سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

ترمب تحت الضغط.. الداخل ينقلب عليه والخارج يتحدى تهديداته

ترمب تحت الضغط.. الداخل ينقلب عليه والخارج يتحدى تهديداته

لم تعد سياسة "التهويل المتواصل" والوعيد بالقرارات الحاسمة تثير الذعر أو تفرض التنازلات الفورية، بعدما باتت حدود الحركة الفعلية للإدارة الأمريكية مكشوفة ومحاصرة بين ضوابط القضاء، وموانع الكونغرس، وتصلب موقف الخصوم والدول المنافسة.

بعد أقل من عامين على عودته إلى البيت الأبيض، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يواجه اختبارا مختلفا عن كل الأزمات التي نجح في تجاوزها خلال العقد الماضي.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

فبينما تتراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها في ولايته الثانية، تتزايد المؤشرات على أن سلاحه الأكثر تأثيرا، والمتمثل في اعتماد سياسة التهويل المتواصل والتهديد والوعيد، لم يعد يحقق النتائج نفسها داخليا أو خارجيا، في وقت تحولت فيه الحرب مع إيران إلى عبء سياسي يهدد مستقبل حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

لا تزال إيران تستعصي على الرضوخ لترمب رغم القصف المتواصل الذي تتعرض له من الجيش الأمريكي، وترفض إعادة فتح مضيق هرمز.

واشنطن بوست

من سياسة الصدمة إلى التجاهل

هذا الموضوع تناولته الصحف الأمريكية والبريطانية في مقالات وتقارير إخبارية بقراءات من زوايا تحليلية متقاربة ومتوافقة إلى حد كبير.

ففي تقرير تحليلي موسّع لاثنين من مراسليها، ترى صحيفة واشنطن بوست أن العالم بات أقل اكتراثا بتهديدات ترمب المتكررة بعدما أثبتت التجارب أن كثيرا منها تنتهي بالتراجع أو التسويات، سواء في ملفات الرسوم الجمركية أو العلاقات مع الحلفاء أو المواجهة مع إيران.

وتشير الصحيفة إلى أن المشهد كان مختلفا تماما في أبريل/نيسان من عام 2025 عندما أعلن ترمب حزمة رسوم جمركية واسعة، إذ سارعت الأسواق إلى التراجع، وهرعت عشرات الحكومات إلى واشنطن سعيا لتخفيف آثارها، أما اليوم، فإن ردود الفعل الدولية أصبحت أكثر هدوءا، حتى إن الأسواق المالية بالكاد تتحرك مع كل تهديد جديد، وفق التقرير.

إعلان

واختصر براندو بينيفي، رئيس وفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع الولايات المتحدة، هذا التحول حيث نقلت عنه واشنطن بوست قوله: "لقد اعتدنا هذه الإعلانات اليومية.. ولم نعد نأخذها بالجدية نفسها".

وفي الداخل الأمريكي، لا يزال ترمب يهيمن على النقاش السياسي ويحدد بشكل كبير أجندة السياسات العامة، ومع ذلك، لم يتمكّن من إرغام مجلس الشيوخ، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، على الإبقاء على ملفات جيفري إبستين الجنائية سرية، ولا من تمرير مشروعه الرئيسي "قانون إنقاذ أمريكا" واضطر هذا الأسبوع إلى تقديم تنازلات لإعادة ترشيح تود بلانش لمنصب وزير العدل إلى مساره بعد أن تعثر في المرة السابقة.

أما على الساحة الدولية، ما برحت إيران تستعصي على الرضوخ لترمب رغم القصف المتواصل الذي تتعرض له من الجيش الأمريكي، حسب الصحيفة، مضيفة أن طهران ترفض أيضا -حتى كتابة هذه السطور- إعادة فتح مضيق هرمز، بينما يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربه في أوكرانيا.

وعلى الجانب الآخر، تعاملت أوروبا مع مطالب الرئيس الأمريكي المتجددة بشأن ضم جزيرة غرينلاند لبلاده بقدر كبير من اللامبالاة، كما تجاهل الشركاء التجاريون أحدث الرسوم الجمركية التي أعلنها.

وبالنسبة لعالم "بات مرهقا" من قدرة الولايات المتحدة على الإرباك وقلب الموازين، أصبحت المبالغات الخطابية جزءا مألوفا من المشهد، وكثيرا ما يُنظر إلى تهديدات ترمب على أنها مجرد أوراق ضغط لا تُنفّذ، في حين ينتهي الأمر بالرئيس، "الذي يعشق سياسة الصدمة وإثارة الهيبة"، إلى التراجع في كثير من الأحيان، وفق تعبير واشنطن بوست.

ومضت الصحيفة إلى القول إن العواصم الغربية أدركت أن كثيرا من تهديدات ترمب لا تتحول إلى سياسات دائمة، وهو ما جعل عنصر المفاجأة، الذي كان يمثل أحد أهم أدواته السياسية، يفقد كثيرا من زخمه وتأثيره.

 

إيران.. الامتحان الأصعب

وفي تقدير واشنطن بوست أن الملف الإيراني يُعد أوضح دليل على تراجع قدرة ترمب على فرض إرادته، فبعد حملة عسكرية أمريكية-إسرائيلية واسعة استهدفت قيادات إيرانية، لا يزال النظام في طهران قائما، كما استمر إغلاق مضيق هرمز، رغم سلسلة من الإنذارات الأمريكية المتكررة.

ونقلت الصحيفة عن السفير الأمريكي السابق رونالد نيومان القول إن الرسائل التي يبعث بها ترمب لطهران أصبحت متناقضة، وتتراوح "ما بين التهديد ثم القصف ثم التراجع"، مضيفا أنه يبدو بذلك "يائسا" في نظر الإيرانيين.

ويضيف ساخرا: "بالطريقة التي يساوم بها ترمب، لن أعطيه مالا ليذهب به إلى سوق السجاد التقليدي"، مؤكدا أن المفاوض الإيراني المتمرس يدرك عدم وجود ضرورة لتخفيض سقف مطالبه ما دامت واشنطن تعكس حالة من الاستعجال والارتباك.

وترى الصحيفة أن إيران أدركت أن عامل الوقت يعمل لمصلحتها، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر/تشرين الثاني وتراجع شعبية الرئيس، وهو ما يمنحها حافزا لعدم تقديم تنازلات سريعة.

 

أوروبا رفضت الانجرار بالكامل إلى الحرب مع إيران، وإسبانيا تجاهلت تهديدات المقاطعة التجارية، والصين أجبرت واشنطن على التراجع عبر استخدام ورقة المعادن النادرة.

العالم يتعلّم

على أن هذا التحول في طريقة التعامل مع الرئيس الأمريكي لا يقتصر على إيران وحدها، فوفق واشنطن بوست، رفضت أوروبا الانجرار بالكامل إلى الحرب، كما تجاهلت إسبانيا تهديدات المقاطعة التجارية، بينما تمكّنت الصين سابقا من إجبار واشنطن على التراجع عبر استخدام ورقة المعادن النادرة، في حين تجاهل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الرسوم الأمريكية المفروضة على بلاده ولم يغيّر موقفه.

إعلان

ويرى جيريمي شابيرو، مدير برنامج الولايات المتحدة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن ترمب استهلك تدريجيا الرصيد السياسي والدبلوماسي المتراكم للولايات المتحدة، مضيفا أن المسؤولين "بدؤوا يلاحظون أنه يتصرف كمتنمر، لكن من السهولة بمكان إخافته".

كما يشير شابيرو إلى انتشار تعبير "تاكو "TACO في الأسواق المالية، وهو اختصار لعبارة: "ترمب يتراجع دائما في النهاية".

 

ترمب يعاني من انخفاض حاد في معدلات التأييد الشعبي له (الفرنسية)

الإفلات من الأزمات

يلقي هذا التعثر في الملفات الخارجية ظلالا قاتمة على الخريطة السياسية الداخلية للولايات المتحدة، خصوصا مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وفي مقال رأي نشرته نيويورك تايمز، يرى كاتب عمود الرأي روس دوثات أن قدرة ترمب التاريخية على الإفلات من الأزمات السياسية والمآزق المحرجة ربما تكون قد بلغت نهايتها.

ويوضّح الكاتب أن ترمب يعاني من انخفاض حاد في معدلات التأييد الشعبي وصلت إلى أدنى مستوياتها في ولايته الرئاسية الثانية لتسجل أرقاما في حدود الثلاثينات من النقاط، وهو ما يضع الحزب الجمهوري أمام خطر حقيقي لخسارة مقاعد كان يعتقد أنها آمنة في ولايات مثل أيوا وتكساس وألاسكا، الأمر الذي ينذر بخسارته الأغلبية التي يتمتع بها حاليا في مجلس الشيوخ.

وفي اعتقاد دوثات أن أفضل فرصة أمام ترمب تتمثل في التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل الانتخابات؛ لأن أي انفراج قد يخفض أسعار الطاقة ويمنحه دفعة سياسية، لكنه يحذر من أن طهران تدرك تماما أهمية عامل الوقت، ولذلك قد تواصل المماطلة لانتزاع تنازلات أكبر.

ويخلص كاتب المقال إلى أنه لم يعد يرى سيناريو واضحا يسمح للرئيس بالخروج من أزمته الحالية، قائلا: "من الصعب جدا أن نرى كيف يمكن لدونالد ترمب أن يجد مخرجا من هذا المأزق".

 

أمريكيون يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع بميشيغان (الفرنسية)

التحالف الانتخابي يتفكك

من جانبه، يقدم المحلل السياسي ديفيد غراهام في مقاله التحليلي بمجلة ذي أتلانتيك قراءة تفكيكية للتحولات الديموغرافية والانتخابية التي تشهدها الساحة السياسية الأمريكية.

واعتبر الكاتب أن المكاسب التي حققها ترمب بين الشباب والأمريكيين من أصول لاتينية والسود في انتخابات 2024 بدأت تتبخر سريعا.

وتشير المجلة إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تمنح ترمب نسب تأييد تتراوح بين 32 و34%، وهي الأدنى تقريبا منذ عودته إلى السلطة.

وتظهر الاستطلاعات تراجعا حادا في تأييده بين الشباب، بمن فيهم الشباب الذكور الذين اعتُبروا أحد أهم أسباب فوزه في الانتخابات الماضية، فضلا عن انخفاض ملحوظ في دعمه بين الناخبين اللاتينيين والسود، وحتى بين العمال البيض، الذين مثلوا تاريخيا قاعدته الانتخابية الأهم.

وترجع المجلة هذا التراجع بصورة أساسية إلى استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار، إضافة إلى تداعيات الحرب مع إيران، معتبرة أن الناخبين الذين عاقبوا الديمقراطيين بسبب التضخم بدؤوا الآن يعاقبون ترمب للأسباب نفسها.

العاشق الغاضب

وفي تحليل نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، يضيف الكاتب جون بودين مؤشرا آخر على الضغوط التي يعيشها الرئيس؛ إذ رصد حالة الغضب التي تعتمل في صدر ترمب وتجلت في تعليقات نشرها عبر منصة "تروث سوشيال" الخاصة به في وسائل التواصل الاجتماعي بعد نفي طهران وجود مفاوضات مع واشنطن.

ترمب بات يعاني من مشاكل عديدة حتى داخل معسكره الجمهوري (رويترز)

ووصف بودين تلك المنشورات بأنها تُظهر الرئيس "كعاشق غاضب هجرته محبوبته، فبدأ يفرغ غضبه في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي".

وخلال لقاء مع الصحفيين، سُئل ترمب عن سبب اعتقاده بأن الجولة الجديدة من التهديدات ستنجح هذه المرة بعدما أخفقت المحاولات السابقة، فجاء رده المختصر: "لا أعرف".

إعلان

ويرى بودين في تحليله أن هذا الرد يعكس غياب إستراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين تتوقع استمرار الصراع لأشهر وربما سنوات، بينما لا يؤيد مواصلة العمليات العسكرية سوى نحو خُمس الأمريكيين.

على أن ما يمكن استخلاصه، في نهاية المطاف، أن قراءات الصحف الأربع تتقاطع عند نتيجة واحدة، وإن اختلفت زوايا تناولها: فبينما ترى واشنطن بوست أن العالم لم يعد يرتبك أمام تهديدات ترمب، وتعتبر نيويورك تايمز أن قدرته التاريخية على الإفلات من الأزمات قد تكون شارفت على نهايتها، تشير ذي أتلانتيك إلى تآكل قاعدته الانتخابية، بينما ترصد إندبندنت مظاهر الارتباك في إدارته للملف الإيراني.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الرئيس الأمريكي قادرا على استعادة زمام المبادرة، أم إن تراجع فعالية سياسة "الصدمة والتهديد" التي ينتهجها أصبح واقعا يصعب عكس مساره.

aljazeera.net