سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

دعوة الحوار تربك معسكر الكيزان والبلابسة

دعوة الحوار تربك معسكر الكيزان والبلابسة،،،

حسب الرسول العوض إبراهيم

إن دعوة الفريق البرهان إلى حوار وطني مع استثناء المؤتمر الوطني فجرت حالة واضحة من الارتباك والتناقض داخل هذا المعسكر. فبدلاً من أن تكون لهم رؤية واحدة وموقف محدد انقسمت مواقفهم بصورة لافتة، منهم من رفض استثناء أي طرف من الحوار ومنهم من ذهب إلى تخوين البرهان نفسه بل وصل الأمر ببعضهم إلى المطالبة بمشاركة الجميع بما في ذلك صمود وحتى حميدتي ومجموعته. وفجأة أصبح الحديث عن وحدة السودانيين والحوار والتوافق هو العنوان الأبرز في خطابهم.

والسؤال الذي يفرض نفسه أين كانت كل هذه الدعوات منذ بداية الحرب؟ أليس هؤلاء هم أنفسهم الذين ظلوا يخوّنون كل دعوة إلى وقف الحرب وكل محاولة لجمع السودانيين وتوحيد الصف؟ وأين كانت دعوتهم إلى الحوار عندما كانت أصوات كثيرة تنادي بوقف الحرب وحقن الدماء؟

المفارقة الأكبر أن معظم هؤلاء كانوا بالأمس يطالبون بتفويض البرهان ومنحه صلاحيات واسعة بل وصل بعضهم إلى المطالبة باستمراره رئيساً للبلاد لعشر سنوات، باعتباره الضامن لاستمرار المعركة والمحافظ على نفوذهم ومكتسباتهم. لم تكن تعنيهم كثيراً فاتورة الحرب من قتل ودمار ونزوح وجوع وانهيار للدولة بقدر ما كان يعنيهم استمرار نفوذهم وسيطرتهم على مفاصل الدولة.

لكن ما إن دعا البرهان إلى الحوار حتى انقلب الخطاب بصورة دراماتيكية. أصبح الرجل الذي كانوا يريدون تفويضه بلا حدود غير مؤتمن وبدأ بعضهم يطالب بمحاسبته عن اندلاع الحرب وعن تمدد حميدتي وتقوية شوكته قبل الحرب. وهنا تبدو المفارقة صارخة، كيف يتحول البرهان في نظرهم بين ليلة وضحاها من رجل يريدون تفويضه لعشر سنوات إلى رجل يجب محاسبته ولا يُؤتمن على مستقبل البلاد؟

هذا التناقض يكشف أن المشكلة الحقيقية ليست في مبدأ الحوار وإنما في الخوف من نتائجه. فالحوار الجاد لا يمكن أن يكون مجرد مناسبة لتبادل المناصب وتقاسم السلطة، وإنما يجب أن يفتح جميع الملفات ويناقش جذور الحرب ومسؤولية كل الأطراف عنها ويفتح ملفات الجرائم والانتهاكات والفساد والتمكين، ويضع أساساً لإعادة بناء الدولة على قواعد جديدة.

ومن هنا فإن استثناء المؤتمر الوطني من الحوار ليس إقصاءً اعتباطياً وإنما موقف يمكن تفهّمه منطقياً وسياسياً. فالمؤتمر الوطني ليس حزباً سياسياً عادياً حتى ينظر إليه كطرف مدني مساوٍ لبقية القوى السياسية، فقد ظل لعقود يمتلك أدوات الدولة والنفوذ ومؤسسات السلطة وارتبط اسمه بمنظومة تمكين واسعة كما أن له تاريخاً في نقض العهود والانقلاب على المسار الديمقراطي الذي كان جزءاً منه. ولذلك فإن أزمة الثقة بينه وبين قطاعات واسعة من الشعب السوداني ليست وليدة اليوم وإنما تراكمت عبر سنوات طويلة من الممارسات السياسية التي أضعفت الدولة ومؤسساتها.

ومن غير المنطقي أن يُطلب من السودانيين التعامل مع المؤتمر الوطني كطرف سياسي طبيعي بينما لم تحسم بعد ملفات التمكين والانتهاكات واستغلال مؤسسات الدولة لصالح التنظيم. فإذا كان الحوار المقصود هو حواراً لإنقاذ السودان وإعادة بناء الدولة فإن الأولوية يجب أن تكون للقوى التي لم تكن جزءاً من منظومة الاستبداد والتمكين، مع وضع معايير واضحة لأي مشاركة سياسية مستقبلاً.

وفي الوقت نفسه فإن التشكيك في نوايا البرهان ليس بلا أسباب فأزمة الثقة بينه وبين كثير من القوى السياسية والمدنية عميقة، ولذلك فإن مجرد إطلاق دعوة للحوار لا يكفي. المطلوب ضمانات واضحة وأجندة معلنة وآليات شفافة ومخرجات ملزمة تضمن ألا يتحول الحوار إلى مناورة سياسية جديدة أو وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة وتوزيع السلطة والنفوذ بين نفس الأطراف.

لكن رفض الحوار بصورة مطلقة ليس حلاً أيضاً. فإذا كانت هناك فرصة حقيقية يمكن أن تقود إلى وقف الحرب ورفع المعاناة عن الشعب السوداني فيجب التعامل معها بجدية، ولكن دون أن يمنح أي طرف شيكاً على بياض ودون أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة تدوير الوجوه القديمة أو مكافأة من ساهموا في صناعة الأزمة.

والسؤال الأهم الآن ليس فقط من سيشارك في الحوار؟ وإنما ماذا نريد من هذا الحوار؟ هل سيكون هدفه وقف الحرب ومعالجة آثارها وتفكيك منظومة التمكين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي حقيقي؟ أم سيكون مجرد صفقة جديدة لتقاسم السلطة والمواقع وإعادة توزيع النفوذ؟

السودان لا يحتاج إلى حوار جديد لتقاسم الكراسي وإنما يحتاج إلى حوار يوقف الحرب ويضع حداً للإفلات من العقاب ويعيد الدولة إلى مواطنيها ويفتح الطريق أمام نظام ديمقراطي لا يسمح لأي حزب أو جماعة أو مؤسسة عسكرية باختطاف الدولة مرة أخرى.

أما أن يتحول الحوار إلى صفقة لإنقاذ نفوذ هذا الطرف أو ذاك أو إلى محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة فلن يكون سوى فصل جديد من فصول الأزمة وستظل البلاد تدور في الحلقة ذاتها التي أوصلتها إلى هذا الخراب.

* كاتب ومحلل سياسي

altaghyeer.info