كمبالا: 14 أغسطس 2026: راديو دبنقا
اعتقلت قوة من المباحث الجنائية، مساء الخميس، الصحفي قرشي عوض بمدينة بربر في ولاية نهر النيل، واقتادته إلى قسم شرطة بربر، على خلفية بلاغ مقدم من جهاز المخابرات السوداني بموجب قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، فيما أدانت نقابة الصحفيين السودانيين وشبكة الصحفيين السودانيين اعتقاله، واعتبرتا احتجازه مساساً بحرية الصحافة وتقييداً للأصوات الناقدة، وطالبتا بإطلاق سراحه وضمان حقوقه القانونية.
ودرج عوض خلال الفترة الماضية على نشر تسجيلات بصورة شبه يومية عبر صفحته على فيسبوك، يتناول فيها القضايا السياسية والاقتصادية والتطورات الجارية، ويقدم قراءته للأحداث بلغة مبسطة ومباشرة.
وفي آخر تسجيلاته، الذي نشره الأربعاء قبل اعتقاله، تناول عوض أوضاع الحركة الإسلامية وطبيعة الكوادر الموجودة داخلها، وقال إن من تبقى من عناصرها لا يمثلون، في تقديره، كوادر فكرية أو سياسية ذات وزن، وإنما يغلب عليهم الطابع الفني والتنفيذي.
وتطرق عوض إلى ما سماه “الخطة جيم”، التي قال إن الإسلاميين قد يلجأون إليها خلال الفترة المقبلة، موضحاً أنها قد تشمل، وفق تقديره، أعمال عنف من بينها التفجيرات والاغتيالات واستخدام العبوات الناسفة في وسائل المواصلات والأماكن العامة، وهي أعمال قال إنهم يطلقون عليها وصف “العمليات الاستشارية”.
وقال إن الرسائل التي تتضمن تهديدات من هذا النوع يجري توصيلها عبر شخصيات وصفها “بالنكرة”، وربط ذلك بغياب قيادات سياسية ذات ثقل داخل الحركة الإسلامية.
وأضاف أن الكوادر الحالية، بسبب انغلاقها على ذاتها، لا تستطيع، بحسب رؤيته، إنتاج مواقف سياسية، الأمر الذي يدفعها إلى العودة إلى ما وصفه بالمواقف المتزمتة للحركة الإسلامية، والاعتماد على الضغط والتهديد وتوصيل الرسائل في محاولة لدفع الآخرين إلى اتخاذ مواقف سياسية تسمح بوجودها.
وقال عوض إن الحركة الإسلامية لم تعد تمتلك سياسيين من “الوزن الثقيل”، بعد رحيل أو غياب عدد من قياداتها السياسية، مشيراً إلى أن من حلوا محلهم هم في الغالب كوادر فنية وتنفيذية وليست سياسية.
وأشار في هذا السياق إلى عدد من القيادات، من بينهم عوض الجاز ونافع علي نافع وعلي كرتي، وقال إن طبيعة عمل هذه الكوادر ارتبطت، بحسب وصفه، بتنفيذ المهام.
ما وراء بلاغ المحابرات
من جانبه، قال الناشط عمار الباقر على صفحته بالفيسبوك إن اعتقال قرشي عوض تم عند الساعة السادسة والربع من مساء الخميس 13 أغسطس، موضحاً أن القوة التي نفذت عملية القبض تتبع للمباحث الجنائية، قبل اقتياده إلى قسم شرطة بربر.
وأضاف أن المعلومات المتوفرة لديه تشير إلى أن البلاغ الذي جرى بموجبه الاعتقال مقدم من جهاز المخابرات السوداني بموجب قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007.
وانتقد توقيت تنفيذ أمر القبض مساء الخميس، وقال إن ذلك يعني إبقاء قرشي عوض في الحبس خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتأخير إجراءات التحقيق وإمكانية الإفراج عنه بالضمانة حتى يوم الأحد.
واعتبر أن تنفيذ أمر القبض في هذا التوقيت يخالف، بحسب إفادته، عدداً من المنشورات القضائية والمنشورات الصادرة عن النائب العام بشأن تنفيذ أوامر القبض ليلة الخميس، خاصة في الحالات التي لا توجد فيها أسباب تدعو للاعتقاد بأن المتهم قد يختفي أو يتهرب من الإجراءات.
وربط بين اعتقال قرشي عوض والدعوات التي أطلقها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان بشأن الحوار السوداني–السوداني، معتبراً أن اعتقال الصحفيين والناشطين يتناقض مع الحديث عن تهيئة الأجواء للحوار وفتح المجال أمام المعارضين للمشاركة في الشأن العام.
وقال إن الطريقة التي جرى بها اعتقال قرشي تعيد إلى الأذهان ما كان يحدث خلال “حوار الوثبة” في عهد الرئيس السابق عمر البشير، عندما كانت البلاغات الجنائية، بحسب وصفه، تستخدم في ملاحقة الأصوات المعارضة بالتزامن مع الدعوات إلى الحوار السياسي.
وأشار الباقر، إلى حالات اعتقال أخرى، من بينها الدكتور أحمد شفا ومنيب عبد العزيز، معتبراً أن استخدام الإجراءات الأمنية والقانونية في مواجهة الناشطين والصحفيين لن يحد من النشاط المعارض، وإنما سيؤدي إلى اتساع حملات التضامن والمطالبة بالحريات.
شبكة الصحفيين السودانيين
وفي الأثناء، انتقدت شبكة الصحفيين السودانيين لجوء السلطات إلى الإجراءات الأمنية في ظل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد نتيجة الحرب والدمار، معتبرة أن تشديد القبضة الأمنية يعيد إلى الأذهان ممارسات حقبة حكم الرئيس السابق عمر البشير.
وقالت الشبكة، في بيان أصدرته الجمعة، إن قرشي ظل خلال الفترة الماضية يؤدي ما وصفته بمهمة “التوعية والتنوير” عبر تسجيلات مرئية يحلل فيها الأوضاع الاقتصادية والسياسية في سياق عمله المهني، مؤكدة أنه لم يرتكب، بحسب البيان، ما يستوجب العقاب أو الملاحقة.
واعتبرت أن اعتقال قرشي عوض يمثل استمراراً لاستهداف الحريات الصحفية وتكميم الأفواه، ورأت أن الانتهاكات والاعتقالات المتكررة تكشف عن استمرار الأساليب الأمنية القديمة في التعامل مع الأصوات المعارضة والناقدة.
وحذرت من استمرار ما وصفته بالاعتقالات التعسفية، وقالت إنها لا تؤدي إلا إلى زيادة حالة الاحتقان، مؤكدة أن قمع الصحفيين والأصوات الناقدة لن يحجب حقيقة الأوضاع التي يعيشها المواطنون.
وطالبت الشبكة بالإطلاق الفوري وغير المشروط لسراح الصحفي قرشي عوض، إلى جانب جميع المعتقلين السياسيين والناشطين، ودعت إلى وقف الاعتقالات والملاحقات واحترام حرية الصحافة والتعبير.
نقابة الصحفيين السودانيين تدين الاعتقال
من جانبها، قالت نقابة الصحفيين السودانيين، في بيان اطلعت عليه (دبنقا) الجمعة، إنها تتابع بقلق بالغ واقعة احتجاز قرشي عوض، مشيرة إلى أنه أودع الحبس دون أن يخضع للتحقيق حتى وقت صدور البيان، ولم يتم إطلاق سراحه بالضمان، فيما لم تتضح مواعيد مثوله أمام النيابة أو بدء إجراءات التحقيق معه.
وأكدت أن احتجاز الصحفيين بسبب ممارستهم لعملهم أو تعبيرهم عن آرائهم يمثل مساساً مباشراً بحرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة، وأن أي إجراءات قانونية بحق الصحفيين يجب أن تلتزم بالضمانات الدستورية والقانونية والدولية للمحاكمة العادلة، وألا تتحول القوانين، بما فيها قوانين الجرائم المعلوماتية، إلى أدوات لتقييد العمل الصحفي أو إسكات الأصوات الناقدة.
وطالبت النقابة بالإفراج الفوري عن قرشي عوض، ما لم توجد ضرورة قانونية واضحة ومحددة تستوجب استمرار احتجازه، مع ضمان مثوله أمام جهة قضائية مختصة في أقرب وقت وتمكينه من حقوقه القانونية كاملة.
كما طالبت السلطات المختصة بالكشف عن الأساس القانوني والوقائع المحددة للبلاغ، وإخطار عوض ومحاميه بطبيعة الاتهامات المنسوبة إليه، وضمان حقه في الدفاع والاستعانة بمحامٍ، ورفضت استخدام الاحتجاز كوسيلة لمعاقبة الصحفي قبل المحاكمة أو لترهيبه بسبب ممارسة العمل الصحفي أو التعبير عن الرأي.
وجددت النقابة موقفها الرافض لسجن وحبس الصحفيين والصحفيات على خلفية بلاغات في قضايا النشر، وطالبت بإلغاء قانون جرائم المعلوماتية، الذي وصفته بأنه مقيد للحريات، وحملت السلطات المختصة مسؤولية سلامة قرشي عوض.
عرمان يطالب باطلاق سراح قرشي
وفي السياق، طالب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديمقراطي، ياسر عرمان، بإطلاق سراح الصحفي قرشي عوض، منتقداً اعتقاله بالتزامن مع الدعوات لإطلاق حوار سياسي في البلاد.
وربط عرمان بين اعتقال عوض وتجميد نشاط الغرفة التجارية بالدويم عقب احتجاج التجار على الرسوم والجبايات، معتبراً أن التضييق على الأصوات المنتقدة يتناقض مع الحديث عن تشكيل لجنة للحوار في ظل استمرار الحرب.
وشدد على أن وقف الحرب يمثل الشرط الأساسي لأي حوار أو عملية سياسية، إلى جانب توسيع الفضاء المدني وتقليص الفضاء العسكري، وإطلاق سراح المعتقلين والأسرى، والبحث عن المفقودين، واتخاذ بقية إجراءات تهيئة المناخ.
وأكد عرمان ضرورة ارتباط السلام بالعدالة والحرية، كما دعا إلى تعويض المتضررين من الحرب ومن نهبت ممتلكاتهم، والعمل على بناء جيش وطني مهني واحد.
dabangasudan.org