
في مقال نشرته مجلة نيوزويك، يحذر الكاتب دان بيري من أن العالم يعيش لحظة خطرة تتقاطع فيها حروب وصراعات متعددة، ربما لا تبدو مترابطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها احتمالات تصعيد واسعة قد تقود إلى مواجهة دولية كبرى.
ويشير بيري إلى أن التاريخ لا يخبرنا دائما بأن الحروب العالمية تبدأ بقرار واضح من قوة عظمى، بل كثيرا ما تنشأ من سلسلة أزمات متراكمة، وسوء تقدير، وتحالفات متشابكة، وحوادث صغيرة تخرج عن السيطرة. ويرى أن المشهد الحالي يحمل بعض السمات التي سبقت اندلاع الحروب الكبرى في القرن العشرين.
ويضع الكاتب الحرب الروسية الأوكرانية في مقدمة مصادر القلق، باعتبارها أكبر مواجهة عسكرية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، فاستمرار القتال بين موسكو وكييف، وتزايد الدعم الغربي لأوكرانيا، واحتكاك روسيا المتكرر بحلف شمال الأطلسي (ناتو)، كلها عوامل تزيد مخاطر حدوث مواجهة مباشرة بين روسيا ودول أوروبية.
ويشير بيري إلى أن الحديث عن حرب محتملة بين روسيا وأوروبا لم يعد مجرد سيناريو بعيد، إذ تعمل دول أوروبية على إعادة بناء قدراتها الدفاعية، في حين تكثف موسكو خطابها العسكري وتعتبر توسع الناتو تهديدا مباشرا لأمنها. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، يبقى خطر سوء الحسابات قائما، خصوصا في المناطق القريبة من حدود الحلف وروسيا.
وفي الشرق الأوسط، يرى الكاتب أن الصراعات المتعددة تضيف طبقة أخرى من عدم الاستقرار. فالتوترات بين إسرائيل وإيران، والاضطرابات في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، خلقت شبكة معقدة من المواجهات غير المباشرة بين قوى إقليمية ودولية، وأي تصعيد كبير بين القوى الرئيسية في المنطقة يمكن أن يجر أطرافا أخرى إلى دائرة الصراع.
إعلانكما يتوقف بيري عند المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، خصوصا حول تايوان وبحر جنوب الصين والتكنولوجيا المتقدمة. ويقول إن أخطر سيناريو قد يواجه العالم هو تزامن أزمة في أوروبا مع أزمة في آسيا، بحيث تجد القوى الكبرى نفسها مضطرة إلى إدارة أكثر من جبهة في وقت واحد.
ويشير الكاتب إلى أن العالم لم يشهد منذ عقود مثل هذا العدد من نقاط الاحتكاك بين القوى الكبرى. فإلى جانب الحروب التقليدية، هناك صراعات في الفضاء الإلكتروني، وحروب معلومات، ومنافسة على الموارد والطاقة وسلاسل الإمداد، وهي عوامل تجعل طبيعة الحرب الحديثة أكثر تعقيدا من الحروب السابقة.
لكن بيري لا يؤكد أن حربا عالمية ثالثة باتت حتمية، بل يحذر من وهم الاعتقاد بأن القوى الكبرى ستكون دائما قادرة على احتواء الأزمات. فخلال الحرب الباردة، كان الخوف من الدمار النووي عاملا رادعا، لكن كثرة الأطراف المتنافسة اليوم ووجود قوى إقليمية مسلحة تجعل إدارة المخاطر أكثر صعوبة.
ويستحضر الكاتب تجربة الحرب العالمية الأولى، التي بدأت بأزمة محدودة عقب اغتيال ولي عهد النمسا، لكنها تحولت بسبب شبكة التحالفات إلى حرب شاملة غيرت شكل العالم. ويرى أن الدرس التاريخي الأهم هو أن الدول لا تختار دائما حجم الحروب التي تخوضها، فقد تبدأ المواجهة محدودة ثم تتوسع بفعل ردود الفعل المتبادلة.
وفي النهاية، يرى دان بيري أن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود صراع واحد كبير، بل في تزامن أزمات عديدة في وقت واحد، من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا. فالعالم، حسب تعبيره، يقف أمام مرحلة تتطلب قدرا استثنائيا من الدبلوماسية وضبط النفس، لأن تراكم الشرارات الصغيرة قد يؤدي إلى حريق أكبر مما يتوقع الجميع.
واعتبر أن شبح الحرب العالمية الثالثة لا يعني أن العالم يسير حتما نحو كارثة، لكنه يعكس حقيقة أن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية مضطربة، حيث تتراجع قواعد الردع القديمة، وتزداد المنافسة بين القوى الكبرى، وتصبح مهمة منع الانفجار العالمي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
aljazeera.net