
أعاد احتجاز الصحفي قرشي عوض في مدينة بربر بولاية نهر النيل ملف الاعتقالات والملاحقات التي يتعرض لها الصحفيون السودانيون إلى الواجهة، في ظل تزايد استخدام الإجراءات الأمنية والبلاغات الجنائية والقوانين المتعلقة بالنشر وجرائم المعلوماتية ضد العاملين في وسائل الإعلام منذ اندلاع الحرب.
الخرطوم ــ التغيير
وقالت نقابة الصحفيين السودانيين، اليوم الجمعة، إن قوة من المباحث الجنائية احتجزت عوض مساء أمس الخميس 13 أغسطس، واقتادته إلى قسم شرطة بربر، على خلفية بلاغ قالت إن المعلومات المتوفرة تشير إلى تقديمه من مقدم في جهاز المخابرات السوداني، بموجب قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007.
وأوضحت النقابة أن الصحفي قرشي عوض أُودع الحبس ولم يخضع للتحقيق حتى الآن، كما لم يُفرج عنه بالضمان، بينما لم تتضح مواعيد مثوله أمام النيابة أو بدء إجراءات التحقيق معه.
ودرجت السلطات في السودان تنفيذ القبض على الصحفيين كعادتها نهاية يوم الخميس لتعطيل إجراءات الضمان إن وجدت في ظل الإجازة الرسمية في داووين الحكومة و خاصة النيابة يومي الجمعة و السبت لترك المحتجز رهن الاعتقال التعسفي.
ويأتي احتجاز عوض بعد أشهر من ورود اسمه ضمن قائمة تضم 28 صحفياً وإعلامياً قالت لجنة العدالة في أبريل الماضي إنهم مطلوبون لدى نيابة أمن الدولة في بورتسودان، في مؤشر على اتساع نطاق الملاحقات القانونية والأمنية التي تطال الصحفيين على خلفية نشاطهم المهني أو ما ينشرونه من مواد وآراء.
وفي يوليو الماضي، أدانت نقابة الصحفيين ومحامو الطوارئ إجراءات قانونية طالت 17 صحفياً وصحفية في ولاية البحر الأحمر، بعد أن باشرت نيابة جرائم المعلوماتية إجراءات بحقهم وأصدرت أوامر قبض بحق المشمولين بها، على خلفية نشر أخبار وتقارير تتعلق بمزاعم فساد.
وتتزامن قضية قرشي عوض كذلك مع استمرار ملف صحفيين آخرين تعرضوا للاعتقال والاحتجاز لفترات طويلة. ومن أبرز هذه الحالات المصور الصحفي عبد العزيز محمود صالح «عرجة»، الذي ظل محتجزاً في بورتسودان لأكثر من عام، بعد اعتقاله في أبريل 2025، وفق توثيق نقابة الصحفيين السودانيين ومنظمات حقوقية.
وكان «عرجة» قد تعرض قبل ذلك للاعتقال من جانب قوات الدعم السريع في دارفور، قبل أن يُعاد اعتقاله في بورتسودان، ما يعكس، وفق مراقبين، حجم المخاطر التي بات يواجهها الصحفيون في مناطق سيطرة أطراف النزاع المختلفة. وقد أُفرج عنه مؤخراً بعد قرار قضائي بشطب الدعوى، وفق ما أوردته مصادر صحفية سودانية.
كما برزت خلال الفترة الأخيرة قضية الصحفي الريح عصام الدين «جكسا»، المُعتقل بواسطة قوات درع السودان في مدينة ود مدني، ولا يزال رهن الاحتجاز، وسط غياب معلومات معلنة بصورة كافية حول أسباب الاعتقال أو الإجراءات القانونية المتخذة بحقه.
وتوثق نقابة الصحفيين السودانيين منذ اندلاع الحرب حالات متعددة من الاعتقال والاختفاء القسري التي طالت صحفيين وعاملين في المؤسسات الإعلامية. ففي مارس الماضي، قالت النقابة إنها رصدت ثلاث حالات اختفاء قسري وأربع حالات اعتقال، بينها صحفيون ظل بعضهم محتجزاً لفترات وصلت إلى عام كامل.
ولم تقتصر الانتهاكات على طرف واحد من أطراف الحرب؛ إذ سبق أن وثقت النقابة اعتقال قوات الدعم السريع لصحفيين في دارفور، بينهم معمر إبراهيم الذي اعتُقل في الفاشر، وعصام محمد هارون الذي تعرض للاختفاء القسري ثم أعيد اعتقاله، إلى جانب حالات أخرى لا تزال أماكن احتجاز أصحابها مجهولة.
وترى نقابة الصحفيين أن تكرار الاعتقال والاحتجاز والاختفاء القسري يمثل تهديداً مباشراً لحرية الصحافة، خصوصاً عندما تتحول القوانين المتعلقة بالنشر والجرائم المعلوماتية إلى أدوات لملاحقة الصحفيين بسبب ما ينشرونه أو يعبرون عنه.
وأكدت النقابة رفضها سجن أو حبس الصحفيين والصحفيات على خلفية بلاغات تتعلق بقضايا النشر، وجددت مطالبتها بإلغاء قانون جرائم المعلوماتية، معتبرة أنه «مقيد للحريات».
وشددت على أن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني إعفاء الصحفيين من المساءلة القانونية، وإنما ضمان ألا تتحول الإجراءات القانونية إلى وسيلة لمعاقبتهم على ممارسة مهنتهم، وأن تتم أي محاسبة وفق قانون عادل وضمانات المحاكمة العادلة.
وطالبت النقابة بالإفراج الفوري عن قرشي عوض ما لم توجد ضرورة قانونية واضحة ومحددة لاستمرار احتجازه، وتمكينه من حقوقه القانونية، بما في ذلك الاستعانة بمحامٍ ومعرفة طبيعة الاتهامات الموجهة إليه.
وتشير سلسلة الاعتقالات والملاحقات الأخيرة إلى أن الصحافة السودانية لا تواجه فقط مخاطر الحرب المباشرة، وإنما تواجه أيضاً بيئة أمنية وقانونية ضاغطة في مناطق سيطرة أطراف النزاع، الأمر الذي يضع حرية الصحافة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات أمام تحديات متزايدة.
altaghyeer.info