
مع حلول فصل الصيف، يتحول الشاطئ إلى وجهة مفضلة لعشاق الرياضة، إذ يستغل كثيرون الإجازات لممارسة تمارين اللياقة أو الجري على الرمال، اعتقادا منهم بأن هذا السطح الطبيعي يتيح أداء تمرين أكثر فاعلية مقارنة بالأسطح الصلبة. وهذا الاعتقاد صحيح في جوهره، لكن السبب الحقيقي وراء ذلك لا يتعلق بجمال المكان أو نسيم البحر، وإنما بطبيعة الرمال نفسها، التي تغير بصورة جذرية طريقة عمل العضلات والمفاصل مع كل خطوة يخطوها الجسم.
فالرمال، خلافا للأسطح الصلبة مثل الأسفلت أو الأرض الحجرية أو مضمار الجري، ليست سطحا ثابتا يعيد إلى الجسم جزءا من الطاقة الناتجة عن ارتطام القدم بالأرض، بل هي أرض متحركة تمتص قدرا أكبر من هذه الطاقة، وتجبر العضلات على بذل جهد إضافي للحفاظ على التوازن ومواصلة الحركة.
لذلك، يمكن أن يكون الجري على الشاطئ وسيلة فعالة لزيادة شدة التمرين وتشغيل مجموعات عضلية بصورة أكبر، لكنه في الوقت نفسه يتطلب استعدادا جيدا وتدرجا حذرا، حتى لا تتحول فوائده المحتملة إلى إجهاد أو إصابات.
عند الجري على الأسفلت أو المضمار الرياضي، يوفر السطح الصلب قاعدة ثابتة تساعد الجسم على الاستفادة من جزء من الطاقة المتولدة مع كل خطوة. أما على الرمال، فتختلف المعادلة، إذ تتحرك الحبيبات تحت القدم وتمتص قدرا أكبر من الطاقة، مما يتطلب بذل قوة إضافية لدفع الجسم إلى الأمام.
هذا الاختلاف يجعل عضلات الساقين أكثر انخراطا في الحركة، لا سيما عضلة الربلة (السمانة) والعضلات الداعمة للكاحل والقدم. فبدلا من التركيز على الدفع فقط، تصبح هذه العضلات مسؤولة أيضا عن تثبيت القدم والتكيف باستمرار مع سطح يتغير مع كل خطوة.
ويضيف عدم استقرار الرمال تحديا آخر يتمثل في الحفاظ على التوازن، إذ يضطر الجسم إلى إجراء تعديلات سريعة ومتواصلة في حركة القدم والساق، للحفاظ على ثباته والتكيف مع تغير مستوى الرمال وتجنب الانزلاق.
لا يقتصر تأثير الجري أو المشي على الرمال على الشعور بالإجهاد بصورة أسرع، بل يتطلب أيضا استهلاكا أكبر للطاقة، إذ يبذل الجسم جهدا إضافيا للتعامل مع سطح رخو ومتغير باستمرار. ومع كل خطوة، تنشط العضلات المسؤولة عن تثبيت القدم والكاحل، إلى جانب عضلات الساقين والفخذين، للحفاظ على ثبات الجسم ودفعه إلى الأمام.
إعلانويشير الدكتور جوش غولدمان، اختصاصي الطب الرياضي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، في حديثه لصحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أن ممارسة الرياضة على الرمال تشغّل العضلات بطريقة تختلف عن الأسطح الصلبة والمستوية، مما يساعد على تقوية الجزء السفلي من الجسم وتحسين القدرة على التوازن.
ومن هنا، تتحول الرمال إلى ما يشبه "المقاومة الطبيعية"، فعدم ثباتها يزيد صعوبة الحركة ويجبر العضلات على بذل جهد أكبر. ولهذا يلجأ بعض الرياضيين والمدربين إلى التمارين الرملية لرفع شدة التدريب وتعزيز القوة العضلية والتحمل، من دون الحاجة إلى زيادة السرعة أو الاستعانة بأوزان إضافية.
قد تبدو الرمال خيارا أكثر راحة للمفاصل مقارنة بالأسفلت أو غيره من الأسطح الصلبة، بفضل طبيعتها اللينة التي تساعد على امتصاص جزء أكبر من الصدمة عند ملامسة القدم للأرض. لكن انخفاض قوة الارتطام لا يعني بالضرورة انخفاض خطر الإصابة، إذ يفرض السطح الرملي المتحرك نوعا مختلفا من الضغط على الجسم.
فمع غوص القدم وتحرك الرمال من تحتها، تضطر العضلات والأوتار المسؤولة عن تثبيت القدم والكاحل إلى بذل جهد إضافي للحفاظ على استقرار الجسم. ويزداد هذا العبء عند الجري على الرمال الناعمة، مما قد يرفع احتمالات الإجهاد أو الإصابة، خاصة لدى من لم يعتادوا التدريب عليها.
ويعد وتر أخيل والكاحل وباطن القدم من المناطق التي قد تتعرض لإجهاد أكبر، لا سيما عند الانتقال فجأة من الجري على الأسطح الصلبة إلى الرمال، أو البدء مباشرة بتمارين مرتفعة الشدة، مثل القفز والاندفاعات، من دون منح العضلات والأوتار وقتا كافيا للتكيف.
ولا تتعلق مخاطر الجري على الرمال بطبيعتها الرخوة وحدها، فكثير من الشواطئ تنحدر تدريجيا باتجاه البحر، مما يجعل الجسم يتحرك فوق سطح غير متساو، بحيث تكون إحدى القدمين أعلى من الأخرى. وقد يبدو هذا الفارق طفيفا، لكنه يصبح أكثر أهمية مع استمرار الجري لمسافات طويلة.
فالميل المستمر يغيّر طريقة توزيع الحمل بين جانبي الجسم، ويجبر الساقين والوركين على العمل بصورة غير متكافئة. ومع تكرار التدريب، قد يؤدي ذلك إلى إجهاد بعض العضلات والمفاصل وظهور آلام في مناطق مثل الركبتين والوركين وأسفل الظهر.
ويحذر الدكتور مايكل تشيكوتي، جراح العظام واختصاصي الطب الرياضي ورئيس معهد روثمان لتقويم العظام في فيلادلفيا، من أن الجري على الشواطئ المائلة قد يزيد خطر الإصابة نتيجة عدم تساوي القوى الواقعة على القدمين والكاحلين والركبتين والوركين. لذلك، يُفضل اختيار الأجزاء الأكثر استواء من الشاطئ، أو تغيير اتجاه الجري بانتظام حتى لا يتحمل جانب واحد من الجسم العبء الأكبر طوال فترة التمرين.
التدرج هو القاعدة الأهم عند بدء التدريب على الرمال، إذ يحتاج الجسم إلى وقت للتكيف مع سطح يفرض جهدا أكبر على العضلات والأوتار. لذلك، يفضل البدء بالمشي السريع أو الجري الخفيف لفترات قصيرة، ثم زيادة مدة التمرين وشدته تدريجيا.
وللمبتدئين، تعد الرمال المبللة القريبة من الماء خيارا أفضل، لأنها أكثر تماسكا من الرمال الجافة. كما يفضل تأجيل التمارين عالية الشدة، مثل القفز والانطلاقات السريعة، حتى يعتاد الجسم على السطح الجديد.
إعلانويجب التوقف عند الشعور بألم في القدم أو الكاحل أو وتر أخيل أو الركبة، بينما يُنصح من لديهم إصابات سابقة باستشارة الطبيب أو اختصاصي العلاج الطبيعي قبل بدء التدريب على الرمال.
يمكن أن يكون المشي أو الجري على الرمال وسيلة جيدة لتنويع التمارين وتقوية الجزء السفلي من الجسم وتحسين التوازن والثبات، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلا دائما عن التدريب على الأسطح الأخرى.
فالرمال بيئة تدريبية مختلفة لها فوائدها وتحدياتها، ومع التدرج واختيار السطح المناسب، يمكن أن تتحول نزهة صيفية على الشاطئ إلى تمرين فعال وممتع بأقل قدر ممكن من مخاطر الإصابة.
aljazeera.net