تحديث بيانات العملاء في زمن الحرب: حين يصطدم الامتثال المصرفي بالشمول المالي
عمر سيد أحمد
أثار تعميم أصدره أحد المصارف السودانية مؤخراً، طالب فيه أصحاب الحسابات المفتوحة قبل عام 2025 بتحديث بياناتهم خلال مهلة محددة وإلا تعرضت حساباتهم للإيقاف أو التجميد، حالة واسعة من الجدل والقلق بين العملاء، وبخاصة السودانيين المقيمين خارج البلاد، والنازحين، وسكان المناطق والولايات التي تقل فيها الفروع المصرفية العاملة أو تنعدم بسبب الحرب.
ولم يصدر هذا التعميم من فراغ، بل استند إلى توجيهات تنظيمية أصدرها بنك السودان المركزي في إطار تشديد متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح. ففي 30 أبريل 2026 أصدر البنك المركزي المنشور رقم (8/2026) بشأن «الضوابط التنظيمية والرقابية بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح»، ثم أتبعه في 30 يوليو 2026 بتعميم لجميع المصارف يُلزمها بتحديث بيانات العملاء، وينص على إيقاف وتجميد حساب أي عميل لا يحدّث بياناته خلال شهرين، إلى جانب إلزام المصارف بتشغيل أنظمة تقنية متخصصة لمراقبة الحسابات والمعاملات واكتشاف الأنماط غير المعتادة.
ومن حيث المبدأ، لا خلاف مصرفياً على مشروعية تحديث بيانات العملاء وضرورته، فهو أحد أعمدة مبدأ «اعرف عميلك» (KYC) والعناية الواجبة وإدارة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاحتيال. لكن الجدل الذي أثاره التعميم الأخير لا يتعلق في جوهره بهذا المبدأ، بل يطرح سؤالاً أعمق: كيف تُطبَّق متطلبات امتثال مشروعة وضرورية في بلد يعيش حرباً ونزوحاً وتشرداً واسعاً، ويعاني أصلاً من ضعف الشمول المالي ومحدودية الانتشار المصرفي، من دون أن تتحول هذه المتطلبات إلى سبب إضافي لخروج المواطنين وأموالهم من الجهاز المصرفي؟
وهنا تكمن القضية الحقيقية؛ فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى سياسة مصرفية تعيد المواطنين إلى الجهاز المصرفي، وتجذب الكتلة النقدية الموجودة خارجه، وتوسّع قاعدة الحسابات، وتشجّع المدفوعات الإلكترونية، وتسرّع التحول الرقمي. ولذلك ينبغي تقييم أي إجراء رقابي جديد ليس فقط بقدرته على تحقيق الامتثال، بل أيضاً بأثره في الثقة والشمول المالي وقدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم.
من الناحية المصرفية البحتة، لا خلاف على ضرورة تحديث بيانات العملاء؛ فالمصرف لا يستطيع إدارة المخاطر أو مكافحة غسل الأموال والاحتيال إذا كانت لديه عناوين قديمة، وأرقام هواتف لم تعد مستخدمة، ووثائق هوية غير محدثة، ومعلومات لا تعكس النشاط الحالي للعميل. والحرب نفسها تجعل هذا التحديث أكثر إلحاحاً؛ فمنذ اندلاعها في أبريل 2023 تغيرت حياة ملايين السودانيين بفعل النزوح واللجوء والهجرة، وتبدّلت أماكن عملهم وإقامتهم ومصادر دخلهم، وتعطّلت فروع مصرفية بأكملها، بينما انتقل جزء متزايد من النشاط المالي إلى التطبيقات والتحويلات الإلكترونية.
غير أن السياسة الرقابية السليمة لا تُقاس بصحة هدفها وحده، بل بتناسب الوسيلة المستخدمة لتحقيق ذلك الهدف أيضاً. فالسؤال ليس: هل يجب تحديث البيانات؟ بل: كيف يتم ذلك من دون إقصاء العملاء أو تهديد وصولهم إلى أموالهم؟
اللافت أن تعميم بنك السودان يطلب تحديث البيانات، لكنه – بحسب الوثيقة المتاحة – لا ينص على ضرورة حضور العميل شخصياً إلى الفرع. بل إن البنك المركزي سبق أن أصدر توجيهات بشأن الأنظمة التقنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تضمّنت إمكانية تحديث بيانات العملاء عن بُعد باستخدام هذه الأنظمة، من دون حاجة إلى حضورهم شخصياً. كما تبنّى المركزي إطاراً لفتح الحسابات المصرفية عن بُعد والتحقق الإلكتروني من الهوية.
فإذا كان التوجه التنظيمي الرسمي يسمح أصلاً بالتحديث والتحقق عن بُعد، فما مبرر إعادة العميل إلى الفرع لإجراء يمكن إنجازه رقمياً؟ وإذا كانت هناك حالات مرتفعة المخاطر تستوجب الحضور فعلاً، فيمكن معالجتها بصورة منفصلة ومحدودة، بدلاً من تحويل الحضور الجسدي إلى عبء عام يُفرض على جميع العملاء.
المشكلة أوسع من مجرد قرار تحديث البيانات. فقد ظل السودان يعاني تاريخياً من ضعف الشمول المالي، واتساع الاقتصاد النقدي وغير الرسمي، ومحدودية انتشار الفروع والخدمات المالية خارج المراكز الحضرية. وقد عمّقت الحرب هذه الاختلالات بتعطيل جانب كبير من البنية المصرفية، وتشتيت السكان داخلياً وخارجياً.
في هذا السياق، ينبغي أن يكون هدف السياسة المصرفية إدخال مزيد من المواطنين والأموال إلى النظام المالي الرسمي، لا خلق حوافز تدفعهم إلى الابتعاد عنه. فالشمول المالي لا يعني مجرد فتح حساب، بل قدرة المواطن على استخدامه باستمرار، بتكلفة معقولة، وبسهولة وأمان وثقة. وتؤكد التجارب الأفريقية أن الهاتف المحمول والخدمات المالية الرقمية أصبحا من أهم محركات توسيع الوصول إلى الخدمات المالية، وهو اتجاه ينسجم أصلاً مع الأهداف المعلنة لبنك السودان بشأن الشمول المالي والتحول الرقمي.
في الظروف الطبيعية، يستطيع العميل الذهاب إلى الفرع وتقديم مستنداته بيسر. لكن السودان اليوم ليس في ظروف طبيعية. فماذا يفعل العميل الذي يقيم في منطقة من كردفان أو دارفور لا يوجد فيها فرع عامل يستطيع الوصول إليه بأمان؟ وماذا يفعل النازح الذي أصبح على بعد مئات الكيلومترات من محل إقامته الأصلي؟ وماذا عن السوداني المقيم في الإمارات أو السعودية أو مصر أو تشاد أو أوغندا أو أوروبا وأمريكا؟ وماذا عن كبار السن والمرضى وذوي الإعاقة؟
من غير المنطقي أن تتحول المسافة الجغرافية إلى الفرع، في عصر الخدمات المالية الرقمية، إلى عامل يحدد قدرة المواطن على الوصول إلى ماله. كما أن هناك فرقاً جوهرياً بين عميل يرفض تحديث بياناته رغم قدرته على ذلك، وعميل يتعذر عليه التحديث بسبب الحرب أو النزوح أو توقف الفروع. وإخضاع الحالتين للجزاء نفسه يثير إشكالية حقيقية في التناسب والعدالة الإجرائية.
أثبتت الحرب الأهمية الاستثنائية للخدمات المصرفية الرقمية. فحين أُغلقت الفروع، وتعطلت حركة المواطنين، وأصبح الانتقال بين المدن محفوفاً بالمخاطر، تحولت التطبيقات المصرفية والتحويلات الإلكترونية من خدمات إضافية إلى بنية مالية ضرورية للحياة اليومية.
وهذه التجربة يجب البناء عليها لا التراجع عنها، عبر انتقال أكثر جرأة نحو التحقق الإلكتروني من الهوية (e-KYC)، وربط البيانات بالمصادر الرسمية، والمصادقة متعددة العوامل، والتحقق البيومتري حيثما أمكن، وإتاحة رفع المستندات إلكترونياً، مع اعتماد الاتصال المرئي للحالات التي تحتاج إلى تحقق إضافي. والرقمنة الجيدة لا تتعارض مع مكافحة غسل الأموال، بل يمكن أن تجعلها أكثر كفاءة، لأنها تترك أثراً إلكترونياً قابلاً للتدقيق والمطابقة والمراقبة المستمرة.
المعيار المهني الأهم في هذا السياق هو النهج القائم على المخاطر (Risk-Based Approach)؛ فليس كل العملاء متساوين في درجة المخاطر. فعميل لديه حساب شخصي معروف منذ سنوات، وحركة حسابه متسقة، ويمكن التحقق من هويته إلكترونياً، لا يُقاس بمعيار حساب مجهول المستفيد الحقيقي أو حساب ظهرت فيه معاملات غير اعتيادية.
والضوابط التنظيمية نفسها تقوم أصلاً على تصنيف العملاء والمعاملات بحسب المخاطر، وتطبيق عناية مشددة على الحالات مرتفعة المخاطر تحديداً. لذلك، فالحل ليس التراخي في الامتثال، بل امتثال أذكى وأكثر دقة وتناسباً.
يحتاج بنك السودان والمصارف إلى توضيح دقيق لمعنى الإيقاف والتجميد وآثارهما العملية. هل تتوقف التحويلات الصادرة فقط؟ هل يستطيع الحساب استقبال الأموال؟ ماذا يحدث للرواتب والتحويلات الواردة؟ هل تتوقف التطبيقات المصرفية بالكامل؟ هل يستطيع العميل الاطلاع على رصيده؟ وكيف يعاد تنشيط الحساب بعد التحديث؟
فهناك فرق جوهري بين تقييد خدمات حساب بسبب عدم اكتمال متطلبات KYC، وبين تجميد الأصول في سياقات العقوبات أو الأوامر القانونية أو مكافحة غسل الأموال. واستخدام عبارة «التجميد» من دون تعريف دقيق قد يخلق من القلق أكثر مما يقصده المنظّم نفسه.
هذا احتمال يجب أخذه بجدية. فالعميل الموجود خارج السودان أو في منطقة حرب، إذا اعتقد أنه قد يفقد القدرة على الوصول إلى أمواله بعد انتهاء المهلة من دون أن تتوافر أمامه قناة إلكترونية واضحة، قد يتصرف احترازياً بتحويل أمواله إلى حساب آخر، أو سحبها، أو الاحتفاظ بأرصدة أقل داخل المصرف، أو حتى اللجوء إلى قنوات مالية غير رسمية.
وهنا تكمن المفارقة: إجراء يُراد منه تعزيز سلامة النظام المصرفي قد يدفع، إذا أسيء تصميمه، بعض العملاء إلى الخروج منه، وهو بالضبط عكس الشمول المالي، وقد يضيف أيضاً مخاطر سيولة وسمعة وثقة إلى المصارف نفسها.
يقوم العمل المصرفي في جوهره على الثقة؛ فالعميل يضع أمواله في البنك لأنه يثق بقدرته على الوصول إليها عند الحاجة، وبأن معلوماته ستظل محمية، وبأن القواعد التي تحكم علاقته بالمصرف واضحة ويمكن التنبؤ بها.
وكل توسّع في KYC وفي المراقبة التقنية للمعاملات يجب أن يقابله توسّع مماثل في ضمانات حماية البيانات؛ فمن حق العميل أن يعرف ما البيانات التي يجمعها البنك، وأين تُخزَّن، ومن يستطيع الوصول إليها، وهل تُشارَك مع أطراف أخرى، وما مدة الاحتفاظ بها، وكيف تُصحَّح، وما الذي يحدث عند الاختراق أو التسريب.
أما المخاوف من وصول جهات أخرى إلى البيانات، فينبغي التعامل معها من خلال قواعد واضحة للسرية المصرفية والحوكمة والمساءلة. ولا يوجد في الوثائق المتاحة ما يثبت أن حملة التحديث الحالية ذات غرض أمني أو استخباراتي، ولذلك يجب الفصل بوضوح بين المخاوف المشروعة والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة.
المطلوب ليس إلغاء تحديث البيانات أو التخفيف من مكافحة غسل الأموال، بل إعادة تصميم التنفيذ بما يحقق الامتثال والشمول المالي معاً. وكان يمكن، على سبيل المثال:
هذه ليست تنازلات في مجال مكافحة غسل الأموال، بل ممارسة مصرفية حديثة تجمع بين الامتثال والتكنولوجيا وحماية المستهلك والشمول المالي.
السودان الذي سيخرج من هذه الحرب لن يستطيع إعادة بناء جهازه المصرفي بالاعتماد على نموذج «الفرع والشباك والاستمارة الورقية». فالبلد واسع، والسكان تشتتوا داخلياً وخارجياً، والبنية التحتية المصرفية تعرضت لأضرار كبيرة، بينما أصبحت الهواتف المحمولة والتطبيقات جزءاً أصيلاً من الحياة المالية اليومية.
لذلك يجب أن تقوم إعادة بناء القطاع المالي على مبدأ «الرقمنة أولاً» (Digital First): حسابات منخفضة التكلفة، وتحقق إلكتروني من الهوية (e-KYC)، ومحافظ إلكترونية، وخدمات عبر الهاتف، ووكلاء مصرفيون، وقابلية تشغيل بين المصارف والمحافظ، ومدفوعات حكومية رقمية، مع حماية قوية للمستهلك والبيانات. والهدف بعد الحرب يجب ألا يقتصر على إعادة فتح الفروع التي أغلقتها الحرب، بل أن يمتد إلى الوصول إلى المواطن حتى حيث لا يوجد فرع أصلاً.
تحديث بيانات العملاء ليس المشكلة؛ بل هو إجراء ضروري لحماية المصرف والنظام المالي من الاحتيال وغسل الأموال وتمويل الإرهاب. المشكلة هي أن يتحول التزام مصرفي مشروع إلى حاجز جديد أمام الشمول المالي.
في السودان اليوم، لا يمكن تصميم سياسة مصرفية كما لو أن الحرب لم تقع، وكأن العميل ما زال يعيش بجوار الفرع الذي فتح فيه حسابه قبل سنوات. فهناك نازح ولاجئ ومغترب ومواطن في منطقة حرب، وعميل فقد أوراقه، وآخر يعيش في ولاية لا يعمل فيها فرع للبنك؛ وهؤلاء جميعاً لا ينبغي إخراجهم من النظام المالي لمجرد أنهم لا يستطيعون الوصول إلى مبنى البنك.
بل إن التحدي الحقيقي أمام بنك السودان والمصارف، في مرحلة الحرب وما بعدها، هو العكس تماماً: كيف نجعل البنك يصل إليهم؟
من هنا ينبغي أن تتطور القاعدة التقليدية «اعرف عميلك» إلى مفهوم أوسع: اعرف عميلك، واعرف مخاطر عميلك، واعرف ظروف عميلك، واحمِ بيانات عميلك. فالامتثال والشمول المالي ليسا هدفين متعارضين؛ وفي بلد مزّقته الحرب وشتّتت سكانه وأضعفت جهازه المصرفي، لا يُعدّ التحول الرقمي ترفاً تقنياً، بل أحد أهم شروط إعادة بناء الثقة، وتوسيع الشمول المالي، وإعادة الاقتصاد والمواطن معاً إلى داخل النظام المصرفي الرسمي.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي مستقل
altaghyeer.info