سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

من بلاتر وسوبرليغ إلى المليارات.. تاريخ الصراعات بين يويفا وفيفا على عرش اللعبة

من بلاتر وسوبرليغ إلى المليارات.. تاريخ الصراعات بين يويفا وفيفا على عرش اللعبة

صراع النفوذ والسيطرة على دواليب كرة القدم العالمية بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ليس جديدا، إذ شهدت العلاقة بين الطرفين على مدار السنوات الماضية محطات متتالية من الخلافات حول مستقبل اللعبة، بين رغبة فيفا في توسيع نفوذه عالميا وتعزيز موارده، وحرص يويفا على حماية مكانته باعتباره القوة الاقتصادية والرياضية الأكبر في كرة القدم.

وكان آخر فصول هذا الصراع اندلاع أزمة جديدة بعد إعلان فيفا خططاً لإنشاء شركة تابعة بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار لإدارة الحقوق التجارية لكأس العالم وبطولاته الأخرى، مع طرح حصة تصل إلى 20% أمام مستثمرين خارجيين.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ورد يويفا بتصعيد غير مسبوق بإعلانه أن الاتحادات الأوروبية الأعضاء صوتت بالإجماع على مقاطعة كأس العالم ومسابقات فيفا الأخرى إذا استمرت هذه الخطط، مؤكدا أن البطولة الأهم في كرة القدم "ليست منتجاً استثمارياً" ولا ينبغي فتحها أمام الملكية الخاصة.

وقال الاتحاد الأوروبي إن منتخباته لن تشارك في أي مسابقة تابعة لفيفا ما لم يتم التخلي عن المقترح بشكل كامل، وتقديم ضمانات بعدم فتح إدارة مسابقات الاتحاد الدولي أمام المستثمرين مستقبلا.

كما أعلن الاتحاد الإنجليزي دعمه للموقف الأوروبي، مؤكدا وقوفه إلى جانب بقية الاتحادات القارية، في مواجهة خطوة اعتبرها يويفا تهديداً لطبيعة إدارة كرة القدم العالمية.

لماذا يستطيع يويفا تحدي فيفا؟

قبل أن نستعرض أبرز المحطات والصراعات التي طبعت العلاقة بين فيفا ويويفا، يبرز سؤال مهم وهو لماذا يمكن للتكتل الأوروبي الوقوف في وجه فيفا دون بقية الاتحادات القارية؟

تمتلك فيفا السلطة الحاكمة على كرة القدم العالمية، لكن يويفا يسيطر على جزء كبير من المحرك الاقتصادي للعبة.

وبعد تأسيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عام 1954، بدأ يظهر توازن جديد داخل كرة القدم العالمية. فرغم أن فيفا بقي الهيئة العليا عالميا، فإن أوروبا أصبحت مركز الثقل الرياضي والاقتصادي بفضل قوة أنديتها وبطولاتها، خصوصا كأس أوروبا للأندية التي تطورت لاحقا إلى دوري أبطال أوروبا.

إعلان

ورغم أن الاتحادات الأوروبية الـ55 تمثل أكثر قليلاً من ربع أعضاء فيفا، فإن الاتحاد الأوروبي ينظم أغنى مسابقات الأندية والمنتخبات، ويمثل العديد من أكبر الدوريات والأندية وشبكات البث في العالم.

وتمنح هذه القوة التجارية يويفا نفوذا كبيرا عندما تقترح فيفا تغييرات تؤثر على نظام البطولات، أو الروزنامة الدولية، أو الهيكل التجاري لكرة القدم.

العلاقة بين الطرفين تقوم على الاعتماد المتبادل، ففيفا تحتاج إلى مشاركة أوروبا لتعظيم قيمة بطولاتها الكبرى، بينما يعمل يويفا ضمن الإطار التنظيمي العالمي الذي تضعه فيفا.

وهذا التوازن يفسر سبب أهمية الخلافات بين الطرفين، سواء تعلق الأمر بصيغ البطولات، أو جدول المباريات الدولية، أو القضايا التجارية لفيفا، وتأثيرها الكبير على مستقبل كرة القدم العالمية.

نستعرض الآن أبرز الانقسامات في العلاقة بين فيفا ويويفا عبر تاريخ كرة القدم الحديثة، وكشفت عن معركة مستمرة حول من يملك النفوذ الأكبر في إدارة اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

ألكسندر تشيفيرين رئيس اليويفا (وكالة الأنباء الأوروبية)

2011.. فكرة تغيير حجم الدوريات المحلية

في عام 2011، فتح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك سيب بلاتر نقاشا حول مستقبل الدوريات المحلية الكبرى، بعدما اعتبر أن بعض البطولات أصبحت طويلة ومزدحمة بالمباريات، ما يؤثر على جاهزية اللاعبين ويزيد من صدام المصالح بين الأندية والمنتخبات.

واقترح بلاتر تقليص عدد أندية الدوريات الكبرى من 20 فريقا إلى 18 فريقا، مؤيدا بذلك فكرة طرحها رئيس نادي برشلونة حينها ساندرو روسيل لتقليص عدد فرق الدوري الإسباني من 20 إلى 18، بهدف تخفيف ضغط المباريات على اللاعبين وتقليل الأعباء المالية على الأندية.

وكانت الفكرة تعني، عمليا، تقليل عدد مباريات الدوري المحلي لكل فريق من 38 مباراة إلى 34 مباراة في الموسم الواحد، وهو ما اعتبره بلاتر وسيلة لتخفيف ضغط الروزنامة، خصوصا مع وجود مسابقات الكؤوس المحلية والبطولات الأوروبية والمباريات الدولية.

لكن المقترح أثار تحفظات واسعة داخل أوروبا، إذ رأت بعض الدوريات والهيئات الكروية أن فيفا يتجاوز صلاحياته ويتدخل في إدارة مسابقات محلية تخضع للاتحادات الوطنية والروابط المحترفة.

فالدوريات الكبرى مثل الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي كان يضم آنذاك 20 ناديا، اعتبرت أن عدد الفرق ونظام المسابقة مرتبطان بعوامل رياضية وتجارية وحقوق بث تلفزيوني لا يمكن أن تُحدد من زيورخ.

وجاء هذا الخلاف ضمن صراع أوسع بين فيفا والأندية الأوروبية الكبرى حول من يملك حق تحديد شكل كرة القدم الحديثة. ففي العام نفسه، طالبت رابطة الأندية الأوروبية (إيكا)، التي كانت تضم نحو 201 نادٍ أوروبي، بتقليص عدد المباريات الدولية، وانتقدت زيادة الالتزامات التي تفرضها أجندة فيفا على اللاعبين المحترفين.

وفي النهاية، لم يتحول مقترح تقليص الدوريات إلى قرار ملزم، لكنه أصبح إحدى المحطات في سلسلة الخلافات بين فيفا والجهات الأوروبية حول روزنامة المباريات، وحماية اللاعبين، والسيطرة على النموذج الاقتصادي لكرة القدم العالمية.

2015.. أزمة بلاتر وبلاتيني

بلغ التوتر بين فيفا والقيادات الأوروبية مستوى غير مسبوق خلال أزمة الفساد التي ضربت الاتحاد الدولي عام 2015، والتي هزت صورة المؤسسة الحاكمة لكرة القدم العالمية وأعادت فتح النقاش حول طريقة إدارة اللعبة.

إعلان

ففي 27 مايو/أيار 2015، نفذت السلطات السويسرية، بطلب من القضاء الأمريكي، عملية توقيف في زيورخ طالت 7 مسؤولين من فيفا داخل فندق فاخر، ضمن تحقيقات مرتبطة بشبهات فساد ورشى في ملفات التسويق وحقوق البث.

وكانت هذه العملية جزءا من قضية أكبر اتهم فيها القضاء الأمريكي 14 شخصا، بينهم مسؤولون في فيفا واتحادات قارية وشركات تسويق رياضية، بارتكاب مخالفات مالية تتجاوز قيمتها 150 مليون دولار وفق التحقيقات الأمريكية.

وجاءت الضربة قبل يومين فقط من انتخابات رئاسة فيفا، التي فاز فيها سيب بلاتر بولاية خامسة في 29 مايو/أيار 2015، قبل أن يعلن بعد أربعة أيام فقط أنه سيستقيل تحت ضغط الأزمة، منهيا مسيرة استمرت 17 عاما على رأس الاتحاد الدولي منذ عام 1998.

وكان رئيس يويفا آنذاك ميشيل بلاتيني أحد أبرز المرشحين لخلافة بلاتر، ويحظى بدعم واسع داخل أوروبا، حيث رأى كثيرون فيه شخصية قادرة على إعادة هيكلة فيفا بعد سنوات من الانتقادات المتعلقة بالحوكمة والشفافية.

لكن مسار الخلافة تعرض لانتكاسة كبيرة عندما أعلنت لجنة الأخلاقيات التابعة لفيفا في أكتوبر/تشرين الأول 2015 إيقاف بلاتر وبلاتيني مؤقتا لمدة 90 يوما بسبب تحقيقات حول دفعة مالية بقيمة مليوني دولار دفعها فيفا لبلاتيني عام 2011، عن عمل استشاري يعود إلى الفترة بين 1999 و2002. ونفى الطرفان ارتكاب أي مخالفة، وقالا إن المبلغ كان مستحقا بموجب اتفاق شفهي، قبل أن يبرأ بلاتيني في السنوات اللاحقة.

وتسبب إيقاف بلاتيني، الذي كان يقود يويفا منذ 2007، في أزمة ثقة عميقة بين القيادة الأوروبية وإدارة فيفا، إذ اعتبر مسؤولون أوروبيون أن المؤسسة الدولية تمر بأزمة حوكمة وأن طريقة إدارة الملفات داخلها تحتاج إلى إصلاح جذري.

وفي أعقاب الأزمة، فاز السويسري جياني إنفانتينو، الأمين العام السابق ليويفا، برئاسة فيفا في فبراير/شباط 2016، بعد انتخابات تعهد خلالها بإصلاح المؤسسة وزيادة الشفافية.

رئيس فيفا السابق سيب بلاتر (يمين) رفقة رئيس الاتحاد الأوروبي السابق ميشيل بلاتيني (غيتي)

2018.. كأس العالم للأندية وكأس الأمم العالمي

تصاعد الخلاف مرة أخرى بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) عام 2018، بعد اعتراض الأخير على مشروع فيفا لإعادة تشكيل كرة القدم العالمية بقيمة 25 مليار دولار، والذي تضمن إقامة كأس عالم للأندية بمشاركة 24 فريقا كل أربع سنوات، إضافة إلى دوري أمم عالمي للمنتخبات كل عامين.

وطالب رئيس فيفا جياني إنفانتينو باتخاذ قرار سريع بشأن المشروع، لكن لجنة إستراتيجية كرة القدم الاحترافية التابعة ليويفا أعلنت رفضها للطريقة التي طُرح بها المقترح. وقال يويفا في بيان: "أعربت اللجنة بالإجماع عن تحفظات جدية بشأن الإجراءات المرتبطة بمقترحات كأس العالم للأندية ودوري الأمم العالمي التابعين لفيفا، خصوصا الجدول الزمني المتسرع وغياب المعلومات الملموسة".

وأضاف الاتحاد الأوروبي في البيان نفسه: "يجب النظر إلى مثل هذه المقترحات في إطار مراجعة شاملة للروزنامة الدولية للمباريات، ولا يمكن اتخاذ قرارات بشأنها بمعزل عن بقية الملفات".

واشتد الخلاف بسبب غياب الشفافية حول مصادر تمويل المشروع، بعدما أشارت صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times) إلى أن المستثمر التكنولوجي الياباني سوفت بنك ساهم في جذب تمويل من السعودية والإمارات والصين، دون الكشف رسميا عن هوية المستثمرين المشاركين.

كما اتهمت شخصيات في كرة القدم الأوروبية إنفانتينو باتباع سياسة "فرق تسد" عبر التواصل مع أندية كبرى بشكل منفرد، مثل برشلونة وبايرن ميونخ وليفربول ومانشستر يونايتد وريال مدريد، بدلا من الحوار عبر الهيئات الرسمية للأندية.

وأثارت خطط فيفا غضب مسؤولين أوروبيين، حيث نقل موقع "إي إس بي إن" (ESPN) عن أحد كبار المسؤولين في كرة القدم الأوروبية قوله: "الأمر سينفجر".

إعلان

وبعد أيام من كشف إنفانتينو عن خطته خلال اجتماع مجلس فيفا في بوغوتا، نقل "إي إس بي إن" عن مصدر مطلع قوله: "تشيفيرين غاضب. لا يوجد أي توافق على الإطلاق بين يويفا وفيفا".

وأضاف المصدر: "خطط فيفا قد تلحق ضررا كبيرا بدوري أبطال أوروبا. لا أعتقد أن الناس يدركون حجم ما يعنيه هذا الأمر بالنسبة لكرة القدم العالمية".

من جهته، انتقد رئيس يويفا ألكسندر تشيفيرين المشروع في مقابلة مع مجلة كيكر (Kicker) الألمانية قائلا: "اللاعبون وصلوا إلى أقصى حدودهم. فيفا يتصرف بطريقة غريبة، يناقش الأمر مع عدد قليل من الأندية الأوروبية فقط". وأضاف: "رابطة الأندية الأوروبية تمثل أندية أوروبا، وليس سبعة أندية فقط… يجب على فيفا احترام جميع الأندية".

وكانت العوائد المالية الضخمة أحد محاور الصراع، إذ أشارت التقارير إلى أن أكبر الأندية المشاركة في كأس العالم للأندية الجديد قد تحصل على ما بين 50 و85 مليون دولار، بينما أقر يويفا لاحقا قواعد مالية جديدة تلزم الأندية التي تنوي إنفاق أكثر من 100 مليون دولار صافيا بتقديم ضمانات مالية لقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

2025.. كأس العالم للأندية

لم تكن النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية 2025 مجرد مشروع رياضي جديد بالنسبة لفيفا، بل شكلت فصلا جديدا في الصراع على النفوذ مع يويفا، بعدما رأى الاتحاد الأوروبي أن البطولة تمنح فيفا دورا أكبر في سوق مسابقات الأندية الذي كان تاريخيا تحت الهيمنة الاقتصادية لدوري أبطال أوروبا.

فمنذ إعلان إنفانتينو عن تحويل كأس العالم للأندية إلى بطولة تضم 32 فريقا بدلاً من 7 فقط، اعتبر فيفا المشروع خطوة إستراتيجية لتحويل البطولة إلى "كأس عالم للأندية" على غرار كأس العالم للمنتخبات، ومنح الأندية من خارج أوروبا منصة عالمية لمنافسة عمالقة القارة.

لكن داخل أوروبا، ظهرت مخاوف من أن يؤدي المشروع إلى تعزيز نفوذ فيفا على حساب يويفا، خصوصا أن الاتحاد الدولي أصبح يسعى إلى امتلاك بطولة عالمية كبرى للأندية تدر مليارات الدولارات من حقوق البث والرعاية.

وكان أبرز نقاط الخلاف:

1- ازدحام روزنامة المباريات

اعترضت أندية أوروبية ورابطة الدوريات واللاعبون على توقيت البطولة، التي أقيمت في الولايات المتحدة بين يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2025، بعد نهاية الموسم الأوروبي مباشرة.

ورأت الجهات المعارضة أن إضافة بطولة جديدة تضم 32 فريقا تعني مزيدا من المباريات على اللاعبين الذين يعانون أصلا من ضغط البطولات المحلية والقارية والدولية.

وكانت هذه النقطة جزءا من صراع أوسع بين فيفا ويويفا حول من يملك حق تحديد عدد المباريات وشكل الموسم الكروي العالمي.