
كشفت التحركات العسكرية الأخيرة للجماعة الحوثية عن حالة من الارتباك غير المسبوقة في تقديراتها الميدانية، بعدما دفعت بتعزيزات كبيرة إلى جبهات ومحاور متفرقة، في مؤشر على خشيتها من هجوم حكومي محتمل لا تمتلك تصوراً واضحاً عن اتجاهه أو توقيته.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصعيد الجماعة حملات التجنيد القسري، واستحداث تحصينات ومنصات صاروخية في أكثر من محافظة خاضعة لها، وسط متغيرات سياسية وعسكرية شهدتها الساحة اليمنية خلال العام الحالي.
وعلى خلاف ما اعتادته الجماعة الحوثية خلال سنوات الحرب، عندما كانت تتوقع مسار المواجهات أو تحدد أولويات انتشارها، تبدو اليوم أكثر انشغالاً بتوزيع قواتها على جبهات عدة، بعد التطورات التي شهدها معسكر الحكومة الشرعية، وفي مقدمتها إنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد القرار العسكري، وهو ما دفعها إلى إعادة حساباتها الميدانية.
وبالتوازي مع التحركات العسكرية، كثفت الجماعة حملات التجنيد، مستغلة التدهور الاقتصادي، وانعدام فرص العمل لاستقطاب المراهقين والشباب، بينما واصلت خطابها الذي يركز على وجود «خصم خارجي» لتبرير التعبئة العسكرية.

غير أن اعترافات مصورة بثتها القوات الحكومية لأسرى قالت إنها أسرتهم في جبهات مختلفة، رسمت صورة مغايرة؛ إذ أكد عدد منهم أنهم جُندوا قسراً أو تحت ضغوط مارسها مشرفون محليون وشخصيات قبلية موالية للجماعة.
وأوضح أحد الأسرى، وهو فتى يبلغ من العمر 14 عاماً، أنه أُخذ من سوق مديرية القفر بمحافظة إب، حيث كان يعمل على دراجة نارية لنقل الركاب، قبل إرساله إلى جبهة الضالع.
وقال آخر إنه اقتيد من السوق في أثناء عمله في بيع بعض السلع، بينما أفاد ثالث، أُسر في جبهة الجوف، بأنه أُخرج من مدرسة ذات طابع طائفي، وأُبلغ بأنه سيقاتل ضد الإسرائيليين.
تشير مصادر عسكرية يمنية إلى أن طبيعة التعزيزات الحوثية خلال الأسابيع الماضية تعكس غياب تصور واضح لمسرح العمليات المحتمل، بعدما كانت الجماعة حتى وقت قريب تركز معظم تحصيناتها في جنوب محافظة الحديدة.
وبحسب المصادر، وبتنسيق مع خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني، عزز الحوثيون مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في المرتفعات المطلة على الحديدة ومضيق باب المندب وصولاً إلى خليج عدن، كما حولوا جزيرة كمران المقابلة لميناء الصليف إلى قاعدة للزوارق المفخخة والطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأضافت المصادر أن الجماعة حاولت أيضاً فرض سيطرتها على جزيرة زُقر، التي تضم أعلى مرتفع جبلي في جنوب البحر الأحمر، غير أن القوات الحكومية المرابطة هناك تصدت للمحاولة وأحبطتها.
كما حاول الحوثيون تنفيذ هجوم باتجاه محيط مضيق باب المندب باستخدام زوارق مفخخة وكثافة نارية كبيرة، إلا أن القوات الحكومية تمكنت من إفشاله، وفق المصادر.
في مرحلة سابقة، اعتقدت الجماعة الحوثية أن أي تصعيد قد يبدأ من محافظة الجوف، عقب النفير القبلي الذي دعا له الشيخ حمد بن فدغم، وما أثارته واقعة اعتقاله وإهانته من غضب واسع بين القبائل، فسارعت الجماعة إلى إرسال تعزيزات كبيرة إلى المحافظة.
ثم انتقلت مخاوف الجماعة الحوثية إلى جبهة الضالع، حيث دفعت بمزيد من القوات إلى أطراف محافظة إب، وأنشأت مواقع عسكرية ومنصات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تدخل في مواجهات مع القوات المشتركة تكبدت خلالها خسائر بشرية.

ومع اتساع الضغوط الاقتصادية في مناطق سيطرتها، وازدياد التحذيرات الدولية من تفاقم أزمة الجوع، اتجه اهتمام الجماعة خلال الأيام الأخيرة إلى محافظة البيضاء، حيث دفعت، بحسب مصادر ميدانية، بتعزيزات كبيرة شملت دبابات وعربات مدرعة وراجمات صواريخ، إضافة إلى كتائب من المسلحين.
وتمركزت هذه القوات في المناطق المتاخمة لمحافظتي لحج وشبوة، بالتزامن مع استحداث خنادق وسواتر ترابية، وإغلاق عدد من الطرق الرئيسية، وإنشاء منصات لإطلاق الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، خصوصاً في محيط مديرية الحد بيافع في محافظة لحج، ومديرية مكيراس المطلة على محافظة أبين، وأطراف مديريتي بيحان وناطع في محافظة شبوة، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاستنفار العسكري خشية تعرضها لهجوم من أكثر من محور.
aawsat.com