العدالة الانتقالية «2-5»: آلياتها… كيف تواجه الدول إنتهاكات الماضي؟
ميرغني الحبر/ المحامي
إذا كانت العدالة الانتقالية في جوهرها محاولة من المجتمع لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة التي خلفتها الحروب أو الأنظمة الاستبدادية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد تحديد مفهومها هو: كيف تتحول هذه الفكرة إلى واقع؟
فلا يمكن لدولة خارجة من حرب أو ثورة أن تقول لشعبها: سنحقق العدالة، ثم تترك الأمر للأمنيات. العدالة الانتقالية تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وآليات محددة، وإلى إرادة سياسية ومجتمعية تجعلها مشروعًا وطنيًا لا مجرد شعار.
ولهذا طورت التجارب الدولية مجموعة من الآليات التي يمكن استخدامها منفردة أو مجتمعة، بحسب طبيعة كل مجتمع وظروفه. وتتمثل أهم هذه الآليات في: المساءلة الجنائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار، والمصالحة وحفظ الذاكرة.
لكن الأهم هو إدراك أن هذه الآليات ليست بدائل متنافسة بالضرورة؛ فالمحاكمة لا تكشف وحدها كل الحقيقة، ولجنة الحقيقة لا تستطيع أن تحل محل القضاء في جميع الحالات، والتعويض المالي لا يكفي وحده لجبر كل الأضرار، والمصالحة لا يمكن أن تكون غطاءً للإفلات من العقاب. ولذلك تقوم العدالة الانتقالية على تكامل هذه الأدوات وتوزيع الأدوار بينها.
تظل المحاسبة الجنائية إحدى أهم أدوات العدالة الانتقالية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالجرائم الخطيرة مثل القتل الجماعي، والتعذيب، والعنف الجنسي، والتهجير القسري، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
والهدف من المحاكمات ليس الانتقام ، وإنما تأكيد مبدأ أساسي: لا أحد فوق القانون.
غير أن العدالة الانتقالية تختلف هنا عن حملات التطهير السياسي. فالمسؤولية يجب أن تكون فردية، وأن تقوم على الأدلة والإجراءات القانونية والمحاكمة العادلة، لا على الانتماء السياسي أو الجهوي أو العسكري.
وقد تكون المحاكمات أمام القضاء الوطني، أو أمام دوائر متخصصة، أو أمام محاكم مختلطة تضم قضاة وطنيين ودوليين، أو أمام آليات قضائية دولية، بحسب قدرة الدولة على إجراء محاكمات مستقلة ونزيهة. وتبين الخبرة الدولية أن اختيار النموذج القضائي يجب أن يرتبط بقدرة المؤسسات الوطنية على تحقيق العدالة، لا بمجرد الرغبة في إظهار الحزم.
وهنا تظهر إحدى أصعب معضلات العدالة الانتقالية: ماذا نفعل عندما يكون الجهاز القضائي نفسه قد تعرض للتسييس أو الضعف أو الاختراق؟
الإجابة لا تكون بإلغاء القضاء، وإنما بإصلاحه وتقويته، وبناء ضمانات استقلاله، وربما إنشاء آليات قضائية متخصصة عند الضرورة.
قد يظن البعض أن معاقبة الجاني تكفي لإغلاق ملف الجريمة. لكنها لا تكفي دائمًا.
ففي المجتمعات التي شهدت انتهاكات واسعة، غالبًا ما تكون هناك أسئلة أكبر من مجرد تحديد اسم الجاني من قبيل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن أصدر الأوامر؟ وكيف تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات للقمع؟ وكم عدد الضحايا؟ وأين ذهب المفقودون؟ ومن استفاد من الجريمة؟ وهل كانت الانتهاكات أحداثًا فردية أم جزءًا من سياسة منظمة؟
من هنا تأتي لجان الحقيقة.
وهي آلية غير قضائية تهدف إلى التحقيق في أنماط الانتهاكات، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وجمع الوثائق والأدلة، وإعداد سجل تاريخي لما حدث، وتقديم توصيات بشأن الإصلاح والمحاسبة وجبر الضرر.
وتكمن أهميتها في أنها تستطيع أن تنظر إلى الصورة الأوسع التي قد لا يستطيع القضاء أن يتناولها في محاكمة فردية.
لكن لجنة الحقيقة ليست محكمة، ولا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن القضاء عندما يتعلق الأمر بالجرائم التي تستوجب المساءلة الجنائية.
كما أن نجاحها يتوقف بدرجة كبيرة على استقلالها، وصلاحياتها، ومواردها، وقدرتها على حماية الشهود والضحايا، والأهم من ذلك كله: ثقة المجتمع فيها. وقد أكدت الأمم المتحدة أن مشاركة الضحايا يجب أن تكون حقيقية منذ تصميم آليات العدالة الانتقالية وحتى تنفيذها، وأن لجان الحقيقة تحتاج إلى الاستقلال والقدرة الفنية والموارد اللازمة لأداء مهمتها.
ربما كان هذا الجانب من العدالة الانتقالية هو الأكثر قربًا من الإنسان.
فمن فقد ابنه، أو منزله، أو مصدر رزقه، أو تعرض للتعذيب، أو أجبر على النزوح، لا تعنيه المحاكمة وحدها. إنه يريد أن تعترف الدولة بما تعرض له، وأن يحصل على قدر من الإنصاف يساعده على استعادة حياته وكرامته.
ولهذا يشمل جبر الضرر صورًا متعددة، منها التعويض المالي، ورد الممتلكات، وإعادة الحقوق، والتأهيل النفسي والاجتماعي، والاعتذار الرسمي، وتخليد ذكرى الضحايا، وغير ذلك من التدابير التي تعترف بالضرر وتعمل على إصلاح آثاره.
لكن جبر الضرر لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شيكات مالية.
فالمال لا يعيد قتيلًا إلى أسرته، ولا يمحو آثار التعذيب، ولا يعيد سنوات النزوح، ولكنه قد يكون جزءًا من عملية أوسع تقول للضحية: الدولة تعترف بما حدث لك، وتتحمل مسؤوليتها في إنصافك.
ولهذا تتداخل الحقيقة مع جبر الضرر؛ فقد يكون كشف الحقيقة نفسه شكلًا من أشكال الإنصاف، خصوصًا لأسر المفقودين والمختفين قسرًا. وتشير الأدبيات المتخصصة إلى أن برامج جبر الضرر يمكن أن تتفاعل بصورة مباشرة مع لجان الحقيقة وآليات كشف الحقيقة.
ربما يكون هذا هو البعد الأكثر أهمية بالنسبة إلى مستقبل الدولة.
فإذا حوكم عدد من الأشخاص، ثم بقيت المؤسسة التي أنتجت الانتهاكات على حالها، فإن العدالة تكون قد عالجت بعض النتائج وتركت الأسباب.
ولهذا تشمل العدالة الانتقالية إصلاح مؤسسات الدولة، خصوصًا مؤسسات العدالة والأمن والشرطة والقوات المسلحة، ومراجعة القوانين والسياسات التي سمحت بالانتهاكات، وإبعاد الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم الجسيمة عن المناصب التي تمكنهم من تكرارها.
وتسمى بعض هذه الإجراءات التدقيق أو الفرز المؤسسي (Vetting)، وهي عملية تهدف إلى التأكد من كفاءة وأهلية العاملين في مؤسسات الدولة، خصوصًا المؤسسات الحساسة، وفق معايير قانونية ومهنية وحقوقية.
لكن الإصلاح المؤسسي لا يعني التطهير الجماعي.
فليس من العدالة أن يعاقب الإنسان لمجرد انتمائه إلى مؤسسة، كما ليس من الحكمة أن تهدم الدولة مؤسساتها بالكامل ثم تبحث عن بديل. المطلوب هو التمييز بين المؤسسة وبين الأشخاص الذين أساؤوا استخدامها، وإعادة بناء المؤسسات على أساس المهنية والحياد والخضوع للقانون.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار جزء أساسي من منظومة العدالة الانتقالية، لأن معالجة الماضي لا تكتمل من دون تغيير الظروف التي سمحت بوقوع الانتهاكات.
المصالحة من أكثر مفاهيم العدالة الانتقالية حساسية.
فالمجتمع الخارج من الحرب يحتاج في نهاية المطاف إلى أن يعيش أفراده معًا. ولا يمكن أن يستمر المجتمع في حالة ثأر دائم بين جماعاته.
لكن المصالحة ليست أن نطلب من الضحية أن ينسى، ولا أن نساوي بين الضحية والجاني، ولا أن نمنح عفوًا عامًا مقابل إسكات الأصوات المطالبة بالعدالة.
المصالحة الحقيقية تحتاج إلى اعتراف بالحقيقة، واعتذار، ومساءلة، وجبر للضرر، ثم بناء علاقات جديدة بين مكونات المجتمع.
ولهذا فإن المصالحة ليست نقطة البداية بالضرورة، وإنما يمكن أن تكون ثمرة لمسار طويل من كشف الحقيقة والعدالة والإنصاف.
هناك جانب آخر كثيرًا ما يتم إهماله، وهو حفظ الذاكرة الجماعية.
فالمجتمعات التي لا توثق مآسيها تترك المجال أمام إنكارها أو إعادة تفسيرها بصورة تخدم الجناة أو القوى السياسية المختلفة.
ولهذا يمكن أن تشمل العدالة الانتقالية إنشاء أرشيفات وطنية، وتوثيق شهادات الضحايا، وإقامة النصب التذكارية والمتاحف، وإدخال بعض وقائع الانتهاكات في المناهج التعليمية، وغيرها من الوسائل التي تساعد المجتمع على تذكر الماضي دون أن يبقى أسيرًا له.
والذاكرة هنا ليست دعوة إلى تكريس الكراهية، وإنما إلى منع النسيان الذي يسمح بتكرار الجريمة.
الجواب: لا.
وهذه ربما أهم خلاصة ينبغي أن نفهمها من تجارب العدالة الانتقالية.
فالمحاكمات وحدها قد تحقق العقاب لكنها لا تكشف كل الحقيقة.
ولجان الحقيقة قد تكشف السياق العام لكنها لا تستطيع أن تحل محل القضاء في كل الجرائم.
والتعويضات قد تساعد الضحايا لكنها لا تصلح المؤسسات.
والمصالحة قد تساعد على التعايش لكنها تصبح خطرة إذا سبقت الحقيقة والعدالة.
والإصلاح المؤسسي قد يمنع تكرار الانتهاكات لكنه لا يعالج وحده آلام الضحايا.
لذلك فإن العدالة الانتقالية الناجحة تقوم على منظومة متكاملة تتفاعل فيها هذه الآليات، بحيث يسند بعضها بعضًا.
هنا تبدأ القضية الأكثر تعقيدًا.
فالسودان لا يواجه إرثًا واحدًا من الانتهاكات يمكن وضعه في ملف واحد. نحن أمام تاريخ طويل من النزاعات والانقلابات والاستبداد، ثم جرائم وانتهاكات ارتكبت خلال فترات مختلفة، وصولًا إلى الجرائم والانتهاكات التي وقعت أثناء الحرب الحالية.
وهذا يعني أن العدالة الانتقالية السودانية، إذا أريد لها النجاح، يجب ألا تكون انتقائية، وألا تكون مشروعًا لمعاقبة طرف واحد وإعفاء طرف آخر، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن المصالحة دون عدالة قد يكون مجرد تأجيل للأزمة.
فالسوداني الذي فقد أسرته أو منزله أو أرضه، أو تعرض للتعذيب أو النزوح، لن تقنعه الكلمات الكبيرة عن المصالحة إذا لم يشعر بأن الدولة اعترفت بمأساته وأن هناك مسارًا حقيقيًا لإنصافه.
وهنا تكمن صعوبة المهمة.
فالسودان يحتاج إلى عدالة لا تتحول إلى انتقام، ومصالحة لا تتحول إلى إفلات من العقاب، وحقيقة لا تتحول إلى وقود جديد للحرب.
وهذا التوازن هو جوهر المسألة.
فكيف تعاملت الدول الأخرى مع هذه المعضلة؟ لماذا نجحت تجربة جنوب أفريقيا في بعض جوانبها؟ وكيف تعاملت رواندا مع إرث الإبادة الجماعية؟ ولماذا اختارت دول أخرى طريق المحاكمات الواسعة؟ ولماذا فشلت بعض التجارب رغم امتلاكها آليات تبدو على الورق مثالية؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى المقال القادم، حيث ننتقل من النظرية والآليات إلى تجارب العالم، لنحاول أن نفهم ليس فقط ما فعلته تلك الدول، وإنما لماذا نجحت بعض التجارب وفشلت أخرى، وما الذي يمكن للسودان أن يتعلمه منها.
https://www.altaghyeer.info/ar/2026/08/09/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-1-5-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b4%d8%a3/
altaghyeer.info