
أجمع عدد من أبرز الصحف الأمريكية التي تناولت فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان على أن النتيجة تتجاوز حدود سباق محلي على مقعد في مجلس الشيوخ، لتصبح اختبارا أوسع لمستقبل الحزب الديمقراطي، معرِّفة بالفائز وبعض مواقفه.
وتتقاطع تحليلات نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووول ستريت جورنال وغارديان وبوليتيكو حول ثلاثة محاور رئيسية: شخصية عبدول السيد، والطريقة التي صنع بها انتصاره، والدور المركزي الذي لعبته حرب إسرائيل على قطاع غزة في تشكيل هويته السياسية وفي الصراع داخل الحزب الديمقراطي.
وقدمت صحيفة وول ستريت جورنال صورة مركزة لعبدول السيد باعتباره شخصية غير تقليدية في السياسة الأمريكية، فهو ابن 41 عاما، ونشأ في منطقة ديترويت، وهو ابن لمهاجريْن مصرييْن، حصل على تعليم أكاديمي بارز من جامعة ميشيغان وجامعة كولومبيا وجامعة أكسفورد.
وتشير الصحيفة إلى أن عبدول السيد لم يأتِ من مسار سياسي تقليدي، فهو لم يشغل منصبا منتخبا من قبل، لكنه اكتسب خبرة من خلال عمله مسؤولا في مجال الصحة العامة، حيث تولى إعادة بناء إدارة الصحة في ديترويت بعد أزمة المدينة المالية، ثم عمل في إدارة الصحة والخدمات الإنسانية في مقاطعة واين.
وترى وول ستريت جورنال أن هذه الخلفية ساعدته على تقديم نفسه كمرشح يجمع بين الخبرة الأكاديمية والخطاب الشعبي، لكن بعض جوانب سيرته أثارت في الوقت نفسه جدلا، خصوصا استخدامه سابقا وصف "طبيب"، رغم عدم وجود سجل علني لممارسته الطب كطبيب مرخص.
حسب تحليل نيويورك تايمز، خاض عبدول السيد الانتخابات باعتبارها مواجهة بين جناحين داخل الحزب الديمقراطي، جناح المؤسسة التقليدية الذي دعم هايلي ستيفنز، والجناح التقدمي الذي رأى في عبد السيد ممثلا لحركة تغيير داخل الحزب.
إعلانكانت ستيفنز مدعومة من حاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر، وعدد من أعضاء الكونغرس، وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، في حين اعتمد عبدول السيد على قاعدة شعبية من الناخبين الشباب والليبراليين والنشطاء.
وتوضح غارديان أن النتيجة جاءت أكثر تعقيدا من مجرد انتصار واضح لليسار، إذ فاز عبدول السيد بفارق ضئيل للغاية بحصوله على نحو 48.5% مقابل 47.5% لستيفنز، مما يعني أن التيار التقدمي أثبت قدرته على المنافسة، لكنه لم يُثبت بعدُ أنه يمثل الأغلبية داخل الحزب.
وترى نيويورك تايمز -في تقرير مختلف عن الأول- أن أحد أسباب نجاح عبدول السيد كان قدرته على التواصل مع الناخبين بطريقة مختلفة عن منافسته، إذ اعتمد على خطابات جماهيرية حماسية، وحضور قوي في وسائل التواصل الاجتماعي.
وتشير الصحيفة إلى أن عبدول السيد تمكّن من تحويل رسائله السياسية إلى محتوى قابل للانتشار، بينما بدت حملة ستيفنز أكثر تقليدية وأقل قدرة على خلق حماس جماهيري.
واتفقت نيويورك تايمز وواشنطن بوست على أن عبدول السيد بنى حملته على فكرة أن الديمقراطيين بحاجة إلى خطاب اقتصادي أكثر حدة، ومن أبرز أفكاره: الرعاية الصحية الشاملة، وخفض تكاليف المعيشة، وزيادة الضرائب على الأثرياء، وتقليل نفوذ الشركات في السياسة، وتوسيع دور الحكومة في تقديم الخدمات الاجتماعية.
ويرى أنصاره أن هذا الخطاب يمكن أن يجذب الطبقة العاملة التي فقد الديمقراطيون جزءا منها خلال السنوات الأخيرة، في حين يرى خصومه أن هذه السياسات قد تكون بعيدة عن الناخبين المعتدلين.
وتتفق الصحف -التي تناولت السباق- على أن موقف عبدول السيد من إسرائيل كان أحد أبرز عناصر حملته وأكثرها إثارة للجدل، فقد جعل القضية الفلسطينية محورا انتخابيا، ولم يتعامل مع إسرائيل وغزة باعتبارها ملفا ثانويا، بل جعلها جزءا أساسيا من هويته السياسية، بحسب نيويورك تايمز.
وصف عبدول السيد الحرب الإسرائيلية على غزة بأنها "إبادة جماعية"، ودعا إلى وقف أو تقليص الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وانتقد الحكومة الإسرائيلية بشدة، وتبنى موقفا أكثر تشددا من معظم الديمقراطيين التقليديين.
وترى الصحيفة أن هذا الموقف ساعده على جذب الناخبين التقدميين والناشطين المؤيدين للفلسطينيين، لكنه وضعه أيضا في مواجهة مباشرة مع تيار واسع داخل الحزب الديمقراطي يدعم علاقة قوية مع إسرائيل.
وسلطت نيويورك تايمز الضوء على دور لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، التي دعمت هايلي ستيفنز وأنفقت عشرات الملايين من الدولارات لمساعدتها.
وترى الصحيفة أن فوز عبدول السيد -رغم هذا الإنفاق- يمثل ضربة رمزية لقدرة الجماعات المؤيدة لإسرائيل على التأثير في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية.
لكنها تشير أيضا إلى أن النتيجة لم تكن انتصارا ساحقا؛ إذ إن نصف الناخبين تقريبا اختاروا منافِسته التي تبنت موقفا أكثر تقليدية تجاه إسرائيل.
وربط تحليل واشنطن بوست بين فوز عبدول السيد والتحولات الأوسع داخل الحزب الديمقراطي، ورأى أن الرسالة الأساسية من ميشيغان هي أنه لم يعد ممكنا تجاهل التيار التقدمي أو التعامل معه كأقلية هامشية.
إعلانوتشير الصحيفة إلى أن نجاح عبدول السيد جاء رغم إنفاق ضخم ضد حملته، ورغم ارتفاع نسبة المشاركة، وهو ما يُثبت -وفق المقال- أن التيار التقدمي قادر على المنافسة في انتخابات كبيرة، وليس فقط في دوائر ديمقراطية آمنة.
وترى واشنطن بوست أن فوز عبدول السيد يحمل رسالة قوية لقيادات الحزب الديمقراطي، وهي أنه لم يعد هناك "أغلبية صامتة" قادرة تلقائيا على إنقاذ المؤسسة الحزبية من صعود اليسار.
وبحسب الصحيفة، فإن تأثير هذا الفوز قد يمتد إلى الانتخابات التمهيدية الرئاسية عام 2028، خصوصا أن ميشيغان ستكون من الولايات المبكرة في السباق.
أما غارديان فتقدم قراءة أكثر توازنا، إذ ترى أن صعود التيار التقدمي حقيقي لكنه ليس بلا حدود، لأن خسارة كوري بوش في ميزوري أمام مرشح أكثر اعتدالا تُظهر أن الناخبين الديمقراطيين لا يتحركون جميعا في اتجاه واحد.
أما بوليتيكو فتشير إلى أن الجمهوريين بدؤوا فورا في مهاجمة عبدول السيد بعد فوزه، معتبرين أن مواقفه اليسارية تمنحهم فرصة في الانتخابات العامة.
وقد هاجمه الرئيس دونالد ترمب ووصفه بأنه "شيوعي"، كما شكك في نزاهة التصويت في مقاطعة واين دون تقديم أدلة، وهي تصريحات تأتي ضمن خطاب متكرر من ترمب بشأن الانتخابات.
وتوضح بوليتيكو أن الجمهوريين سيحاولون التركيز على مواقفه من إسرائيل، وعلاقاته بشخصيات تقدمية مثيرة للجدل، ودعمه السابق لبعض مواقف إصلاح الشرطة، وبرنامجه الاقتصادي.
لكن الصحيفة تنقل أيضا عن بعض الجمهوريين اعترافهم بأن عبدول السيد يمتلك قاعدة شعبية حقيقية، وأن مهاجمته فقط باعتباره "اشتراكيا" قد لا تكون كافية.
وتقدم تغطية الصحف الخمس صورة متكاملة لفوز عبدول السيد، فتراه نيويورك تايمز اختبارا لقدرة اليسار الديمقراطي على الفوز في ولاية متأرجحة، وتعتبره واشنطن بوست دليلا على أن التيار التقدمي أصبح قوة لا يمكن تجاهلها داخل الحزب.
ومن جهتها ترسم وول ستريت جورنال ملامح شخصية عبدول السيد ومسيرته ومواقفه المثيرة للجدل، في حين تحسب غارديان أن صعود اليسار مستمر لكنه ليس مضمون النجاح دائما، أما بوليتيكو فتركز على المعركة المقبلة وهجمات الجمهوريين عليه.
وبذلك يصبح عبدول السيد أكثر من مجرد مرشح لمقعد في مجلس الشيوخ، فهو يمثل صراعا أوسع على مستقبل الحزب الديمقراطي: هل سيكون حزبا أكثر تقدمية وشعبوية أم سيعود إلى نهج أكثر اعتدالا لاستعادة الناخبين الوسطيين؟ وتبقى انتخابات نوفمبر/تشرين الأول الاختبار الحاسم لمعرفة ما إن كان خطاب عبد السيد قادرا على تجاوز القاعدة الديمقراطية المتحمسة والوصول إلى جمهور أوسع في ولاية حاسمة مثل ميشيغان.
aljazeera.net