا وإصابة أكثر من 600.
وبدورها، تفيد صحيفة "هيل" بأن جمع أرقام عملية "الغضب الملحمي" والتصنيف الجديد يرفع الحصيلة إلى 18 قتيلا و624 جريحا منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط، مشيرة إلى أن وزارة الحرب أعادت الوفيات الأربع وأضافت أكثر من 140 إصابة بعد تحديث صامت في قاعدة البيانات.
تقول نيوزويك إن قاعدة بيانات البنتاغون باتت تقسم الضحايا إلى فئتين: من سقطوا خلال القتال بين فبراير/شباط ويونيو/حزيران، ومن قتلوا أو أُصيبوا منذ 7 يوليو/تموز، وهو تاريخ انهيار وقف إطلاق النار واستئناف الضربات الأمريكية ضد إيران.
إعلانوترى المجلة أن هذا التقسيم زاد التدقيق في طريقة تعامل وزارة الحرب مع إعلان أعداد القتلى والجرحى، ونقلت المجلة عن مسؤول سابق في البنتاغون، جيم تاونسند، قوله إن الإدارة "تلعب ألعابا" عبر تقسيم أعداد الضحايا.
كما نقلت عن النائب الجمهوري توماس ماسي وصفه التصنيف الجديد بأنه "حيلة عبثية"، متهما البنتاغون بالتظاهر بأن هناك حربين مع إيران فصل بينهما وقف قصير لإطلاق النار.
أما أتلانتيك فتصف المشهد بعبارة أشد حدة، قائلة إن إدارة ترمب تحاول التظاهر بأنها لا تخوض حربا، وانتهى بها الأمر -بحسب المجلة- إلى حجب قتلى أمريكيين في الطريق.
وتقول إن خفض الحصيلة من 18 إلى 14 لم يكن تصحيحا لخطأ أولي، بل "حيلة محاسبية"، قبل أن تعود الأسماء الأربعة في خانة جديدة منفصلة عن اسم الحرب الأصلي.
وربطت أتلانتيك هذا الجدل بقانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي يسمح للرئيس ببدء عمل عسكري، لكنه يلزمه بإبلاغ الكونغرس، ثم إنهاء النزاع خلال 60 يوما أو الحصول على تفويض من المشرعين أو طلب تمديد محدود.
وتقول المجلة إن إدارة ترمب اعتبرت الحرب منتهية بعد وقف إطلاق النار الهش في الربيع، وبذلك دفعت بأن لا حاجة إلى تدخل الكونغرس.
لكن المجلة تقول إن الحرب لم تكن قد توقفت فعلا، إذ استمر القتال المتقطع بين إسرائيل وحزب الله وإيران والولايات المتحدة، قبل أن يعلن ترمب لاحقا فشل وقف إطلاق النار.
وبحسب أتلانتيك، يتعامل البيت الأبيض الآن مع الجولة الجديدة بوصفها صراعا منفصلا، بما يؤخر دور الكونغرس إلى سبتمبر/أيلول، بعد مرور 60 يوما على الإخطار الجديد.
النائب الجمهوري توماس ماسي وصف التصنيف الجديد بأنه "حيلة عبثية"، متهما البنتاغون بالتظاهر بأن هناك حربين على إيران
تقول واشنطن بوست إن نقل الضحايا إلى تصنيف جديد لا يتعلق بالشفافية العامة وحدها، بل قد يمس قدرة المحاربين القدامى والناجين على الحصول على مزايا حكومية.
وتنقل الصحيفة عن جيس فينوكان، وهي عسكرية سابقة ومتحدثة باسم منظمة محاربي العراق وأفغانستان في أمريكا، قولها إن إعادة التصنيف لا تقف عند حدود السجل الإداري، بل قد تترك تبعات لاحقة تطال الأوسمة والرعاية الطبية ومزايا الناجين، وتضيف أن على الإدارة أن تتحمل المسؤولية كاملة عن "الكلفة الكاملة للحرب".
وتشير واشنطن بوست إلى أن الجدل وقع بينما كان وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان دان كين يضغطان في الكابيتول للحصول على مليارات إضافية لتمويل العمليات، حيث قال هيغسيث إن كلفة العمليات منذ بدء نزاع إيران تجاوزت 37 مليار دولار.
وتقول نيوزويك إن الإدارة تواجه تدقيقا متزايدا بسبب الحرب، تحت ضغط استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الوقود، واتهامات بأن واشنطن لا تملك إستراتيجية واضحة للخروج من النزاع.
وتضيف أن بعض المشرعين والمراقبين يرون في تعديل قاعدة البيانات محاولة لتجاوز الحاجة إلى موافقة الكونغرس وتقليل الكلفة الظاهرة على القوات الأمريكية في المنطقة.
إعلانوتنقل "هيل" أن 12 سيناتورا ديمقراطيا بقيادة مازي هيرونو، وجهوا رسالة إلى هيغسيث بشأن تعامل الوزارة مع قاعدة البيانات، معتبرين أن التأخير أو التناقض في إعلان أعداد الضحايا يعرقل رقابة الكونغرس ويحد من فهم الجمهور لكلفة العملية والتضحيات التي يقدمها العسكريون.
وتضيف أتلانتيك أن الحسابات الانتخابية حاضرة في خلفية المشهد، إذ مرر مجلس النواب ذو الأغلبية الجمهورية قرارا يدعو إلى إنهاء الحرب، كما مرر مجلس الشيوخ إجراء مشابها الشهر الماضي.
ورغم أن هذه الإجراءات غير ملزمة، ترى المجلة أنها تعكس خشية بعض الجمهوريين من أن تتحول الحرب إلى عبء عليهم في انتخابات التجديد النصفي.
aljazeera.net