إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «10-10»: نحو ميثاق تأسيسي لحزب سوداني حديث
ميرغني الحبر/ المحامي
على امتداد هذه السلسلة، حاولنا أن ننتقل من نقد الواقع إلى البحث عن المستقبل. فلم يكن الهدف إدانة الأحزاب السودانية أو التقليل من أدوارها الوطنية، فقد قدمت أجيال من مناضليها تضحيات كبيرة في سبيل الاستقلال، والديمقراطية، ومقاومة الاستبداد.
لكن التجربة التاريخية أثبتت كذلك أن الأحزاب، مثلها مثل أي مؤسسة بشرية، تحتاج إلى مراجعة وتجديد مستمرين. وأن السودان، وهو يخرج من واحدة من أعقد أزماته الوطنية، لا يستطيع أن يبني دولة جديدة بأدوات سياسية لم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر.
ومن هنا، نختم هذه السلسلة بطرح ملامح ميثاق تأسيسي مفتوح للنقاش، لا باعتباره برنامجاً لحزب بعينه، وإنما بوصفه إطاراً فكرياً يمكن أن تستفيد منه الأحزاب القائمة، أو يشكل أساساً لأي حزب سياسي جديد.
لا قيمة لأي حزب إذا أصبح بقاؤه أهم من بقاء الوطن، ولا معنى لأي انتصار سياسي إذا كان ثمنه تمزيق الدولة أو المجتمع.
فالولاء الأول يجب أن يكون للسودان، ولدستوره، ولمواطنيه.
لا زعامة أبدية، ولا قيادة فوق المحاسبة، ولا مواقع تُورث.
القيادة تكليف مؤقت، تُكتسب بالكفاءة، وتنتهي بالانتخاب أو بالمحاسبة.
من يريد أن يقود دولة ديمقراطية، عليه أن يمارس الديمقراطية داخل حزبه.
فالشفافية، والانتخابات الدورية، واحترام الرأي الآخر، ليست وسائل، بل هي جوهر المشروع السياسي.
لا مكان للارتجال في إدارة الدولة.
كل سياسة يجب أن تُبنى على البحث العلمي، والبيانات، والخبرة، وتقييم الآثار المتوقعة.
ولهذا، يصبح وجود مراكز للبحوث، وأكاديميات للتدريب، جزءاً من بنية الحزب، لا نشاطاً هامشياً.
ينبغي أن يكون الحزب السوداني الحديث حزباً رقمياً في إدارته، وشفافاً في معاملاته، وقادراً على استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتعزيز المشاركة، وتحسين الإدارة، وصنع القرار، مع الحفاظ على خصوصية الأعضاء وأمن البيانات.
فالتكنولوجيا ليست بديلاً عن السياسة، لكنها أصبحت شرطاً من شروط كفاءتها.
لا يجوز أن يظل الشباب والنساء مجرد قواعد انتخابية.
بل ينبغي أن يكونوا شركاء حقيقيين في صنع القرار، وتمثيلهم في مؤسسات الحزب يجب أن يكون نتاجاً طبيعياً لتكافؤ الفرص وبناء القدرات، لا مجرد استجابة شكلية لضغوط الواقع أو لإرضاء الرأي العام.
يقوم الحزب الحديث على الإيمان بأن تنوع السودان الثقافي والإثني والديني والجهوي ثروة وطنية، وليس سبباً للانقسام.
وأن المواطنة هي الأساس الذي تتساوى به الحقوق والواجبات.
الحزب الذي يصل إلى السلطة لا يملك الدولة.
فالخدمة المدنية، والقضاء، والقوات النظامية، والبنك المركزي، والمفوضيات المستقلة، يجب أن تبقى مؤسسات وطنية، لا أدوات حزبية، وان تعمل وفق الدستور والقانون، وتخدم جميع المواطنين على قدم المساواة.
ليست غاية الحزب أن يحكم، بل أن يحسن إدارة الدولة إذا اختاره الشعب.
فإذا أصبح الوصول إلى السلطة غاية في ذاته، فسوف تضيع المبادئ، وتفسد السياسة.
لا يوجد حزب كامل، ولا فكرة معصومة.
ولذلك، يجب أن يخضع الحزب بصورة دورية لمراجعة برامجه، ولوائحه، وأدائه، وأن يتعلم من أخطائه، ومن تجارب الآخرين، ومن التحولات التي يشهدها المجتمع.
إذا كان لهذه السلسلة من رسالة، فهي أن إصلاح السودان يبدأ بإصلاح أدوات العمل السياسي.
ولعل الخطوة التالية ينبغي ألا تكون الاكتفاء بتدبيج المقالات، وإنما فتح حوار وطني واسع يشارك فيه السياسيون، والقانونيون، والأكاديميون، والشباب، والنساء، ورجال الأعمال، والمهنيون، والإدارات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدني، لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل الأحزاب والديمقراطية في السودان.
فالأفكار لا تكتمل إلا بالحوار، والمشروعات الكبرى لا يبنيها فرد، بل تبنيها العقول التي تؤمن بأن الوطن أكبر من الجميع.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن بناء الدول يبدأ ببناء المؤسسات، وأن قوة المؤسسات تبدأ بقوة الأحزاب، وأن قوة الأحزاب لا تُقاس بعدد مقارها أو جماهيرها، بل بقدرتها على إنتاج قيادات نزيهة، وسياسات رشيدة، وحلول واقعية لمشكلات الناس.
إن السودان يستحق حياة سياسية جديدة، تستفيد من تاريخه، ولا تبقى أسيرة له؛ تنفتح على العالم، دون أن تفقد هويتها؛ وتؤمن بأن الديمقراطية ليست محطة نصل إليها، بل ثقافة نبنيها كل يوم ، وليست مجرد آلية لتداول السلطة، بل منظومة أخلاقية ومؤسسية لإدارة التنوع، وصناعة المستقبل، وحماية الدولة من الاستبداد والانقسام.
ولعل هذه السلسلة ليست سوى دعوة متواضعة للمشاركة في هذا البناء.
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «9-10»: نحو عقد سياسي جديد يؤسس لديمقراطية مستدامة
altaghyeer.info