بعض تجربة مع حكم الانقاذ
د.عبدالله عابدين
مدخل على التجربة:
يمكنكم، في الزاوية الأوسع من هذه اللوحة، لوحة ثورة ديسمبر المجيدة، التي حاولت جاهداً رسم معالمها بالكلمات. يمكنكم اعتبار هذه السردية، تجربتي الشخصية مع هذا الحدث الثوري المدوي. سردية أحس احساساً متجذراً في دواخلي، بأنها تمثل آمال وطموحات الشعب السوداني في الحياة الحرة الكريمة تماماً، وأنها تحكي وصول أخباره السارة، التي تنبؤ عن وصوله ذاته، تنبؤ عنه قبل قليل من وصوله.
حلم طالما راودني في تلك الأيام
أيام الانقاذ، شاحبة اللون
منزوعة الدسم
فرط “قهر الرجال”
ولسوف أحدثكم عن “قهر النساء”
وهن شقائق الرجال ..
يحلو لي في هذا السانحة مشاركتم صورة تمهيدية من تجربتي مع حكم الانقاذ لبلادنا، مازجاً في ذلك الشخصي بالعام، ومحاولاً ابراز ملامح تلك الفترة، خاصة أثناء فترة وجودي في السودان تحت ظل حكم الاسلاميين، الذي عرف زوراً وبهتاناً “بثورة الانقاذ”.
وقد امتدت فترة بقائي في السودان تحت ظل حكمهم من بداية انقلابهم في 1989 م، حتى عام 1995 م، حيث غادرت السودان في منتصف ذلك العام، بعد أن يئست تماماً “من خيراً فيها”، جراء التكرار الكؤود للتجارب الفواشل التي لا تدل على شئ، مثلما تدل على أن هذا النظام لا يقبل أي مواطن من خارج منظومته المغلقة.
وهو، فوق ذلك، يسعى بلا هوادة الى تخريب وتعطيل أي مساهمة تأتي من خارج أسوار تنظيمه المصمت الجدار. ستار حديدي ضربه هذا النظام حول أعمال لصوصيته، واحتكاره سلطة الدين، و السياسة، والمال، حتى ران صمت على فضاء أرض السودان: صمت مريب، الا من نشيد أحادي، تردده زمرهم أثناء الليل، وآناء النهار:
في حماك ربنا .. في سبيل ديننا ..
وما أبعدهم عن محتوى هذا النشيد، ثم انهم لا يرعوون عن نشر واذاعة نزعة غريبة في التعبير السام عن استحلال دماء الناس نهاراً وجهاراً:
لغة الدما لغتي ..
وليس سوى الدما ..
أنا عن فنون القول ..
أغلقت الفما ..
بل انهم ليمثلون لحظة في الايغال في هذا الاتجاه المتعطش للدم، غير مسبوقة:
فلترق منهم دماء ..
فلترق منا دماء ..
فلترق كل الدماء ..
و الدين، بفهمهم طبعاً، هو الفضاء الأخير الذي بادرت منظومتهم الى ازاحة الأخرين عنه، بغرض احتكار الحقيقة ذاتها، استعداداً “للتمكين”، و التحدث باسم الاله.
altaghyeer.info