إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «9-10»: نحو عقد سياسي جديد يؤسس لديمقراطية مستدامة
ميرغني الحبر/ المحامي
انتهينا في الحلقة السابقة إلى أن السودان يحتاج إلى أحزاب حديثة تقوم على المؤسسية، والكفاءة، والشفافية، والاستفادة من المعرفة والتكنولوجيا. غير أن بناء أحزاب جيدة، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء ديمقراطية مستقرة، لأن الأحزاب لا تعمل في فراغ، وإنما داخل نظام سياسي ودستوري قد يساعدها على النجاح، أو يدفعها إلى الفشل.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن أزمة الديمقراطية لم تكن ناتجة عن ضعف الأحزاب وحده، وإنما أيضاً عن غياب قواعد مستقرة تنظم العلاقة بين الأحزاب، ومؤسسات الدولة، والمؤسسة العسكرية، والمجتمع. فكلما اختلفت القوى السياسية حول السلطة، غابت المرجعية التي يحتكم إليها الجميع، وتحول الصراع السياسي إلى أزمة دستورية، ثم إلى انقلاب، أو حرب، أو انهيار للمؤسسات.
ولهذا، فإن إصلاح الحياة الحزبية ينبغي أن يوازيه إصلاح للإطار الدستوري والمؤسسي الذي يحتضن المنافسة السياسية، ويمنع انحرافها. فالديمقراطية لا تحميها الانتخابات وحدها، وإنما تحميها قواعد يتفق الجميع على احترامها، سواء كانوا في الحكم أو في المعارضة.
لقد انشغلت القوى السياسية السودانية، في كثير من المحطات، بمن يحكم، قبل أن تتفق على شكل الدولة التي تريد حكمها.
ولهذا ينبغي أن يسبق أي تنافس سياسي اتفاق وطني على المبادئ الدستورية التي لا تخضع للمنافسة الحزبية، مثل:
* وحدة السودان وسيادته. • المواطنة المتساوية. • سيادة حكم القانون. • التداول السلمي للسلطة. • استقلال القضاء. • حياد الخدمة المدنية. • استقلال المفوضيات الدستورية.
فهذه ليست برامج انتخابية، وإنما قواعد تأسيسية تستمر مهما تغيرت الحكومات.
أثبت التاريخ السوداني أن تداخل المؤسسة العسكرية مع التنافس الحزبي كان من أبرز أسباب عدم الاستقرار.
ولذلك فإن المطلوب ليس إضعاف القوات المسلحة، فهي إحدى أهم مؤسسات الدولة الوطنية، وإنما إعادة تنظيم العلاقة بينها وبين السلطة السياسية على أساس دستوري واضح.
فالجيش يحمي الوطن والدستور والنظام الدستوري، بينما تتنافس الأحزاب على إدارة الدولة عبر الوسائل الديمقراطية، دون استقواء بالمؤسسة العسكرية، أو استدعائها لحسم الخلافات السياسية.
وهذا المبدأ ليس ضمانة للديمقراطية فحسب، بل هو أيضاً حماية للمؤسسة العسكرية نفسها من الاستقطاب والانقسام.
لا يمكن أن تستقر الديمقراطية إذا ظل الدستور وثيقة مؤقتة تتغير مع كل أزمة سياسية.
إن السودان بحاجة إلى دستور دائم، يُصاغ من خلال حوار وطني واسع يشارك فيه السياسيون، والقانونيون، والجامعات، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والنساء، والشباب، وممثلو الأقاليم.
فالدستور ليس اتفاقاً بين الأحزاب، وإنما عقد بين السودانيين جميعاً.
المعارضة ليست خصماً للدولة، وإنما جزء من النظام الديمقراطي.
ولذلك ينبغي أن تكفل القوانين حقوقها في الرقابة، والوصول إلى المعلومات، والتعبير السلمي، والمشاركة في اللجان الوطنية الكبرى.
فالحكومة والمعارضة تتنافسان على إدارة الدولة، لا على هدمها.
ورغم اختلاف البرامج والرؤى، فإن من الممكن أن تتفق الأحزاب السودانية على ميثاق وطني يلتزم الجميع باحترامه، ويشمل على سبيل المثال:
* رفض الانقلابات العسكرية. • رفض العنف السياسي. • احترام نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة. • نبذ خطاب الكراهية والتحريض. • عدم توظيف الدين أو القبيلة لإثارة الانقسام. • الاحتكام إلى القضاء والمؤسسات الدستورية في حل النزاعات.
فمثل هذا الميثاق لا ينهي المنافسة السياسية، وإنما يضمن أن تظل منافسة سلمية ومنضبطة بقواعد الديمقراطية.
مهما بلغت قوة الدساتير والقوانين، فإن الديمقراطية لا تستقر إذا لم يؤمن بها المواطن.
ولهذا فإن نشر الثقافة الدستورية، وغرس قيم المواطنة، واحترام القانون، وتشجيع المشاركة السياسية الواعية، ليست مسؤولية الأحزاب وحدها، وإنما مسؤولية الدولة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والأسرة.
فالديمقراطية تبدأ في وعي الناس قبل أن تبدأ في صناديق الاقتراع.
يمر السودان اليوم بإحدى أصعب المراحل في تاريخه الحديث، لكن الأمم كثيراً ما تعيد بناء نفسها بعد الأزمات الكبرى.
غير أن إعادة بناء الطرق والجسور والمباني، مهما كانت أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تُبنَ معها مؤسسات سياسية ودستورية قادرة على إدارة الاختلاف، ومنع العودة إلى دوامة الصراع.
فالسلام المستدام لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، وإنما تصنعه مؤسسات قوية، وأحزاب مسؤولة، ودستور محترم، ومواطنون يؤمنون بأن الاحتكام إلى القانون هو الطريق الوحيد لإدارة الخلاف.
لقد انشغل السودانيون، طويلاً، بالسؤال: من يحكم؟
وربما آن الأوان لأن يسبق هذا السؤال سؤالٌ أكثر أهمية: كيف تُحكم الدولة؟
فإذا اتفقنا على قواعد عادلة ومستقرة لتنظيم المنافسة السياسية، أصبح الفوز والخسارة جزءاً طبيعياً من الحياة الديمقراطية، ولم تعد كل انتخابات معركة وجود، ولا كل خلاف مقدمة لانقلاب أو حرب.
إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بمن يصل إلى السلطة، وإنما بقدرتنا جميعاً على بناء نظام سياسي يحمي الدولة من تغول الأحزاب، ويحمي الأحزاب من تغول الدولة، ويجعل الدستور المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع.
إن إصلاح الأحزاب، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء ديمقراطية مستقرة، ما لم يُستكمل بإصلاح قواعد النظام السياسي نفسه. فالديمقراطية ليست مجرد تنافس على السلطة، وإنما اتفاق وطني على قواعد تمنع أي طرف من احتكار الدولة إذا فاز، أو هدمها إذا خسر.
وفي الحلقة العاشرة والأخيرة، سننتقل من التنظير إلى التطبيق، عبر تقديم نموزج “لميثاق تأسيسي لحزب سوداني حديث”، بوصفه تصوراً عملياً لبناء حزب مؤسسي، ديمقراطي، قادر على قيادة السودان نحو دولة القانون، والتنمية، والديمقراطية المستدامة.
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «8-10»: كيف نبني حزباً سودانياً حديثاً؟
altaghyeer.info