سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

هكذا تبقى واشنطن عالقة في حروب حلفائها التي لا تنتهي

هكذا تبقى واشنطن عالقة في حروب حلفائها التي لا تنتهي

ترى الباحثة دافنا راند أن الولايات المتحدة تواجه معضلة متكررة في سياستها الخارجية تتمثل في أنها تنجح غالبا في مساعدة حلفائها على خوض الحروب، لكنها تفشل في التأثير على كيفية إدارتها أو تحديد شروط نهايتها.

وأوضحت الزميلة البارزة في معهد بروكينغز -في مقال بمجلة فورين أفيرز- أن واشنطن، بعد تجاربها الطويلة في أفغانستان والعراق، حاولت تجنب التورط المباشر في "حروب لا تنتهي" عبر الاعتماد على دعم الشركاء المحليين بالسلاح والمعلومات والاستخبارات والتدريب بدلا من إرسال قوات أمريكية كبيرة إلى ساحات القتال.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وخلال السنوات الأخيرة، وسعت الولايات المتحدة هذا النهج بشكل كبير، ورفعت مساعداتها الأمنية السنوية لحلفائها من نحو 15 مليار دولار عام 2010 إلى 46 مليار دولار عام 2025، إلى جانب زيادة مبيعات الأسلحة والدعم الاستخباراتي.

وقد ظهر هذا النموذج بوضوح في 3 أزمات رئيسية، في الحرب التي قادتها السعودية في اليمن ضد الحوثيين، الحرب الروسية على أوكرانيا، والحرب الإسرائيلية في غزة بعد هجوم حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

طائرة عسكرية تحمل سيارات دفع رباعي أمريكية مُدرعة هبطت في مطار تل أبيب، إسرائيل (الأناضول)

وفي الحالات الثلاث، قدمت واشنطن الجزء الأكبر من الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن توجيه مسار العمليات أو فرض رؤية واضحة لكيفية إنهاء الصراعات.

ومع أن الدعم الأمريكي عزز قدرات الحلفاء العسكرية، فإنه لم يمنح الولايات المتحدة بالضرورة القدرة على التحكم في القرارات الإستراتيجية التي يتخذها هؤلاء الحلفاء.

إهدار اللحظة الأولى

وتوضح راند أن المشكلة الأساسية تكمن في أن واشنطن غالبا ما تهدر اللحظة الأولى من الحرب، وهي الفترة التي يكون فيها نفوذها على الحليف في أعلى مستوياته تحت ضغط احتياجاته إليها، مما يجعله أكثر استعدادا لقبول الشروط أو مناقشة الأهداف المشتركة.

إعلان

وتشير الباحثة إلى أن هذا التردد ظهر في أوكرانيا، حيث ركزت الولايات المتحدة على ضمان قدرة كييف على الصمود عسكريا، لكنها لم تحسم مبكرا النقاش حول أهداف الحرب النهائية وشروط التسوية السياسية.

طائرة تزويد وقود من طراز كيه سي- 135 ستراتوتانكر تابعة لسلاح الجو الأمريكي في مطار بن غوريون (غيتي)

وبينما كانت واشنطن تهدف إلى الحفاظ على استقلال أوكرانيا ومنع تصعيد مباشر مع روسيا والحفاظ على وحدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كانت لدى القيادة الأوكرانية أولويات أخرى، أبرزها استعادة الأراضي التي فقدتها.

أما في غزة، فتعتقد راند أن الولايات المتحدة فقدت فرصة مهمة للتأثير على مسار الحرب منذ بدايتها، إذ لم تضغط بشكل كاف على إسرائيل لوضع تصور واضح لمرحلة ما بعد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أو تحديد الشكل السياسي والأمني الذي سيحكم القطاع بعد انتهاء العمليات.

ومع استمرار الحرب، اتسعت الفجوة بين الهدف الأمريكي المتمثل في إيجاد ترتيبات سياسية مستقرة بعد الحرب، والهدف الإسرائيلي المتمثل في القضاء الكامل على حماس والاستعداد لإعادة السيطرة العسكرية على غزة.

مقاومة الضغط الأمريكي

وفي اليمن، تكرر النمط نفسه، إذ دعمت الولايات المتحدة التحالف بقيادة السعودية لسنوات، لكنها لم تستخدم نفوذها مبكرا لدفع الأطراف نحو معالجة الجذور السياسية للصراع، ومع مرور الوقت تراجعت فرص التسوية.

واشنطن، بسبب خشيتها من إضعاف حلفائها علنا، تتجنب أحيانا استخدام أدوات الضغط المتاحة لديها، وهو ما يؤدي إلى فقدان فرص مهمة لتغيير مسار الحروب

وتؤكد الكاتبة أن استمرار الحروب يؤدي أيضا إلى تراجع الدعم الداخلي الأمريكي، سواء بسبب الإرهاق من الصراعات الخارجية أو بسبب اعتراض الرأي العام على سلوك الحلفاء أثناء العمليات العسكرية.

ففي اليمن، أدى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير البنية التحتية إلى تراجع التأييد داخل الكونغرس للحملة العسكرية التي دعمتها واشنطن، وفي غزة، أدى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتدهور الوضع الإنساني إلى انخفاض كبير في التأييد الشعبي الأمريكي للعمليات الإسرائيلية، أما في أوكرانيا فقد ظهر التراجع بصورة أبطأ، لكنه برز مع تصاعد الجدل السياسي حول حجم المساعدات الأمريكية.

وتشير راند إلى أن الحلفاء أنفسهم ليسوا أطرافا سلبية في هذه المعادلة، بل يمتلكون أدوات تمكنهم من مقاومة الضغط الأمريكي، إذ استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علاقاته داخل الولايات المتحدة ووسائل الإعلام للتأثير على النقاش السياسي الأمريكي، كما نجح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في استخدام خطاب مباشر أمام الكونغرس والرأي العام للضغط من أجل الحصول على مزيد من الدعم العسكري.

وترى الباحثة أن واشنطن، بسبب خشيتها من إضعاف حلفائها علنا، تتجنب أحيانا استخدام أدوات الضغط المتاحة لديها، وهو ما يؤدي إلى فقدان فرص مهمة لتغيير مسار الحروب.

إسرائيل تتلقى دفعة جديدة من المساعدات العسكرية الأمريكية (الأناضول)

آليات مستقلة لمراجعة سلوك الحلفاء

وتقترح راند أن تعتمد واشنطن نهجا جديدا يقوم على توقيع اتفاقات واضحة مع الدول الحليفة تحدد أهداف الحرب، وخطط ما بعدها ومعايير النجاح، إضافة إلى ربط المساعدات الأمنية باحترام قوانين النزاعات المسلحة وحماية المدنيين.

إعلان

كما تدعو إلى إنشاء آليات مستقلة لمراجعة سلوك الحلفاء أثناء الحروب، تضم خبراء قانونيين وعسكريين، بحيث تكون قادرة على تقييم الانتهاكات المحتملة وتقديم توصيات بشأن استمرار أو تعديل الدعم الأمريكي.

وترى أيضا أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكتفي بالتفاوض مع حلفائها، بل يجب أن تنخرط مباشرة مع خصومهم، لأن إنهاء الحروب يتطلب غالبا التواصل مع جميع الأطراف، وليس فقط التأثير على الطرف الذي تدعمه واشنطن.

وفي ختام تحليلها، تؤكد راند أن الولايات المتحدة ستظل لاعبا رئيسيا في أزمات العالم، وأن العديد من الدول ستواصل الاعتماد عليها للحصول على السلاح والاستخبارات والدعم الدبلوماسي، لكنّ الحفاظ على النفوذ الأمريكي لن يعتمد فقط على حجم القوة التي تقدمها، بل على قدرتها على استخدام هذه القوة بذكاء منذ بداية الصراع.

فالدرس الأساسي -حسب المقال- هو أن الولايات المتحدة لا تفقد نفوذها لأنها تتدخل في حروب حلفائها، وإنما لأنها غالبا تتدخل دون إستراتيجية واضحة لإنهائها، وفي عالم تتزايد فيه الصراعات الطويلة، لا يقل امتلاك القدرة على إنهاء الحرب أهمية عن امتلاك القدرة على خوضها.

aljazeera.net