
حبال مناوي
التقي البشير الماحي
تقول الطرفة إن رجلًا ظل منتظرًا ليلة القدر في خواتيم الشهر الكريم، ليسأل الله في تلك الليلة أن ينعم عليه بعدد لا يُحصى من الأبقار. وعندما حانت تلك الليلة، وبعد أن شاهد ضوءها، ارتبك، فدعا أن تعطيه حبالًا بدون أبقار، وقد كان.
حال هذا الرجل كحال السيد مناوي المرتبك دومًا، الذي كلما شاهد ضوءًا ظل يلهث خلفه منذ أن قاد تمرده من مدينة الفاشر، بحثًا عن أبقار بحبال، ولكن ظل طلبه دومًا حبالًا بلا أبقار، من لدن أبوجا، بعد أن دخل القصر مساعدًا للرئيس، واكتشف أنه مجرد مساعد حلة.
هذا الرجل، وبعد أن أكرمته الثورة ومُنح حاكمًا لإقليم بمساحة دول مجتمعة، أصبح اليوم حاكم إقليم بدون إقليم، يديره من بورتسودان، شأنه شأن الكثيرين من الذين كانوا أصفارًا، فوجدتهم الثورة مكبلين في الأصفاد، فأصبحوا بنعمة من الثورة قادةً يتنكرون لها، فقط حسدًا من عند أنفسهم، بعد أن أشعرتهم بعجزهم عن إحداث ما صنعه شباب قادوا التغيير بكل سلمية، وواجهوا بندقية النظام بصدور عارية، حين ذهبت أنت إلى السماء ذات البروج، لتتكسب منها ارتزاقًا، وهو حديثك، لا حديث أحد غيرك.
لم يسالكم أحدا عن سهمكم في إحداث التغيير خرجتوا بفرية أن التغيير أتى نتيجة الثورة المتراكمة، مع أن التاريخ يخبرنا أن البندقية بديلها البندقية، وهي مراجعات قادها بكل شجاعة السيد ياسر عرمان، الذي عندما حمل البندقية كان مناوي طفلًا يحبو.
قيل إن المرء دائمًا ما يشغله غرضه، لذلك لم يرَ السيد مناوي من الثورة غير سندوتشاتها، ولم يحسن الإنصات لفنان يردد: «مديتلو تمرة وزهرتين، مدالي مائة طلقة ليه؟».
السيد مناوي كان مشغولًا بالحصول على مساعد حلة مرة أخرى في دهاليز التفاوض، حين فاجأه الشباب باحتجاجهم النبيل أمام بوابات القيادة، ولم يستنكف ويرفض دعوة الحضور إلى الاعتصام الذي قال إنه مصنوع، وحجز له خيمة فيه، كما فعل صنوه دكتور جبريل، الذي عندما تطاول أمر الاعتصام، وكان الاعتصام ينشد تغييرًا جذريًا، سرّب ليه تسجيلًا صوتيًا يشابه ما قاله مناوي اليوم، والذي قال فيه إن المعتصمين يجدون فيه كل ما لذ وطاب داخله. ولا غرابة في ذلك، فالرجلان اليوم تجمعهما نواقص ما يبحثان عنه.
وإذا تركنا كل ما مضى خلفنا، وذهبنا في ذات سكتكم من أن هذا الاعتصام مصنوع بشواهد ما راو، فما هو المعيب في ذلك، إذا تقاطعت رغبات الخارج مع الداخل، وتوفرت كل أسباب وعوامل التغيير، وبأقل التكلفة، رغم ما واجهه الثوار بصدور عارية؟.
قبل اليوم تم دعمك بالسلاح والعتاد لقتال ذات الدولة التي تقاتل بجانبها اليوم، وهو فعل لم يفعله الثوار. أم أن تمويلك كان من حر مالك، والذي عندما نضب وتمت هزيمتك، استأجرت تلك البندقية لمن يدفع؟.
إن الثورة التي أشعرتك بالعجز صنعت التغيير وبأقل التكلفة، إلا من دماء عزيزة سالت أمام بوابات الجيش، طلبًا للحرية والعدالة والمساواة، ورفعت شعار «كل البلد دارفور»، وأنت تنظر لها بعين السخط، وما ينقصك لم ترَ منها غير سندوتشات فاخرة.
يقيني أنك لم تعايش ما كانت تجلبه بعض الأسر دعمًا للاعتصام فهو أفخر مما ذكرت ويكفينا منه شاهدا ما جلبهن ميارم دارفور وذلك القدح الذي هو افخر من وعاء ساندوتشات ماكدونالدز فعقب كل طبقة طيبة تجد ما تحتها أطيب كمواطن دارفور الذي يحتاج الي من هو أطيب خلقا.
أو انك لم تُحسن الإصغاء للشهيد عظمة، الذي رفض الاستلقاء ريثما يكمل معركته، وليس أكله الفاخر مثل الذي تنعم به أنت اليوم، وحين يبلغ بك التعب تقصد ألمانيا مستلقيًا، بينما الملايين مهجرون ومشردون، كان مقصد الثورة أن يكونوا معززين ومكرمين، وها أنت اليوم تزيدهم نزوحًا على نزوح، حتى أصبحوا في حيرة من أمرهم: إلى الأوطان يعودون؟
صنعتم اتفاقًا قال فيه عقلاء القوم ما قالوا، وراهنوا على أنه لن يقود إلى سلام، وإنما مجرد وظائف وامتيازات لكم أنتم كقادة، وهي اتفاقية كانت أكبر مخازي الحرية والتغيير، ونظرة قاصرة، ولم يُحسنوا فيها الإصغاء لغيرهم. وبيانات الحزب الشيوعي المبذولة تذكر بذلك لمن أراد الذكرى، وتُرك فيها الأمر للسيد حميدتي، رغم التحذير المتكرر من خطورة هذا المسلك.
وليت ظنهم فيها خاب، ولكن حدث المتوقع، وحصلت أنت فقط على ما تريد. لذلك كان هذا ظنك، فقد قيل: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه، وصدّق كل ما يعتاده من توهّم.
السيد مناوي، هنيئًا لك بتلك الحبال، فهي فقط حبال من كذب، تظل أقصر من تلك التي يُضرب بها المثل، ونحن أمة حبالها نسجتها من الصبر.
ظل يردد مع حميد:
«ما انهد حيل سقف الصبر
لا الأرض وقفت من تدور يا جاني
مارق علي نص الدرب
قابض على آخر شعاع من الشمس واساني
ماسك علي سلاح الصبر
مسنود على كف السنين
وأحلامي
ما الأرضه
جربت الحجر وقت أيدها كانت باليقين ملياني»
altaghyeer.info