سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

انتكاسة اللوبي.. هذا ما يعنيه فوز عبدول السيد للمسلمين الأمريكيين ولإسرائيل

انتكاسة اللوبي.. هذا ما يعنيه فوز عبدول السيد للمسلمين الأمريكيين ولإسرائيل

جاءت نتائج الانتخابات التمهيدية، مساء الثلاثاء 4 أغسطس/آب الجاري، لتضع المرشح الديمقراطي الاشتراكي عبدول السيد على بُعد خطوات قليلة من تحقيق فوز تاريخي ‏في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

أظهرت النتائج أن الحملات الدعائية المكثفة، والأموال الضخمة التي أنفقها اللوبي الأمريكي المؤيد لإسرائيل ضد المرشح الديمقراطي الاشتراكي عبدول السيد لم تنجح في إقصائه من ساحة المنافسة، ‏وأن المال في بعض الأحيان لا يشتري الانتخابات ما دامت القواعد الشابة للحزب الديمقراطي يقظة تحافظ على حقوقها وبرنامجها السياسي.

‏فاز عبدول السيد بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي؛ لأنه طرح برنامجا سياسيا تقدميا يركز على توفير رعاية صحية شاملة للجميع، وخفض تكاليف المعيشة ‏للمواطن الأمريكي -الذي أرهقته معدلات التضخم المرتفعة وتدني ‏الأجور للطبقات العاملة- وزيادة الضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة، مع تعزيز حقوق العمال والنقابات.

كما يدعو عبدول السيد إلى إصلاح النظام السياسي عبر الحد من نفوذ الأموال والشركات في الانتخابات وتبني سياسات خارجية تضع في الاعتبار المصالح الأمريكية العليا فوق مصالح الدول الأخرى مثل إسرائيل.

‏يتمتع السيد بخلفية أكاديمية عريقة فقد تخرج في الجامعات الأمريكية ‏والأوروبية العريقة، حيث نال أرقى منحة علمية يحصل عليها طالب أمريكي- ‏وهي منحة رودس ‏للدراسة في جامعة أكسفورد البريطانية- كما أن عمله في المجال الصحي، وخدمته في ولاية ميشيغان، ومحاولته السابقة للترشح لمنصب حاكم ولاية ميشيغان قد منحته جميعها تواصلا مستمرا مع قواعد الحزب الديمقراطي الشابة في الولاية، والناقمة على سياسة الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

لقد حصل السيد على دعم قادة التيار الديمقراطي الاشتراكي أمثال عضو مجلس الشيوخ الأمريكي البارز بيرني ساندرز، حيث نجح هذا التيار في الفوز بالعديد من ‏الانتخابات التمهيدية للحزب والمناصب الحكومية، أبرزها منصب عمدة نيويورك ‏الذي فاز به المسلم زهران ممداني.

العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي تعود إلى السنوات الأولى للاستقلال، إذ كانت المغرب أول دولة تعترف رسميا باستقلال الولايات المتحدة عام 1777، قبل أن تعترف بها أي من الدول الأوروبية الحديثة

الإسلام في الولايات المتحدة.. تاريخ ‏ضارب في القدم

إعلان

لم يكن الإسلام يوما دينا غريبا أو حديث العهد -‏كما يزعم بعض خصومه- في الولايات المتحدة الأمريكية، ‏فقد كان عدد كبير من الأفارقة الذين جُلبوا قسرا -عبر تجارة الرقيق ‏ذات التاريخ سيئ الصيت من غرب أفريقيا إلى أمريكا الشمالية- يدينون بالإسلام العظيم، ويحملون تعاليمه في وجدانهم.

تشير دراسات تاريخية إلى أن نسبة معتبرة -‏حوالي 15% إلى 30%- من العبيد الأفارقة كانوا مسلمين، حافظت ‏قلة منهم على عقيدتها رغم ظروف الاستعباد القاسية، بينما أُجبر ‏الكثيرون عبر أزمان مختلفة على اعتناق المسيحية، أو التخلي عن شعائرهم الدينية ‏الإسلامية.

ولا تزال المتاحف والمخطوطات الأمريكية تحتفظ بشواهد على هذا الإرث الإسلامي المبكر، ‏وبعض من سير أولئك العبيد المسلمين الذين كانوا قدوة ‏للعبيد غير المسلمين في معرفتهم للقراءة والكتابة. ‏ولذلك فإنه من نافلة القول الاعتقاد جازما بأن الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة ‏قد سبق قيام الدولة الأمريكية نفسها واستقلالها عام 1776.

كما أن العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي تعود إلى السنوات الأولى للاستقلال، إذ كانت المغرب أول دولة تعترف رسميا باستقلال الولايات المتحدة عام 1777، قبل أن تعترف بها أي من الدول الأوروبية الحديثة.

كذلك تشير المصادر التاريخية إلى أن توماس جيفرسون -الرئيس الأمريكي الثالث وكاتب إعلان الاستقلال الأمريكي- كان يمتلك نسخة من القرآن الكريم في مكتبته الخاصة، ‏مما يشير إلى اهتمامه واطلاعه الخاص على الفكر الإسلامي.

‏ولكن رغم هذا التاريخ القديم للمسلمين في الولايات المتحدة فإن وجودهم في الحياة العامة السياسية ظل ضعيفا ولا يتناسب مع تاريخهم، أو تزايد أعدادهم، خاصة بعد الهجرات الحديثة للمسلمين عقب إصلاحات قوانين الهجرة عام 1965.

فقد فتحت ‏هذه الهجرات الحديثة الباب أمام موجات جديدة من المهاجرين المسلمين المتعلمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، حيث ساهموا في بناء مؤسسات دينية وتعليمية ومجتمعية، قبل أن ينتقلوا تدريجيا إلى المشاركة في الحياة العامة. ‏

ولكن على الرغم من هذا الوجود المتزايد للمسلمين الأمريكيين وارتفاع مستوى تعليمهم ومستواهم الاقتصادي فوق المتوسط القومي الأمريكي، فقد ظلوا عقودا طويلة ‏يجلسون على قارعة العمل السياسي الأمريكي دون تمثيل نيابي لهم في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكي حتى عام 2006.

أدرك المسلمون ‏الأمريكيون أن الوقوف على هامش الحياة السياسية لم يعد خيارا ممكنا، وأن الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم في المجتمع الأمريكي يقتضي الانخراط الفاعل في العمل السياسي

‏العمل السياسي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول

‏بيد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 ‏قد شكلت نقطة تحول فارقة في حياة المسلمين الأمريكيين. وجد المسلمون أنفسهم –بعد تلك الهجمات الكارثية- تحت المجهر السياسي والإعلامي يتعرضون لاتهامات جماعية بالارتباط بالعنف والتطرف، ‏هم منها براء.

لقد أودت تلك الهجمات ‏المؤسفة -‏التي لم يقم بها أي من المسلمين الأمريكيين- بحياة الآلاف من الأبرياء ‏بمن فيهم بعض المسلمين الأمريكيين. ‏وللأسف الشديد دفع المسلمون حول العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة، ثمنا باهظا لتلك الأحداث.

إعلان

فقد أدت الحروب في أفغانستان والعراق –التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول- إلى سقوط مئات الآلاف من الضحايا، وتشريد الملايين، وتدمير واسع للبنية التحتية، ولا تزال آثار تلك الحروب ماثلة حتى اليوم ‏وشاهدة على الثمن ‏الغالي الذي دفعه المسلمون جراء تلك الأحداث.

واجه المسلمون ‏الأمريكيون تحديات تمثلت في تصاعد مشاعر الريبة والتمييز ‏ضدهم وتراجع بعض حقوقهم المدنية، وازدياد الضغوط الأمنية عليهم. أدرك المسلمون ‏الأمريكيون أن الوقوف على هامش الحياة السياسية لم يعد خيارا ممكنا، وأن الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم في المجتمع الأمريكي يقتضي الانخراط الفاعل في العمل السياسي؛ سواء من خلال المشاركة في الانتخابات، أو الانضمام إلى الأحزاب السياسية.

والجدير بالذكر أن الجالية الصومالية –وهي من أحدث الجاليات المسلمة ‏هجرة إلى الولايات المتحدة- كانت من أكثر الجاليات إدراكا لأهمية التنظيم السياسي والمشاركة في العملية الديمقراطية.

لقد لعبت الجالية الصومالية دورا بارزا في حشد الناخبين وتنظيمهم، وأسهمت بصورة مؤثرة في إيصال أول عضو مسلم أمريكي ‏هو كيث إليسون ‏من ولاية مينيسوتا إلى الكونغرس الأمريكي عام 2006، ‏كما أوصلت ‏لاحقا النائبة الديمقراطية الشهيرة إلهان عمر من أصول صومالية إلى الكونغرس الأمريكي عام 2018.

‏إن نجاح عبدول السيد في الفوز في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبلة، ‏يعني انتخاب أول مسلم عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو تطور يعكس تنامي الحضور السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة، وأن عهد الإقصاء الكامل قد انتهى

تجاوز عبدول السيد العقبة الأولى

يخوض عبدول السيد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان للفوز بترشيح الحزب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي ‏في ظاهرة تعكس تنامي الاهتمام الأمريكي المسلم بأهمية المشاركة السياسية في الحياة العامة الأمريكية.

ويستند عبدول السيد في حملته إلى قاعدة واسعة من الشباب –إضافة إلى دعم التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي- الذي يسعى إلى إحداث تغيير في بنية المؤسسة التقليدية للحزب، ‏خاصة في ظل الإخفاقات الأخيرة في الانتخابات السابقة.

واجه السيد منافسة شرسة من المرشحة هيلي ستيفنز المدعومة من كبار قيادات الحزب الديمقراطي، ‏مثل حاكمة ولاية ميشيغان، وبعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، وزعيم الأقلية الديمقراطية فيه.

شكل صعود هذا التيار الديمقراطي الاشتراكي معضلة كبيرة للحزب الديمقراطي؛ خشية تبني خطاب أكثر يسارية قد يجعل مرشحيه هدفا سهلا لهجمات الحزب الجمهوري، وهو ما قد ينعكس سلبا على فرص الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

لقد هاجم زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي -إلى جانب عدد من السياسيين الديمقراطيين- قادةَ التيار الديمقراطي الاشتراكي الجديد، متهمين إياهم بالتخلي عن بعض المبادئ الأساسية للحزب الديمقراطي.

وتُعد قضية المساعدات الاقتصادية والعسكرية المقدمة لإسرائيل من أبرز نقاط الخلاف بين قادة هذا التيار الجديد، وقيادات الحزب الديمقراطي التقليدية. غير أن كثيرا من قيادات الحزب الديمقراطي التقليدية لا يدركون أن هناك شريحة كبيرة من الناخبين الديمقراطيين –تُقدَر بنحو ثلث القاعدة الانتخابية للحزب ‏بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة- لم تعد ترى حرجا في ‏التيار الديمقراطي الاشتراكي.

‏والجدير بالإشارة هنا أن بعض الجمهوريين يفضلون فوز عبدول السيد بترشيح الحزب الديمقراطي؛ اعتقادا منهم بأنه سيكون منافسا أسهل في الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني ‏من العام الجاري. ويصفه بعض خصومه بأنه ينتمي إلى تيار اشتراكي يتبنى سياسات تتعارض مع النموذج الرأسمالي الأمريكي، وتشكل تهديدا للمؤسسات السياسية الأمريكية..

إعلان

إن نجاح عبدول السيد في الفوز في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبلة، ‏يعني انتخاب أول مسلم عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو تطور يعكس تنامي الحضور السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة، وأن عهد الإقصاء الكامل قد انتهى، مما سيفتح آفاقا جديدة للمسلمين الأمريكيين في رحاب السياسة الأمريكية.

وتنبع أهمية هذا الإنجاز من المكانة الاستثنائية التي يحتلها مجلس الشيوخ في النظام السياسي الأمريكي، فالمجلس لا يقتصر دوره على سن التشريعات ‏فحسب، بل يمارس دورا كبيرا في اتجاهات السياسة الخارجية، ويصادق على المعاهدات الدولية، ويوافق على تعيينات الرئيس في المناصب العليا. ولهذا كثيرا ما يُنظر إلى عضو مجلس الشيوخ باعتباره واحدا من أكثر الشخصيات تأثيرا في الحياة السياسية الأمريكية.

وهناك مقولة متداولة في الأوساط السياسية الأمريكية مفادها أن عضو مجلس الشيوخ قد يصبح أحيانا "‏مثل الملك"، لأن صوت عضو واحد قد يكون كافيا لحسم تشريع مصيري أو إسقاطه، ‏كما فعل عضو مجلس الشيوخ السابق الجمهوري جون ماكين الذي أنقذ نظام الرعاية الصحي للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما من الإلغاء.

‏لا شك أن الطريق لا يزال وعرا أمام عبدول السيد للوصول إلى مجلس الشيوخ الأمريكي في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، ولكن نتائج هذه الانتخابات التمهيدية تشير إلى أن المواطن الأمريكي يبحث عن حلول عاجلة لمشاكله الاقتصادية والاجتماعية ومستعد لإعطاء الفرصة للتيار الاشتراكي الديمقراطي ‏فلربما ينجح في تخفيف أعباء المعيشة المتفاقمة عليه. فاز عبدول السيد بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي وخسر اللوبي الأمريكي المؤيد لإسرائيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aljazeera.net