سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

على خلفية التهديد بالعمليات الانتحارية: الإسلامويون والخطأ في مفهوم الجهاد في سبيل الله

على خلفية التهديد بالعمليات الانتحارية‎

‏الإسلامويون والخطأ في مفهوم الجهاد في سبيل الله

خالد أبوأحمد

استمعت قبل أيام إلى مقطع صوتي طاف بالقرية الكونية في ساعات، صوت هائج يخرج من رجل ‏محسوب على الإسلامويين يُهدد فيه بتنفيذ عمليات انتحارية ضد من سماهم (الأعداء). والأعداء في ‏قاموسه ليسوا مليشيا الجنجويد ولا من انشقوا عنها وأياديهم ملطخة بدماء أهلنا في الجزيرة والخرطوم ‏وأمدرمان والفاشر وسنار، بل تحالف (صمود) برئاسة د. عبد الله حمدوك، أما رسالته فموجهة إلى الفريق ‏عبد الفتاح البرهان إن هو فكّر في إدماج (صمود) في العملية السياسية المقبلة، وهم الذين لم يقتلوا أحداً ولم ‏يغتصبوا فرداً ولم يروّعوا الناس، وهم الوحيدون في الساحة السودانية الذين سعوا أولاً في منع وقوع ‏الحرب، فلما وقعت كانوا أول من اجتهد مع الطرفين المتقاتلين في وقفها.‏

قال المتشدد:‏

‏”الحرب دي نحن قاعدين ننكوي بنارها، لدينا سلاح لا طاقة لكم به أيها الأعداء وهو سلاح العمليات ‏‏(الاستشهادية) السلاح الذي هدد إسرائيل وأمريكا والدول العظمى وليس عنا ببعيد. وأنا مستعد أقدم روحي ‏لنسف عدو لله ولرسوله. تفتكروا ما عندنا أدوات.. عندنا ومن ضمنها سلاح (العمليات الاستشهادية) ولدينا ‏من يشتاق إلى لقاء الله وبحديث واحد فقط نقدر نجمع الآلاف من السودانيين. أي راجل مسلم سوداني نقول ‏له تعال هنا الرسول صلى الله عليه وسلم قال من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. أمشي عندنا عدو اعتدى ‏علينا ما عندنا إلا روحنا لننسف العدو”.‏

واستشهد بالآية 74 من سورة النساء: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.‏

ثم وجّه حديثه إلى رئيس مجلس السيادة بصوت مرتبك قائلاً: “يا عبد الفتاح البرهان ابقى راجل تقابل ناس ‏‏(تقدم) والدكتور عبد الله حمدوك وتعيدهم للمشهد مرة أخرى. أنت عدو لله وللرسول سترى منا بأساً يُنسيك ‏وساوس الشيطان”.‏

هذا المقطع لم يكشف رجلاً واحداً، كشف بنية كاملة وفضح الإسلامويين بكل تكويناتهم وأبان جهلهم ‏الفاضح بمعانٍ هي من صميم العقيدة الإسلامية السمحاء، وهو واحد فقط من مفاهيم دينية كثيرة مغلوطة ‏تؤكد بُعدهم عن ديننا الحنيف، أكثر من ثمانية عقود والحركة الإسلاموية تلعب بدين الله لعباً تطبيقاً ‏وتشويهاً. ومن خلال هذا المقال أتناول مفهوم (في سبيل الله) ثم أتطرق إلى العبارة التي اقترنت به كثيراً ‏وهي (الجهاد في سبيل الله) التي خضعت لتأويلات من منسوبي الحركات الإسلاموية اختزلت هذا المعنى ‏العظيم في أطر سياسية وفكرية ضيقة.‏

فلنبدأ من اللغة، السبيل في اللغة هو الطريق الواضح السالك. و(في سبيل الله) تعني في الطريق الموصل ‏إلى مرضاة الله وطاعته، وبناءً على هذا الأصل اللغوي فإن كل عمل صالح يُبتغى به الخير والعدل والنفع ‏العام يدخل تحت هذا المفهوم، الطريق هنا واسع بسعة الحياة نفسها ولم يجعله الله ممراً ضيقاً يمر منه ‏حاملو السلاح وحدهم.‏

‏(سبيل الله)

وإذا انتقلنا من اللغة إلى النص القرآني والسنة وجدنا أن المصادر الإسلامية التأسيسية لم تحصر ‏المصطلح في جانب واحد، ورد في سياق الإنفاق والخدمة المجتمعية والعطاء المالي وإغاثة المحتاجين ‏كما في آيات الزكاة والصدقات ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وورد في طلب العلم والمعرفة التي ‏اعتُبرت أثراً من آثار النبوة فجاء في الحديث “من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع”، ‏وورد في السعي على الرزق وإعالة الأسرة فقد جاء في الآثار أن السعي الشريف لكسب القوت ودعم ‏الضعفاء هو في سبيل الله، وورد في عمارة الأرض وإصلاح المجتمع فكل جهد يهدف إلى رفع الظلم ‏ونشر العدل وإصلاح الأرض ومكافحة الفساد يُعد سبيلاً إلى الله.‏

هكذا يتضح أن (سبيل الله) في جوهره ليس شعاراً سياسياً ولا احتكاراً لفئة، هو مفهوم أخلاقي مفتوح ‏يشمل كل مسار أو جهد يحقق نفع الإنسان وينشر الحق والعدل ويعمر الحياة، المُعلم الذي يعلّم في سبيل ‏الله، والطبيب الذي يداوي في سبيل الله، والأم التي تربي في سبيل الله. والعامل الذي يكدح لقوت أسرته في ‏سبيل الله، أما أن يُختزل هذا الأفق كله في حزام ناسف يمزق أجساد المسلمين في سوق أو مسجد أو ميدان ‏فذلك انقلاب على المعنى وليس أخذاً به.‏

وأثناء بحثي لكتابة هذا المقال زدت علماً وهُزّت مشاعري وأنا أطالع رد سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي ‏الله عنه، وهو يقف بين يدي النجاشي ملك الحبشة. هذا الرد الذي يُعد من أبلغ النصوص التاريخية ‏والإنسانية في التاريخ الإسلامي حيث قدّم فيه رؤية مبكرة شاملة لحقيقة التحول الأخلاقي والفكري ‏ووضّح حقيقة الإسلام بالمعنى الذي يشرح القلب.‏

وقف مندوب قريش يطالب بتسليم المسلمين اللاجئين فوجّه النجاشي سؤاله إلى جعفر: “ما هذا الدين الذي ‏فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟”.‏

فردّ عليه جعفر بن أبي طالب مرافعته العظيمة قائلاً:‏

‏”أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء ‏الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته ‏وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا ‏بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش ‏وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً وأمرنا بالصلاة ‏والزكاة والصيام.‏

‏فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً وحرّمنا ما حرم علينا وأحللنا ‏ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما ‏كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك ‏واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك”.‏

وأعتقد أن ما ذكره سيدنا جعفر أمام ملك الحبشة هو من صميم (في سبيل الله) وقد اجتمع كله في خلاصة ‏عظيمة واحدة، صدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ‏والنهي عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وعبادة الله وحده لا شريك له وإقامة ‏الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان.‏

وتأمل معي أيها القاريء الكريم أين تقع أهمية هذه المرافعة، جعفر لم يبدأ بالسجال العقدي ولا بتفاصيل ‏التشريع، بدأ من القيمة الأخلاقية والإنسانية وركّز على التحول الأخلاقي من أكل الضعيف، وقطع الرحم ‏وإساءة الجوار إلى حماية المال والدم والوفاء بالأمانة، ثم قدّم اللجوء فراراً من القهر والتسلط الفكري ‏والجسدي إلى رحاب العدل وحرية الضمير، وختم بجملة تختصر الرسالة كلها “ورجونا أن لا نُظلم ‏عندك أيها الملك”، هذه هي البطاقة التعريفية الأولى للإسلام كما قدّمها صحابي أمام ملك أجنبي، لم يذكر ‏فيها سلاحاً ولا تفجيراً ولا وعيداً، ذكر الكف عن الدماء ورجاء ألا يقع عليه ظلم.‏

‏(سبيل الله) في فهم الكيزان..!!‏

بالرجوع إلى المقطع الصوتي الذي هدّد فيه ذلك المتشدد الجاهل بتنفيذ ما وصفه بـ(العمليات الاستشهادية) ‏مقروناً بالجهاد في سبيل الله، لا يعلم المسكين أن سجلهم الأسود في حرمة الدم يرمي بهم في نار جهنم ‏خالدين فيها، فإذا استبعدنا ممارسة الكذب وسرقة أموال الناس بالباطل ونهب إمكانيات الدولة الاقتصادية ‏وممارسة التعذيب والاغتصاب في السجون والمعتقلات وحسبنا لهم فقط الإبادة الجماعية في دارفور، ‏وقتل الطلاب العزل في معسكر العيلفون للخدمة الإلزامية، ومجزرة اعتصام القيادة العامة، وما صاحبها ‏من فظائع بلغت حد قتل الشباب ورميهم في نهر النيل، وقتل وتصفية الشباب في أيام ثورة ديسمبر ‏المجيدة، والطريقة البشعة التي قُتل بها الشهيد الأستاذ أحمد الخير عبدالكريم وما تعرض له على يد ‏متخصص في الاغتصاب من جهاز الأمن، شباب مثل الورد أمثال الشهداء عبدالعظيم أبوبكر ومحمد ‏يوسف (الجوني) وعبدالسلام كشة، ومحمد هاشم مطر وحنفي عبدالشكور، ومحجوب التاج محجوب ‏وعباس فرح، والشهيدة ست النفور أحمد بكار والآلاف من أبنائنا وبناتنا.‏

كل هذا الدم لم يسقط في ساحة قتال بين جيشين، سقط في شوارع وميادين ومعتقلات وأمام كاميرات ثم ‏يخرج علينا اليوم من يُعدنا بمزيد منه ويسميه سبيل الله..!.‏

إن دين الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يؤكد حرمة النفس البشرية وعِظم جرم ‏القتل:‏

‏﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (سورة الإسراء: الآية 33)‏

‏﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ ‏جَمِيعًا﴾ (سورة المائدة: الآية 32)‏

‏﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾

ومن الأحاديث النبوية الشريفة “لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» رواه الترمذي والنسائي ‏وصححه الألباني، وفي رواية أخرى عند البيهقي والدينوري “لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا”، ‏وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ”، وذكر منها ‏‏”وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ” متفق عليه، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي ‏صلى الله عليه وسلم “أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ” رواه البخاري ومسلم.‏

‏الإعلامي الذي يطمئن القاتل..!‏

ويبقى أقوى ما يعنينا في هذه اللحظة حديث الوعيد لمن أعان على القتل ولو بشطر كلمة، وهذا خطاب ‏موجّه بالاسم إلى المنتشرين في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الغرف الإعلامية المبثوثة في القاهرة ‏والدوحة وإسطنبول وغيرها، ممن يصنعون المناخ الذي يخرج منه القاتل مطمئناً،عن أبي هريرة رضي ‏الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ‏مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ” رواه ابن ماجه.‏

وبين مرافعة سيدنا جعفر أمام النجاشي ومقطع هذا المتشدد يقف أربعة عشر قرناً، جعفر قال إن ديننا نهانا ‏عن الدماء، وهذا يقول إن ديننا يبيح لي أن أنسف نفسي، وأنسف معي من خالفني في الرأي السياسي، ولو ‏عُرض المقطع على النجاشي لما احتاج مترجماً ليعرف أن هذا ليس الدين الذي وصفه له جعفر.‏

إن المشكلة عندهم ليست في فهم آية أو تأويل حديث، المشكلة أنهم أخذوا الدين كله واختصروه في أداة ‏للسلطة، مبرراً للنهب والتعذيب والتفجير الدين عندهم متغير تابع والسلطة هي الثابت، وهذا وحده يكفي ‏للحكم على دعواهم كلها، ثم إن الجهاد في الإسلام ليس نزوة تخطر على بال رجل غاضب له شروط ‏وضعها العلماء وأحكام لا تسقط بالهوى، له راية معلومة وإمام يُطاع وحق يُدفع عنه العدوان، وله أخلاق ‏تحرّم قتل الشيخ والمرأة والطفل وتحرّم الغدر والتمثيل بالجثث وهدم البيوت على أهلها، وقبل هذا كله له ‏نية خالصة لا تخالطها مصلحة رجل ولا بقاء حزب في السلطة. فأين نظام والغ في الدماء البريئة من هذا ‏كله. من فعل بشعبه ما قرأته قبل قليل لا يملك أن يقف اليوم ليقول إنه يدافع عن الدين، هو الذي أساء إلى ‏الدين أكثر مما أساء إليه خصومه. ‏

ولهذا فإن هذا التهديد بالعمليات الانتحارية لن يخيف أحداً بقدر ما يفضحهم، ويؤكد أهم بعيدون عن ‏الإسلام بمسافة كل نقطة دم أراقوها بغير حق،والدين الذي وصفه جعفر أمام النجاشي دين يحرس ‏الأرواح، ويرد الأمانات ويصل الأرحام ويحسن الجوار ويرجو ألا يقع على أحد ظلم، أما الدين الذي يعِد ‏الناس بالنسف والتفجير فهو صناعتهم وحدهم وليس لله فيه سبيل.‏

مساء الخميس 13 أغسطس 2026م

altaghyeer.info