سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

الإعيسر ..الصحافة رسالة ومسؤولية.. لا معول هدم ولا ساحة للتجريح والإساءة

الإعيسر ..الصحافة رسالة ومسؤولية.. لا معول هدم ولا ساحة للتجريح والإساءة

في التجارب الديمقراطية الراسخة حول العالم، ظلت الحريات العامة مرتبطة دائماً بالمسؤولية واحترام حقوق الآخرين، فلا يمكن أن تكون حرية التعبير وسيلة للإساءة إلى الأشخاص أو النيل من كرامتهم. ومن المحطات التاريخية البارزة في مسيرة تطور مفاهيم الحريات، تأتي الوثيقة العظمى المعروفة باسم الماجنا كارتا في بريطانيا، التي ينظر إليها باعتبارها إحدى الركائز المبكرة لترسيخ مبادئ سيادة القانون والحد من السلطة المطلقة. ويحتفل البريطانيون بذكراها؛ لما مثلته من خطوة تاريخية أسست لمبادئ الحريات في عصور كانت تسودها أنظمة الحكم المطلق، وأصبحت رمزاً لمسيرة طويلة في تطور الحقوق والحريات.
وتتكون الماجنا كارتا، وهو المصطلح الأكاديمي باللاتينية، من مجموعة من الوثائق التي صدرت أول مرة عام 1215م، وما تزال تشكل أحد الأسس المهمة للنظام الدستوري والقانوني في إنجلترا حتى يومنا هذا. وقد وُصفت بأنها الميثاق العظيم للحريات في إنجلترا، وكانت واحدة من أهم الوثائق القانونية في تاريخ أعرق الديمقراطيات في العالم؛ إذ أرست مبادئ تقييد سلطة الملك، وحددت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكان لها تأثير تاريخي كبير خلال مراحل الصراع السياسي والحرب الأهلية الإنجليزية. كما ألهمت مضامينها وثيقة الحقوق في دستور الولايات المتحدة الأمريكية، بكل ما يحمله من تعدد وتنوع.
إنها تجربة عظيمة في التاريخ الإنساني، يمكن أن تكون مثالاً يحتذى به لوضع حد للخلافات السودانية المتصلة بالحريات والمشاركة السياسية والصلاحيات الدستورية، بما يسهم في القضاء على الجهوية والعصبية القبلية.
ومن هذا المدخل أعلاه، والذي نشرت بعض ما ورد ضمن فحواه في مقال بصحيفة القدس العربي اللندنية يوم الجمعة 28 نوفمبر 2014م، الموافق 6 صفر 1436هـ، أنتقل إلى مقال آخر نشرته في صحيفة الأحداث السودانية يوم الجمعة 18 فبراير 2011م، وجاء فيه:
نُعِتت وسائل الإعلام عموماً، والصحافة بشكل خاص، بلقب السلطة الرابعة؛ لما لها من تأثير في حياة الناس، ولما تسهم به في إيجاد الحلول والاقتراحات لمشكلاتهم وقضاياهم. وللصحافة دور أكثر فاعلية وتأثيراً مما تقوم به السلطات الدستورية الثلاث: “التشريعية والتنفيذية والقضائية”.
وهي مهنة يجب أن تكون بعيدة عن العاطفة والتحيز والتعصب والإفك، وأن تكون منصفة وعادلة وأمينة في نقل الأخبار، حتى تجاه أصحاب الآراء المعارضة. لذلك، فإن رسالتها يجب أن تقوم أساساً على تنوير الناس وإحاطتهم بما يدور من أحداث بكل صدق ومهنية وموضوعية، بعيداً عن التضليل والإثارة ونسج الأكاذيب من وحي الخيال.
وعن السلطة الرابعة قال توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة (1801-1809م): “إنها خير أداة لتنوير عقل الإنسان، ولتقديمه ككائن عاقل وأخلاقي واجتماعي”. وهي بذلك أداة للتوعية والإرشاد، لكنها قد تنقلب إلى وسيلة لتضليل الشعوب إذا استُخدمت أداة للدعاية وتصفية الخصوم، وهذا سيكون بالضرورة خصماً من رصيد الجهة التي مارست التضليل. والإشارة هنا إلى كبريات الدول الديمقراطية تهدف إلى إزالة اللبس لدى البعض حول أن الديمقراطية وحرية التعبير لا تعنيان تجاوز خصوصيات الآخرين أو الإساءة إليهم؛ فهذا أمر يرفضه حتى المفهوم الغربي المتطور للحريات والديمقراطية، الذي يوازن بين حرية التعبير واحترام حقوق الأفراد وكرامتهم.
إذن، فإن المصداقية هي الأساس في هذه المهنة الرفيعة، وليست الإثارة عبر نشر معلومات كاذبة أو إساءات، أو السقوط في درك الانحطاط من أجل كسب المزيد من الإعجابات “واللايكات” عبر الوسائط ووسائل التواصل الاجتماعي.
ومن يختار طريق الإساءة أو التشهير، فعليه أن يدرك أن لكل فعل تبعات، وأن المواجهة الحقيقية تكون عبر القانون لا عبر الضغوط أو التهديدات أو محاولات التأثير. فاختلاف المواقف لا يبرر المساس بكرامة الآخرين أو انتهاك حقوقهم.
إن احترام الإنسان وكرامته يظلان أساساً لا يجوز تجاوزه. وفي أي دولة تحترم الحريات والديمقراطية، يبقى القانون هو الفيصل، والعدالة هي الطريق الأمثل لمعالجة التجاوزات بعيداً عن الانتقام أو التشفي.
إن الاحتكام إلى القانون لحماية الحقوق، وعدم أخذ القانون باليد، يعكسان وعياً راسخاً بمفاهيم الدولة الحديثة، حيث لا تُقاس القوة باستغلال النفوذ أو فرض الإرادة، وإنما باحترام المؤسسات واللجوء إلى الوسائل القانونية. ومن هذا المنطلق، فإن امتناع المسؤول، مهما كان موقعه، عن التدخل المباشر أو توظيف منصبه للتأثير في مسارات استرداد الحقوق، يمثل سلوكاً راقياً يجسد سمو المسؤولية، واحترام سيادة القانون، والإيمان بقيم الحرية والعدالة.
هذه المفاهيم يجب أن تترسخ في جميع أنحاء العالم، وبصورة خاصة في البلدان التي كان بعض المسؤولين فيها يلجأون إلى أساليب الملثمين والبلطجية وقطاع الطرق، أو يستخدمون السلطات الأمنية القمعية خارج مظلة القانون وبعيداً عن مؤسسات العدالة. وهذا نهج مرفوض من حيث المبدأ، ولا ينسجم بأي حال مع دولة القانون ومبادئ العدالة.
خالد الإعيسر

kushnews.net