سودان اندبندنت
مقال ⁄سياسي

قراءة في العقل السياسي السوداني الأزمة أكبر من الإنقاذ والمستقبل لا يبنى بالحسرة

قراءة في العقل السياسي السوداني الأزمة أكبر من الإنقاذ والمستقبل لا يبنى بالحسرة

 

بقلم: احمد النوش 


​إن ما جرى في عام 2023، وما تزال البلاد ترتعد تحت وطأة تبعاته الكارثية حتى لحظتنا هذه، ليس مجرد أزمة عابرة أو كبوة عارضة، بل هو البرهان الدامغ والدليل القاطع على فشل بنية "الدولة السودانية" كشكل وإدارة منذ نيل استقلالها عام 1956م. وأن أي محاولة لدفن الرأس في الرمل، واختزال هذا الانهيار الشامل في حقبة "الكيزان" ونظام الإنقاذ باعتبار أن التردي قفز إلينا فجأة عام 1989م، هي محاولة بائسة للهروب من الاستحقاق التاريخي، وتدل على أن صاحبها يعاني أزمة حادة مع وعيه وفكره قبل أن يعانيها مع وطنه، عبر الدوران في حلقة مفرغة من الإنكار والاجترار.
​الحقيقة المرة التي لا مناص من مواجهتها هي أن العقل الجمعي يسعى جاهداً للتنصل من حقيقة شخوصنا: لقد فشلنا ذريعاً -كسودانيين- في إدارة وتأسيس دولة حديثة. وبدلاً من الاعتراف بشجاعة، رحنا ننسب إنجازات الإدارة الاستعمارية لأنفسنا، ونستحضر ألبوم الصور القديمة بالأسود والأبيض من حقب الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، متخذين منها "حائط مبكى" ونواحاً سرمدياً؛ فنتباكى على "الزمن الجميل"، والخدمة المدنية الرصينة، والتعليم الرائد، والسلة الموعودة لغذاء العالم، ونردد بأوهام الاستعلاء: (نحن من علّمنا الشعوب وبنينا البلدان! يا لحسرة أيام الأزهري، ويا لحنين عهد عبود، ويا لترحمات زمن نميري!).
​وهذا كله لعمري انفصام ذكري وتزييف للوعي؛ إذ إن تلك المظاهر لم تكن سوى الزخم الأخير للمؤسسات والهياكل التي شيدها المستعمر البريطاني. وما إن تسلم المكون الوطني الدفة، حتى بدأ العد التنازلي للانهيار والتقهقر. والمفارقة الصارخة تشخص في أن الإنسان الذي يقر بذلسانه أن (السودان هو البلد الوحيد الذي يتراجع للوراء بينما يتقدم العالم)، هو ذاته من يناقض نفسه بالتباكي على أوهام الماضي ونفس النخب التي بذر بذور الهوان!
​ولنقلها صريحة بلا مواربة: لم يحكم هذا البلد رجلُ دولة بوزن حقيقي وشمولية رؤية منذ أن غادره الحاكم العام البريطاني "سير ألكسندر نوكس هيلم". أما من تعاقبوا بعد عام 1956م، فإما "أفندي" تقنوقراطي محدودي الأفق ينتهي طموحه بانتهاء ساعات الدوام الرسمي، وإما "عسكريٌّ درويش" لا تتعدى مداركه حدود "صفا وانتباه"، أقصى قدراته تنظيم طابور أو إدارة حركة سير! وحتى ذلك الاستقلال الذي نتغنى به، لم يكن سوى عملية "تسليم وتسلّم" وبروتوكول تفاوضي أُهديت لنا فيه المفاتيح بالأحضان؛ فلا داعي لملء الرؤوس بشعارات الحماسة الجوفاء وأناشيد التحدي الناشزة.
​حريٌّ بكل من يمارس النواح، أو يَمُنّ على جواره ببطولات وهمية واستعلاء تاريخي لا سند له، أن يستفيق من غيبوبته، وأن ينظر إلى واقع بيته المتهدم بشرس وموضوعية، أو يخلع رداء التحليل السياسي ويتوسد أوهامه ويلتحف الصمت!