سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

من بورتسودان إلى نيالا: دولة تبنى بالجثث لا بالمؤسسات..

من «بورتسودان» إلى «نيالا»: دولة تُبنى بالجثث لا بالمؤسسات..!!‏

خالد أبوأحمد

أقف كثيرا متأملا تصريحات قادة (الكيزان) و(مليشيا الدعم السريع) التي يملؤون بها الفضاء ‏الإعلامي فصاحة معتقدين أن ممارساتهم التي يمارسونها الآن سواء في دواوين (الحكومة) في ‏بورتسودان ونيالا أو في ميادين القتال وفي القنوات الفضائية وفي وسائل التواصل الاجتماعي أنها ‏تؤسس لدولة بمفهوم الدولة الذي نعرفه ونعيشه في البلدان المحترمة التي نقيم فيها، دولة تحترم ‏الجميع بمختلف مكوناتهم وسحناتهم وثقافاتهم وأديانهم وآراءهم السياسية والفكرية ما يشير إلى أن من ‏يعمل تحت لواء هاتيك الجهتين يجري وراء مصالح ذاتية بحتة ليس لها أي علاقة بخدمة الوطن ‏وانسانه.‏

أعتقد جازما أن مفهوم الدولة في نظرهم غير صحيح ألبتة، ولا يستقيم مع موجات القتل وشن ‏الحروب وصناعة المكايدات، حتى لا يستقيم هذا العمل مع موجات التصفيات الجسدية داخل مكونات ‏‏(الكيزان) و(الدعم السريع) التي تأسست عليها طموحاتهم وليس أفكارهم، نعم من السهل تأسيس دولة ‏الدمار والقتل والانتقام، والكذب والسرقة ونشر الكراهية والعنصرية والموبقات كما هي هذه ‏الحكومات، لكن غير ممكن أبدا مثل هذه الدولة أن تصنع سلاما وأمنا للجميع، ولا يمكن أن تكون ‏دولة في مصاف دول العالم تتقدم وتتطور اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، ويكون لها شأن ‏ومساهمة معتبرة في صناعة الحياة كما هي دول العالم المتقدم.‏

التاريخ يعلمنا أن الطغاة في كل العصور استخدموا ذات الخطاب الذي يستخدمه اليوم قادة (الكيزان) ‏و(الدعم السريع) فهتلر حين أشعل حربه العالمية كان يتحدث عن أمة عظيمة، وحدود طبيعية ومصير ‏تاريخي، بينما كانت جيوشه تسحق الشعوب وتبيد الملايين، وستالين حين ملأ سيبيريا بمعسكرات ‏الاعتقال كان يتحدث عن دولة العمال والفلاحين، بينما كان يقتل رفاق دربه ويجوّع الملايين في ‏أوكرانيا، وعيدي أمين في أوغندا كان يتوّج نفسه سيدا لكل مخلوقات البر والبحر، بينما جثث ‏خصومه تملأ نهر النيل، هذه النماذج جميعا تشترك في سمة واحدة وهي أن الطاغية حين يفقد ‏شرعيته الحقيقية يستعيض عنها بخطاب مضخم عن الدولة والأمة، والمصير بينما الفعل على الأرض ‏نقيض كل ذلك. ‏

‏المدارس بدل الثكنات

أما مفهوم الدولة الطبيعية الذي نعيشه في البلدان المحترمة فهو أبسط بكثير مما يحاول هؤلاء تعقيده، ‏الدولة في جوهرها عقد اجتماعي بين حاكم ومحكوم يقوم على القانون، لا على السلاح وعلى ‏المؤسسات لا على الأشخاص، وعلى المحاسبة لا على الإفلات من العقاب، هي دولة يشعر فيها ‏المواطن أن حياته وكرامته وممتلكاته محمية بصرف النظر عن انتمائه القبلي، أو الديني أو السياسي، ‏هي دولة تبني المدارس بدل الثكنات وتفتح المستشفيات بدل السجون، وتصرف على التنمية بدل ‏الحروب وحين تختلف الآراء فيها تحتكم إلى صناديق الاقتراع لا إلى فوهات البنادق.‏

هذا الفرق تحديدا هو ما يفضح خطاب (الكيزان) و(الدعم السريع)، فمن يبني سلطته على جثث ‏مواطنيه ويصادر أرزاقهم ويشرد ملايينهم من ديارهم، لا يمكن أن يكون بانيا لدولة بأي معيار من ‏معايير العلم السياسي أو التاريخ الإنساني، إنه فقط يعيد إنتاج ذات النموذج الذي أنتجته كل الأنظمة ‏الفاشية عبر التاريخ، نموذج يقدم القوة على الحق والانتقام على العدالة، والولاء الشخصي على ‏المصلحة العامة، وهو نموذج محكوم عليه بالسقوط عاجلا أو آجلا كما سقطت كل النماذج التي ‏سبقته.‏

وما يفضح زيف هذين النموذجين في السودان أكثر هو ما يجري داخل صفوفهما من تصفيات جسدية ‏متبادلة، فقادة (الكيزان) أنفسهم يتقاتلون على المناصب والغنائم منذ سقوط نظامهم البائد، وبعضهم ‏صفّى بعضا في معارك نفوذ داخلية لا علاقة لها بأي مشروع وطني، وقادة (الدعم السريع) كذلك ‏تناسلت بينهم الخلافات والاغتيالات والانشقاقات، فمنذ متى كانت جماعة تقتل أبناءها هي بناة ‏دولة..؟، إن من يعجز عن حماية صفه الداخلي من سطوة السلاح والانتقام لا يمكن أن يُؤتمن على ‏مصير شعب بأكمله، وهذا التناقض بالذات هو الدليل الأقوى على أن ما يحرك هذين الطرفين ليس ‏مشروعا للدولة، بل طموحات شخصية عمياء لا تقيم وزنا لا للمنطق ولا للواقع ولا لمصلحة الوطن.‏

‏استهداف الأسواق الشعبية في دارفور

ومن النماذج على خبل وشطط النموذج السوداني في فهم الدولة أن الأسواق الشعبية في ولايات غرب ‏السودان عامة وفي مدن ومناطق دارفور على وجه الخصوص تتعرض لهجمات جوية متكررة ‏تستهدف أسواقا تكتظ بالبائعين والمشترين، من الصغار والكبار، والرجال والنساء فيروح ضحية هذه ‏الهجمات المئات من المواطنين الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الصراع العبثي، والمواطن ‏الأعزل يظل دائما هو الضحية، بينما الأطراف المتقاتلة تدير حروبها من بعيد وترسل طائراتها ‏المسيرة التي لا تفرق بين مقاتل ومدني ولا تصيب في الغالب إلا الآمنين في أسواقهم وبيوتهم ‏ومدارسهم.‏

إن قتل المواطنين في الأسواق الشعبية وحده كاف لإسقاط كل ادعاءات الطرفين ببناء دولة، فأي دولة ‏هذه التي تقتل سوقا مكتظا بالفقراء الباحثين عن قوت يومهم، أي مشروع وطني هذا الذي يجعل من ‏دم المواطن الأعزل وقودا رخيصا لحرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وإن استمرار قتل المواطنين ‏الأبرياء بهذه الطريقة وعلى هذا النحو المتكرر، يؤكد أن (مفهوم الدولة) عند هؤلاء المتشبثين ‏بكراسي الحُكم هنا وهناك، والمتصارعين فيما بينهم على النفوذ والغنائم لا يعدو أن يكون وهما زائفا، ‏فمن يستبيح دم الآمنين بهذا الشكل غير جدير بقيادة الناس، بل هو جدير بالمثول أمام محاكمات ناجزة ‏تقتص له من ضحاياه وتردعه عن الاستمرار في نهجه الإجرامي.‏

وعندما ننظر للنموذج في المقابل أقول وبكل الأمانة والصدق يقف خطاب الدكتور عبدالله حمدوك ‏وتحالف (صمود) على طرف نقيض تماما فهو خطاب عقلاني هادئ لا يتاجر بآلام الناس ولا ‏يستجدي عواطفهم، يختلف الناس معهم أو يتفقوا فهو خطاب يخاطب عقولهم ويحترم آدميتهم، ويطرح ‏رؤية سياسية تقوم على الحوار والتفاوض، وفي السنوات الأخيرة قد أسست (صمود) دبلوماسية ‏حقيقية نالت احترام وتقدير إقليمي وعالمي، ذلك لأن رؤيتها تتعلق ببناء دولة مدنية ديمقراطية تتسع ‏للجميع دون إقصاء أو تخوين، وهذا الفارق الجوهري بين خطاب يبني، وخطاب يهدم هو ما يجب أن ‏يدركه كل سوداني، اليوم فالفرق ليس في الشعارات بل في الممارسة وفي احترام كرامة الإنسان قبل ‏كل شيء.‏

إن الشعب السوداني بعد كل هذا التيه الطويل الذي امتد عقودا لم يعد بحاجة إلى وعود فضفاضة أو ‏خطابات نارية، بل هو بحاجة ماسة إلى واقع جديد يعيد له كرامته المهدورة، ويؤسس لدولة القانون ‏والمؤسسات، دولة تصون حرية الإنسان في أن يعيش وأن يعبر، وأن يختار دون خوف من بندقية أو ‏سجن، ودولة تقيم العدالة بين مواطنيها جميعا بلا تمييز عرقي أو جهوي أو ديني، ودولة تصنع سلاما ‏حقيقيا لا سلام الأقوياء على حساب الضعفاء، بل سلاما ينهي دورة العنف التي استنزفت البلاد منذ ‏الاستقلال.‏

إن الإنسان السوداني يجب أن يعيش في واقع يحترم جسده، وعقله وكرامته، فلا يتعرض لاعتداء ‏جسدي ولا لإهانة لفظية في وسائل الإعلام او في أقسام الشرطة أو جهاز الأمن، ولا لتشويه ممنهج ‏في منصات التواصل الاجتماعي، فالدولة التي لا تحمي مواطنها من هذه الأشكال جميعا لا تستحق أن ‏تُسمى دولة، مهما رفعت من شعارات، ومهما ادعت من إنجازات، فالحضارة الحقيقية تُقاس بمدى ‏احترامها للإنسان الفرد قبل أن تُقاس بعدد القصور والأسلحة والجيوش.‏

‏البندقية والخطاب المزيف

وفي الختام أقول للسودانيين جميعا إن هذه اللحظة التاريخية القاسية التي يعيشها الوطن ليست نهاية ‏الطريق، بل محطة اختبار لوعي شعب عريق عرف الحضارة قبل غيره، وقاوم الاستبداد مرارا ودفع ‏ثمن حريته غاليا فلا (الكيزان) ببندقيتهم وخطابهم المزيف المضلل، ولا (الدعم السريع) ببندقيتهم ‏وخطابهم الأعمى يملكان مشروعا لدولة تليق بتضحيات هذا الشعب، وتاريخه العريق وحده الوعي ‏الجمعي القادر على تمييز خطاب البناء من خطاب الهدم، وخطاب العقل من خطاب الغريزة هو من ‏سيقود السودان إلى بر الأمان

إن السودان يستحق دولة تُبنى بسواعد أبنائه لا بجثثهم، دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون بصرف ‏النظر عن قبيلتهم، أو دينهم أو جهتهم، دولة تصون كرامة الإنسان قبل أن تصون كرسي الحاكم، إن ‏السودانيون يدركون تمام الإدراك هذا التحدي الكبير لذلك هم يقفون ويساندون المشروع الوطني ‏العقلاني من أجل عهد جديد يليق بتاريخ هذا الشعب، وتضحياته الجسيمة عبر عقود من الألم والصبر.‏

نهار الجمعة 7 أغسطس 2026م

altaghyeer.info