
في اجتماع عقد منذ أيام قليلة في مدينة العلمين المصرية، بدعوة من وفد حركة «حماس»، للفصائل الفلسطينية، لوضعها في صورة الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الوسطاء و«مجلس السلام» بشأن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، لم تتوانَ شخصية بارزة في أحد الفصائل عن القول إنه كان بالإمكان إنجاز هذا الاتفاق قبل شهرين، أو أكثر، وكان يمكن تقليل الخسائر البشرية والمادية أكثر.
هذه الكلمات أطلقها نائب أمين عام أحد الفصائل التي باتت في السنوات الأخيرة مقربة من «حماس»، كما يكشف مصدران حضرا الاجتماع لـ«الشرق الأوسط»، وكانت تتردد جمل مثلها في اجتماعات ولقاءات سابقة عقدت في الأشهر الأخيرة من قيادات أخرى ممن كانوا في حالة عداء مع الحركة لسنوات، قبل أن يصبحوا جزءاً أساسياً من حل مشكلات قطاع.

خريطة الطريق
بعد منتصف أبريل (نيسان) الماضي، تسلم الوفد المفاوض من حركة «حماس» خريطة طريق للمرحلة الثانية، من قبل الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، خلال اجتماع بالقاهرة حضره ممثل عن الإدارة الأميركية، وعن قوة الاستقرار الدولية التي ستنتشر في قطاع غزة، ضمن خطوات المرحلة الجديدة.
بعد سلسلة من اللقاءات والاجتماعات، وما بين شد وجذب في ردود متبادلة ما بين تعديلات من «حماس» ورفض إسرائيل، وما بينهما من مواقف «مجلس السلام» والإدارة الأميركية، ومرور أشهر من المفاوضات الشاقة... منذ ذلك التاريخ، وحتى الحادي والثلاثين من يوليو (تموز) الماضي، حين أعلن من قبل الحركة الفلسطينية والمجلس، وكذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن التوصل لاتفاق بشأن المرحلة الثانية، فيما فقد قطاع غزة أعداداً كبيرة من الضحايا، واستمر ذلك حتى الثاني من أغسطس (آب) الجاري الذي شهد عمليات قتل متتالية أدت لمقتل أكثر من 19 فلسطينياً في يوم واحد.
ونجح لاحقاً «مجلس السلام» بضغط أميركي في إلزام إسرائيل بوقف غاراتها مؤقتاً داخل قطاع غزة.

وفي خضم التعديلات والاشتراطات، تشير إحصائيات وزارة الصحة بغزة إلى أنه خلال مايو (أيار) قتل أكثر من 119 فلسطينياً. وأظهرت البيانات أن النساء والأطفال وكبار السن شكلوا 30 في المائة من إجمالي الضحايا، حيث بلغ عدد الأطفال 19 (16 في المائة)، فيما قتلت 10 سيدات (8.5 في المائة) خلال الشهر نفسه.
وفي شهر يوليو الماضي، سجل الرقم الأعلى منذ بداية العام الجاري، بمقتل 152، من بينهم 21 طفلاً، و14 سيدة، و4 من كبار السن.
يقول مصدر فصائلي لـ«الشرق الأوسط»، كان حاضراً في المفاوضات واجتماع الفصائل الأخيرة بالقاهرة، إن ما أدلى به المسؤول البارز خلال الاجتماع كان يشير إلى هذا الوضع تماماً، وهو عمليات الاغتيال والقتل الكبيرة التي كانت تمارسها إسرائيل للضغط على «المقاومة» لتسليم سلاحها، وأن ما تم التوافق عليه في الجلسات الأخيرة مع الوسطاء و«مجلس السلام» كان تماماً هو نفسه الذي تم عرضه سابقاً من دون أي تغييرات.
يوضح المصدر أن الخلاف الوحيد هو الضمان الأميركي الذي نقل إلى «حماس» والفصائل وكذلك الوسطاء بإلزام إسرائيل بوقف عملياتها، وتطبيق ما تبقى من المرحلة الأولى، والدخول في الثانية، وحصر السلاح ضمن آلية سيتم التوافق عليها.
وعلى الرغم من الضغوط الأميركية، فإن إسرائيل هي الأخرى ما زالت تماطل في الموافقة النهائية، كما فعلت في العديد من المرات، ما يشير إلى عوائق كثيرة واجهت كل هدنة كان يحاول الوسطاء وكذلك الإدارة الأميركية الحالية والسابقة التوصل إليها على مدار نحو 3 أعوام من الحرب التي رغم إعلان توقفها فإنها ما زالت دائرة بأشكال متعددة ما بين اغتيالات، وقتل، وتدمير للمنازل، وتلاعب بكميات المساعدات الإنسانية، وغيرها.
لوم وعتاب
تجمع مصادر على أن العديد من الفرص لم تستغل، وأن ما تم التوصل إليه مؤخراً يمكن القول إنه أسوأ ما عرض على الفصائل الفلسطينية، ولم يعد هناك خيار سوى القبول به.

وقال أحد المصادر من الفصائل: «كان من الممكن التوصل لاتفاق قبل احتلال إسرائيل لرفح، من خلال تقديم التنازلات التي تم تقديمها حالياً، والتي هي أسوأ بكثير من السابق، لكن أيضاً لا يمكن أن ننسى أن حكومة الاحتلال كانت هي الأخرى تعرقل ذلك».
وأوضح المصدر أنه لا يتهم «حماس» بالعرقلة، ولكن إنه كان بإمكانها تحقيق الأفضل.
فيما رد مصدر قيادي من «حماس» بالقول: «كنا نحاول تحقيق أفضل ما يمكن لصالح شعبنا، لكن تواطؤ العالم مع إسرائيل، وتجاهله لحرب الإبادة، دفعنا للقبول بما هو مطروح حالياً رغم أنه قاسٍ بحقنا، ولم نتجرعه، لكن لا خيارات أمامنا سوى القبول به».
ويؤكد المصدر أن العديد من الحالات التي كان فيه معدوماً التواصل أو كان صعباً للغاية مع قيادات الحركة بغزة، وكذلك قيادات «كتائب القسام»، كل ذلك أدى لتأجيل الرد على ما كان يقدم من الوسطاء، الأمر الذي كانت تستغله إسرائيل لإفشال أي اتفاق، كما أن بعض ما كان يقدم لم يكن في صالح الشعب الفلسطيني، وإنما كان يهدف لتشديد الخناق عليه، وعلى الفصائل، مشيراً إلى أن إسرائيل هي من تتحمل المسؤولية الأولى عن إفشال جميع ما كان يطرح.

وأقر في الأيام الأخيرة غازي حمد، عضو الوفد المفاوض من «حماس»، بأن المفاوضات كانت شاقة وصعبة، مؤكداً أنه ليس راضياً عن الاتفاق، وكانت حركته تطمح للأفضل من ذلك لخلق أجواء ملائمة للفلسطينيين.
هدن سابقة
ومنذ بداية الحرب، كانت هناك العديد من المبادرات والمقترحات التي قدمت لحركة «حماس» وإسرائيل، بهدف محاولة التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، حيث تم التوصل لاتفاق مؤقت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، برعاية قطر، شمل تبادلاً للأسرى، ودخول شاحنات مساعدات ووقود للقطاع، واستمر العمل به نحو 7 أيام قبل أن تستأنف الحرب.
كما تم في يناير (كانون الثاني) 2024 تقديم مقترح من مصر وقطر والولايات المتحدة في اجتماع عقد بباريس، للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 4 أشهر مقابل تبادل أسرى، إلا أن الحكومة الإسرائيلية عارضته فوراً.
وأعقب ذلك لعدة أشهر جلسات تفاوض في القاهرة والدوحة، من دون أن تتكلل بنجاح، فيما عرضت «حماس» في مارس (آذار) وأبريل 2024 عدة مقترحات تقريبية مع الوسطاء، وأبلغتهم بالموافقة عليها، فيما رفضتها إسرائيل التي قامت في بداية مايو باقتحام مدينة رفح.
وفي السابع والعشرين من مايو قدمت إسرائيل مقترحاً يتعلق بالهدوء المستدام وتبادل الأسرى، والسماح بعودة النازحين إلى شمال القطاع بعد تفتيشهم، والبقاء في محور فيلادلفيا، وهو أمر رفضته «حماس».
ونهاية ذلك الشهر قدم الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، مقترحاً يتم تنفيذه على 3 مراحل، شملت الانسحاب من القطاع، وتبادل الأسرى، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، وتعاملت «حماس» معه إيجابياً بإجراء تعديلات، عبرت إدارة بايدن عن رفضها لاحقاً لها، فيما رفضته حكومة بنيامين نتنياهو، وأصرت على الاستمرار في عملياتها برفح الواقعة أقصى جنوب قطاع غزة، على الحدود مع مصر.

وفي يونيو (حزيران) من نفس العام، اعتمد مجلس الأمن القرار 2735 الذي دعم مقترح بايدن بشأن غزة، ودعا إلى تنفيذه على ثلاث مراحل، فيما أعلنت حركة «حماس» قبولها «المبدئي» بالقرار في حينه، فيما تعاملت حكومة نتنياهو بشكل انتقائي مع ما ورد في بنود القرار، ورفضت تطبيقه كاملاً.
واستمرت محاولات الوسطاء والإدارة الأميركية، في تقريب وجهات النظر، إلا أن تعنت «حماس» وإسرائيل، عند شروطهما، أفقد المفاوضات زخمها ودفع بعض الدول الوسيطة لإعلان تعليق الوساطة، قبل أن تستأنفها لاحقاً.
ومع دخول إدارة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني)، جرى تحقيق تقدم في المفاوضات، وتم التوصل لاتفاق يتم من خلاله وقف إطلاق النار، وبدء انسحاب إسرائيلي تدريجي، وضمان تبادل الأسرى، وإعادة إعمار القطاع، ضمن خريطة طريق واضحة لتنفيذ كل المراحل المتعلقة بذلك، وفي التاسع عشر من الشهر تم تنفيذ الاتفاق وبدأت عمليات تبادل الأسرى وعودة النازحين من جنوب القطاع إلى شماله، وانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من بعض المناطق المتفق عليها.
واستأنفت إسرائيل الحرب على قطاع غزة في الثامن عشر من مارس الماضي، وقتلت في ليلة واحدة أكثر من 120 فلسطينياً، وذلك بعد أيام من إغلاقها للمعابر، وإعادة احتلالها للجزء الشرقي من محور نتساريم بشكل مفاجئ، وذلك في أعقاب تنصل حكومة نتنياهو مع الانتقال لمرحلة حسم إنهاء الحرب بشكل كامل، وتمديد مرحلة تبادل الأسرى الأمر الذي رفضته «حماس».
وبعد جولات من المفاوضات، توصل الوسطاء من مصر وقطر وتركيا ودعم أميركي لاتفاق في نهاية سبتمبر (أيلول) وبدايات أكتوبر 2025، ضمن ما عرف بخطة الرئيس ترمب المكونة من 20 بنداً لتنفيذ مراحلها، والتي تشمل إنهاء الحرب بشكل كامل، وتم خلالها تبادل الأسرى، وبدء انسحاب إسرائيلي تدريجي ضمن خطط متفق عليها، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، وغيرها، إلا أن إسرائيل خلالها مارست العديد من الانتهاكات، وتنفيذ اغتيالات بحجج عدة.

وفي أعقاب ذلك بأشهر، عاد الوسطاء لمحاولة تقريب وجهات النظر بهدف الانتقال للمرحلة الثانية، وضمان تنفيذ ما تبقى من الأولى بدعم من «مجلس السلام» الذي نصت عليه خطة ترمب لتشكيله، ودعم الاتفاق بغزة، وبدء عهد جديد فيها يضمن نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، والذي تم التوصل إليه مؤخراً لاتفاق بهدف حصره.
وما بين تلك الهدن التي فشل بعضها ونجح بعضها، قتل الآلاف من الفلسطينيين، وبلغ عددهم منذ السابع من أكتوبر 2023، وحتى الآن إلى أكثر من 73384، وأكثر من 174 ألف إصابة، فيما لحق الدمار بمناطق واسعة من القطاع.
aawsat.com