
صناعة الضغينة: عن السخرية وتوظيفها في خطاب الكراهية
لؤي قور
ولا ينبئك عن لحظة التحول المُرعب من الحب إلى الكراهية أفضل من الرسام ويليام باول فريث (1819–1909)، والذي اشتهرت لوحاته بتوثيق تفاصيل الحياة الاجتماعية اليومية في بريطانيا، فكان قادراً على اقتناص اللحظة والاحتفاظ بها داخل الإطار، بفضل موهبته الفذة والاستثنائية كواحد من أبرز الرسامين الإنجليز في العصر الفيكتوري.
في لوحة (الشاعر المرفوض) الزيتية والتي رُسمت في العام 1852، يلتقط (فريث) بفرشاته المبدعة لحظة كارثية حطمت قلب (الكسندر بوب)، أحد أعظم شعراء انجلترا في القرن الثامن عشر، حين اعترف بحبه لألمع النساء الانجليزيات في عصره، الأديبة والرحالة الليدي (ميري وورتلي مونتاغيو)، والتي استقبلت اعترافه هذا بضحك هستيري مع قهقهة عالية، معربة عن رفضها لحبه بأقسى طريقة وأكثرها إذلالاً. وحينها أصيب بوب بالصدمة، وبالخيبة، فأطرق برأسه في صمت، بينما لا تزال ماري تقهقه في طرف الغرفة.
وبحسب رواية الليدي ميري، فإنه وفي وقت لم تكن تتوقع فيه إعلاناً للحب، أبدى لها بوب عشقاً جارفاً لدرجة أنها انفجرت بضحك متواصل، على الرغم من محاولتها إبداء الجدية والغضب، لكن كان واضحاً إن الأوان قد فات حينها، على اصطناع الأعذار.
وتصور اللوحة (الكسندر بوب) جالساً يضع يديه على رأسه وظهره للحائط ، كان منحنياً إلى الأمام بحيث لا تظهر إعاقة عموده الفقري، والتي حدثت جراء سل العظام الذي أصابه في طفولته، مُطرقاً نحو الأرض في ذهول، وبجانبه تقف الليدي ميري بثوب أبيض مستغرقة في ضحك هستيري. وإمعاناً في السخرية من اعترافات بوب، يظهر في خلفية اللوحة تمثال لعاشقين متشابكين، بينما ترمز أدوات الكتابة والرسائل على الطاولة إلى الخلفية الفكرية الكبيرة لليدي ميري.
كانت وضعية (ميري) المسترخية في اللوحة ورأسها الملقى للخلف ويدها المستندة على الطاولة بلا مبالاة، تشير إلى أنها وجدت في اعتراف بوب بحبها نكتة مسلية، دون أن تدري أن تلك الضحكة التي دوت في الغرفة، ستحول العلاقة بينهما لعداء تاريخي، ودون أن تنفذ لعمق النظرة في عيون بوب، والتي اختلط فيها الانكسار بالوعيد.
ومنذ تلك اللحظة كرس الكسندر بوب قلمه اللاذع لهجائها في قصائدة، واصفاً إياها بأقذع الألفاظ، وحولها من مُلهمة إلى مسخ.
وعلى الرغم من أن سخرية الليدي ميري نقلت رفض الآخر لمستوى يتجاوز حدود الإنسانية ليعلن القطيعة معها ومع ما تمثله من قيم، لكن حرب السودان اليوم تجاوزت ما صنعته تلك الارستقراطية الانجليزية بقلب الكسندر بوب بمستويات عديدة، وصارت مما يخشى منه حتى بعد أن تضع الحرب أوزاره ، فبعض الجراح لا تطيب، وبعض التجني لا يُنسى.
جمعتني الظروف بشاب سوداني كان يطيل النظر في هاتفه يشاهد فيديو بعينه ويعيد تشغيله مراراً وتكراراً ويقهقه بالضحك، قبل أن يدعوني لمشاهدته. ويظهر في الفيديو سوداني ملقى على الأرض وقد احترق جسده لحد التفحم، كان يتحدث بكلمات غير واضحة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. لم أستطع تكملة الفيديو، لكني لم أفهم سبب سخرية هذا الشاب من شخص من بني جلدته يحتضر، ولم أعرف سبب إعجابه بهذا المحتوى الصادم بحيث يعيد تشغيله مراراً، ويشعره بالرضا مرة بعد مرة.
يستخدم الخطاب الداعم لاستمرار الحرب في السودان السخرية لنزع الإنسانية عن الخصوم، وتقليل الكلفة الأخلاقية لتعذيبهم أو قتلهم عبر النظر إليهم كأضحوكة لا تستحق التعاطف. تعيد السخرية طلاء الكراهية بالفكاهة، ما يجعل الأفكار المتطرفة والدعوات إلى العنف تبدو أقل خطورة، بينما تساعد وسائط التواصل الاجتماعي على انتشار المقاطع التي تسخر من المجتمعات والخصوم بسبب طابعها الترفيهي، فتصل لملايين المستخدمين، موسعة بذلك رقعة التحريض.
وفي حرب السودان الأهلية اعتُمدت السخرية كأداة لتوحيد الجبهة الداخلية، حين يمنح الضحك المشترك على الخصوم شعوراً زائفاً بالتفوق والتماسك الداخلي، ويوفر أداة – مجانية- للإفلات من المحاسبة القانونية والإدانة المجتمعية والشعور بالذنب. وحينها تتحول الجريمة إلى دعابة، وتتحول أرواح الضحايا المزهقة إلى مادة للتندر، في آلية دفاعية مشوهة، يصنعها العقل الغارق في دوامة الحروب.
وقبيل الاستفتاء على الوحدة والانفصال في جنوب السودان دأب إعلام الإنقاذ على ترويج نكات تسخر من قدرة الجنوبيين على تأسيس دولة حديثة، وتم تقديمهم في قالب كوميدي ساخر يقلل من كرامتهم الإنسانية. واستخدمت بعض العادات الاجتماعية والطقوس الثقاقية الخاصة بالقبائل الجنوبية كمادة للضحك في البرامج الإذاعية والتجمعات السياسية الموالية للإخوان، فكانت النتيجة تصويت الجنوبيين لصالح الاستقلال بنسبة تفوق 98% لتنقسم البلاد لجملة أسباب، منها تلك السخرية التي لم يلقي لها الكثيرون بالاً.
محاربة خطاب الكراهية مسؤولية تضامنية تقع على عاتق الرافضين لحرب السودان الأهلية، كما إن مراقبة دعاوي العنف المبطنة في المحتوى الترفيهي الساخر والتصدى لها هو من واجبات الساعة، على طريق الحفاظ على وحدة البلاد وإزالة خطر التفرقة والانقسام.
altaghyeer.info