الهيمنة العسكرية على الاقتصاد السوداني ونظرية هنتنغتون
عمر سيد أحمد
في عام 1957، وفي خضم الحرب الباردة وعلى وقع التوتر الحاد بين الرئيس هاري ترومان والجنرال دوغلاس ماكارثر، أصدر عالم السياسة الأمريكي صموئيل هنتنغتون كتابه «الجندي والدولة» (The Soldier and the State) عن دار نشر جامعة هارفارد. كان السؤال الذي شغل الكتاب مباشرًا وملحًا: كيف يمكن لمجتمع ديمقراطي أن يضمن سيطرته المدنية على جيشه، دون أن يفرّط في كفاءة هذا الجيش وقدرته على الدفاع عن الأمن القومي؟ الإجابة التي قدّمها هنتنغتون – نظرية “السيطرة المدنية الموضوعية” – أصبحت منذ ذلك الحين واحدة من أكثر الأطروحات تأثيرًا في حقل العلاقات المدنية-العسكرية، ولا يخلو نقاش أكاديمي في هذا المجال من الرجوع إليها، اتفاقًا أو اختلافًا.
يرى هنتنغتون أن المؤسسة العسكرية تتشكل من صيغتين متداخلتين: صيغة وظيفية تنبع من طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجهها الدولة، وصيغة مجتمعية تتشكل من القيم والأيديولوجيات السائدة في المجتمع. والمشكلة، كما يطرحها، أن مؤسسة عسكرية تعكس القيم المجتمعية فقط قد تعجز عن أداء مهمتها الوظيفية بكفاءة، بينما مؤسسة وظيفية بحتة قد يصعب على المجتمع المدني احتواؤها والسيطرة عليها. من هذا التوتر، بنى هنتنغتون نظريته.
تقوم الفكرة المركزية للكتاب على أن أفضل ضمانة للسيطرة المدنية على الجيش ليست إضعافه أو تمدينه، بل تعظيم احترافيته وفصله عن المجال السياسي. يشبّه هنتنغتون الضابط المحترف بالمحامي أو رجل الدين: فهو يمتلك خبرة متخصصة، ومسؤولية تجاه المجتمع ككل، وإحساسًا بهوية جماعية تستبعد التدخل الخارجي في شؤونه التقنية. في المقابل، يميّز هنتنغتون بوضوح بين نموذجين: “السيطرة الموضوعية” التي تعني اعتراف السلطة المدنية باستقلالية الجيش المهنية مقابل بقائه أداة محايدة تنفّذ ما تقرره القيادة السياسية؛ و”السيطرة الذاتية” التي تعني إخضاع الجيش مباشرة للقيم والمؤسسات المدنية، فيتحول بذلك إلى طرف في الصراع السياسي بدل أن يكون أداة محايدة له. وهو يرفض هذا النموذج الثاني بشدة، معتبرًا أن غياب السيطرة الموضوعية في الحالة الأمريكية إبان الخمسينيات كان يهدد بتسييس الجيش من الداخل.
يذهب هنتنغتون أبعد من ذلك في وصف ما يسميه “العقلية العسكرية” (Military Mind)، التي يراها نتاجًا طبيعيًا للطبيعة الوظيفية للمهنة العسكرية لا مجرد انعكاس لقيم المجتمع. هذه العقلية، بحسب تحليله، تتسم بواقعية محافظة: نظرة متشككة إلى الطبيعة البشرية، وإيمان بأولوية النظام والانضباط، وتقدير للقوة كعنصر أساسي في العلاقات الإنسانية – وهي سمات تتقاطع مع الفلسفة المحافظة كما عند إدموند بيرك، لا مع الليبرالية التي تعلي من شأن الفردية والحرية غير المقيدة. لكن هنتنغتون لا يدعو الجيش إلى تبني المحافظة كأيديولوجيا سياسية، بل يقترح ما يسميه “المحافظة الظرفية” كمنهج عملي لضمان الأمن القومي مع الحفاظ على الاحترافية.
المشكلة أن هذا النموذج بُني على افتراض مسبق: وجود مؤسسة عسكرية ذات مهمة وظيفية محددة (الدفاع عن الحدود)، ودولة مدنية تملك بالفعل مقاليد الاقتصاد والسياسة لتمنحها للجيش أو تحجبها عنه. في السودان، هذا الافتراض غير قائم أصلًا. فالمؤسسة العسكرية والأمنية السودانية لم تكن يومًا “أداة محايدة” تنتظر تفويضًا من سلطة مدنية؛ بل كانت هي نفسها الفاعل الاقتصادي والسياسي الأكبر، بل والمالك الفعلي لجزء ضخم من الدولة ومواردها، منذ سلسلة الانقلابات التي شكّلت تاريخها الحديث: انقلاب 1958، ثم انقلاب مايو 1969 الذي أسس لعقود من الحكم العسكري المباشر، وصولًا إلى انقلاب يونيو 1989 الذي دشّن التحالف الأعمق بين المؤسسة العسكرية وحركة الإخوان المسلمين.
وإذا عدنا إلى جذور هذه الهيمنة، فمنذ منتصف الثمانينيات بدأت القوات المسلحة السودانية تأسيس شركات في الزراعة والتعدين والنقل والبناء والتجارة الدولية، لتتحول تدريجيًا إلى فاعل اقتصادي مستقل عن الحكومة المدنية نفسها. وبحلول 2019، قدّرت تقارير رسمية أن الشركات العسكرية كانت تسيطر على ما بين 10 و15% من النشاط الاقتصادي المباشر في السودان، في قطاعات حيوية كالإسمنت والمزارع الكبرى ومشاريع البنية التحتية.
توسّع هذا النفوذ عبر عشرات الكيانات: من “جِياد” للصناعات الهندسية والسيارات، إلى “شيكان” للتأمين، و”الخرطوم للتجارة والملاحة”، وبنك “أمدرمان الوطني”، وصولًا إلى تجارة الدقيق والدواجن واللحوم. ومنحها القانون امتيازات استثنائية: أقر البرلمان السوداني عام 2017 مرسومًا حوّل “هيئة التصنيع الحربي” إلى منظومة “الصناعات الدفاعية”، بما مكّنها من التوسع في أنشطة مدنية بحتة مع إعفاءات جمركية وضريبية، وربطها المباشر برئاسة الجمهورية بعيدًا عن أي رقابة برلمانية أو مالية عادية.
لكن حجم هذه الهيمنة كان أكبر بكثير مما توحي به الأرقام الرسمية المتداولة. فالاقتصاد الموازي في السودان كان يدير، قبل 2019، ما يزيد عن 85% من الاقتصاد الكلي، وكانت المنظومة العسكرية-الأمنية-المليشياوية (الجيش وأجهزة الأمن والمليشيات) هي التي تدير الجزء الأكبر من هذا الاقتصاد الموازي، بينما اقتصر الباقي على أنشطة كتجارة العملة والعقارات، أدارتها طبقة طفيلية من كوادر التنظيم الإسلامي وداعميه. وبلغ اتساع هذا الاقتصاد غير الرسمي حدًا جعل نحو 95% من الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي لعقود متتالية، ووصل هذا الاتساع إلى ذروته عام 2019.
هذا التغلغل التاريخي، إلى جانب الدور الأيديولوجي الذي لعبه تحالف الجيش مع حركة الإخوان المسلمين منذ انقلاب 1989 – حين استُخدمت المؤسسة العسكرية كأداة لتمكين مشروع سياسي-اقتصادي بعينه لا لحماية حياد الدولة – أنتج بنية هجينة يستحيل تفكيك السياسي فيها عن الاقتصادي عن العقائدي. وبينما ركّز هنتنغتون على “عزل” الجيش عن هذه المجالات كشرط للسيطرة الموضوعية، فإن التجربة السودانية تكشف نموذجًا معاكسًا تمامًا: جيشًا نما اقتصاديًا وسياسيًا وأيديولوجيًا إلى درجة أصبح فيها هو من يحدد شكل “المدني” لا العكس.
وخلف هذا الوصف العام لـ “هيمنة الجيش على الاقتصاد” تكمن بنية مؤسسية معقدة من الشركات القابضة والتابعة، تطورت تدريجيًا منذ انقلاب يونيو 1989، حين اتجه النظام إلى إنشاء مؤسسات اقتصادية خارج الرقابة التقليدية لوزارة المالية والمراجع العام، بذريعة تمويل القوات المسلحة وتحقيق اكتفائها الذاتي. ولا يزال تتبع هذه الشبكة الكاملة صعبًا حتى على الباحثين المتخصصين، إذ تتوالد الكيانات وتغيّر أسماءها وتتوارى خلف واجهات تجارية “مدنية” الطابع باستمرار. ومع ذلك، تقدّر دراسة معروفة بعنوان “جنود ببدلات رجال الأعمال” أن نحو 250 شركة ترتبط إجمالًا بالقوات المسلحة والدعم السريع وأجهزة أمنية أخرى، مع التنبيه إلى أن هذا الرقم تقدير لحجم الشبكة لا قائمة مدققة نهائيًا.
على جانب القوات المسلحة، يمثل مركز الثقل ما يُعرف اليوم بـ”منظومة الصناعات الدفاعية” (المعروفة سابقًا بهيئة التصنيع الحربي)، التي تأسست عام 1993 وتوسعت لتشرف على مجمعات صناعية كبرى، من بينها مجمع اليرموك (ذخائر وأسلحة)، ومجمع الشجرة (أقدم وحدات إنتاج الذخائر)، ومجمع الشهيد إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة ضمن منطقة جياد (تجميع وصيانة المدرعات والشاحنات)، ومجمع الزرقاء الهندسي (إلكترونيات واتصالات)، ومجمع صافات للطيران (صيانة وتحديث الطائرات). ويصف الاتحاد الأوروبي هذه المنظومة بأنها أكبر مؤسسة دفاعية في السودان، بإيرادات قُدّرت بنحو ملياري دولار عام 2020 (وهو رقم تقديري لا يستند إلى قوائم مالية منشورة). وفرضت الولايات المتحدة عقوبات في يونيو 2023 على إحدى شركاتها التقنية – “SMT Engineering” – لدورها في توليد موارد لدعم القوات المسلحة خلال الحرب.
وتمتد الشبكة إلى ما هو أبعد من التصنيع العسكري المباشر عبر شركات قابضة تحمل واجهات تنموية لا تُظهر انتماءها العسكري بوضوح. أبرزها “زادنا العالمية للاستثمار“، التي يملكها بنسبة 99% “الصندوق الخاص للضمان الاجتماعي للقوات المسلحة”، وتنشط في الزراعة والري والطرق والإنشاءات، ووصفها الاتحاد الأوروبي بأنها من أكبر مصادر إيرادات شبكة شركات الجيش قبل أن يفرض عليها عقوبات في يناير 2024. وكذلك “مجموعة تنمية الصادرات القابضة”، الذراع الزراعية والغذائية لمنظومة الصناعات الدفاعية، والتي تضم شركات مثل “القمة للتنمية الزراعية” و”الحاج عبدا لله للأقطان والزيوت” و”الكدرو للتصنيع الغذائي” – الأخيرة عُرّفت رسميًا في إعلان رسمي بأنها تابعة للمنظومة، رغم أن الملف التعريفي العام للمجموعة لا يذكر هذا الارتباط. وقد برز اسم هذه المجموعة مجددًا في مارس 2026 حين وقّعت شركة “القمة” عقدًا بقيمة نحو 12 مليون دولار مع إدارة مشروع الجزيرة لزراعة 20 ألف فدان من القطن، في وقت يعاني فيه المشروع من ضعف تمويل وتدمير بنية تحتية وتراجع قدرة المزارعين على العودة لأراضيهم – وهو نموذج دال على كيف تستغل الشبكات الاقتصادية العسكرية فراغ الدولة أثناء الحرب لتوسيع سيطرتها على قطاعات إنتاجية كاملة.
على جانب قوات الدعم السريع، الصورة أكثر تشظيًا لأنها لا تُدار عبر منظومة حكومية، بل عبر شبكة عائلية وخارجية. يمثل “الجنيد للأنشطة المتعددة” العمود الفقري لهذا الاقتصاد؛ تصفه وزارة الخزانة الأمريكية بأنه شركة قابضة يسيطر عليها محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم دقلو، وتضم 11 شركة تابعة تعمل أساسًا في تعدين الذهب وتجارته، وتملك امتيازات تعدين قرب جبل عامر وسنقو في دارفور. وقد شكّل انتقال السيطرة على جبل عامر عام 2017 نقطة تحول حاسمة، إذ مكّن عائدات الذهب من تمويل التجنيد وشراء المركبات والسلاح وبناء شبكة تجارة خارجية مستقلة عن البنك المركزي. ويقدّر فريق خبراء الأمم المتحدة أن الشبكة الاقتصادية الكاملة للدعم السريع ربما بلغت نحو 50 شركة، توسعت بعد اندلاع الحرب عبر واجهات إضافية في الإمارات وتشاد وليبيا وجنوب السودان.
وإذا حاولنا حصر هذه الشبكات رقميًا، فإن تقدير “جنود ببدلات رجال الأعمال” لنحو 250 شركة يتوزع تقريبيًا كالتالي: نحو 50 شركة ضمن شبكة الدعم السريع، وما تبقى – أي نحو 200 شركة – موزّع بين منظومة الصناعات الدفاعية وشركاتها القابضة التابعة للجيش، وشبكة جهاز الأمن والمخابرات السابق الممتدة إلى الإعلام والعقارات والفنادق، وصناديق الشرطة الأقل توثيقًا. غير أن هذا التوزيع تقديري بدوره؛ فحتى الدراسة الأصلية تصفه بأنه “تقدير لحجم الشبكة لا قائمة مدققة نهائيًا”.
والنتيجة التراكمية لهذه العقود هي ما وصفه باحثون بتحول 80 إلى 90% من الاقتصاد السوداني إلى اقتصاد موازٍ يُدار خارج مؤسسات الدولة الرسمية ورقابتها المالية. وباندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد الأمر تنافسًا خفيًا على موارد الدولة، بل انقسامًا جغرافيًا صريحًا لاقتصاد الحرب نفسه: اقتصاد مناطق سيطرة الجيش، القائم على مؤسسات الدولة الرسمية وبنك السودان والجمارك والموانئ وشركات منظومة الصناعات الدفاعية وزادنا؛ واقتصاد مناطق سيطرة الدعم السريع، القائم على ذهب دارفور وكردفان والرسوم والإتاوات على الأسواق والطرق وشبكة الجنيد وواجهاتها الخارجية.
حصلت قوات الدعم السريع على ما بين 500 مليون ومليار دولار سنويًا من مناجم دارفور وحدها، بينما هُرّب نحو 60% من إنتاج الذهب في الولايات الشمالية. وفي مايو 2025 وحده، تعرضت بورصة الصمغ العربي في مدينة النهود لعملية نهب واسعة، فيما تراجعت صادرات الذهب الرسمية بنحو 36% خلال النصف الأول من 2025 مقارنة بمستوياتها قبل الحرب. ولم تعد الشركات المرتبطة بالطرفين مجرد مؤسسات تجارية، بل تحولت إلى جزء من البنية العملياتية للحرب نفسها: تموّل المقاتلين، وتوفر المركبات والوقود، وتنقل الذهب، وتشتري السلاح.
يصعب فهم كيف استقرت هذه البنية الاقتصادية العسكرية وترسّخت على مدى ثلاثة عقود دون العودة إلى المفهوم الذي استخدمه نظام الإنقاذ نفسه لوصف مشروعه: “التمكين” في الأدبيات الأكاديمية حول السودان، يشير المصطلح إلى السياسة التي انتهجها نظام عمر البشير بعد انقلاب 1989 لإحلال كوادر موالية لحركة الإخوان المسلمين (ممثَّلة تنظيميًا فيما كان يُعرف بالجبهة الإسلامية القومية ثم حزب المؤتمر الوطني) محل الكفاءات المهنية المستقلة في مفاصل الدولة، على رأسها الجيش والشرطة وجهاز الأمن والقضاء والخدمة المدنية. يوثّق الباحث عبد الله جلاب (Abdullahi Gallab) هذا التحول في دراسته عن “أول جمهورية إسلامية” في السودان، كما يتتبع المؤرخ أليكس دي وال (Alex de Waal) كيف صاحب هذا التطهير المؤسسي تصفية الضباط غير الموالين وإحلال شبكة موازية من الولاء العقائدي محلهم. وتخلص دراسات أحدث، من بينها عمل الباحثة ويلو بيريدج (Willow Berridge) من جامعة نيوكاسل، إلى أن منظومة التمكين لم تكتفِ بالسيطرة على مفاصل السلطة، بل أنتجت شبكة ضخمة من الشركات التي تبدو ملكية خاصة بينما هي في جوهرها كيانات شبه حكومية (parastatal) يسيطر عليها ضباط وقياديو الحركة الإسلامية معًا.
بهذا المعنى، لم يكن التمكين مجرد سياسة توظيف حزبي، بل كان آلية دمج بنيوي بين ثلاث طبقات: القيادة العسكرية، والتنظيم السياسي-الأيديولوجي، والشبكة الاقتصادية الناشئة. فحين تأسست هيئة التصنيع الحربي عام 1993 وتوسعت لاحقًا في الشركات المدنية، لم يكن ذلك مسارًا عسكريًا بحتًا بمعزل عن التنظيم، بل كان امتدادًا لمنطق التمكين نفسه: كو