
شدد مهتمون بقضية مكافحة خطاب الكراهية في السودان على ضرورة مواجهة الظاهرة عبر نشر الوعي وفتح النقاش حول القضايا المسكوت عنها والاعتراف بالأخطاء والمظالم التاريخية، إلى جانب إنتاج خطاب وطني جديد يقوم على قبول الآخر ونبذ الكراهية، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية تتضمن العدالة الانتقالية، ووضع خارطة طريق مختلفة عن المسارات التي قادت البلاد إلى الحروب.
كمبالا ــ التغيير
جاء ذلك خلال ندوة بعنوان «خطاب الكراهية خلال الحرب الأخيرة: التحديات والحلول والمعالجات»، نظمتها صحيفة «التغيير» الإلكترونية بالتعاون مع مركز الخاتم عدلان للاستنارة، بمشاركة رئيسة تحرير الصحيفة رشا عوض، والدكتور جمعة كندة، والباحث الاجتماعي ومدير مشروع الفكر الديمقراطي شمس الدين ضو البيت وعدد من المهتمين و الباحثين.
وأكدت رشا عوض أن مواجهة خطاب الكراهية يجب أن تبدأ من مستوى الوعي وبطرق غير تقليدية، داعية إلى مناقشة القضايا المسكوت عنها والاعتراف بأخطاء ومظالم الماضي، مشيرة إلى أن المجتمع السوداني يحتاج إلى الاعتراف بوجود العنصرية داخله، وأن يعمل الأشخاص الأكثر وعياً على نقل هذا الوعي إلى مكوناتهم الاجتماعية.
وقالت عوض إن الحفاظ على وحدة السودان يتطلب إنتاج خطاب وطني جديد يقوم على الاعتراف المتبادل بالأخطاء، ونبذ خطاب الكراهية، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية تشمل العدالة الانتقالية والاعتراف بالمظالم، إلى جانب وضع خارطة طريق مختلفة عن تلك التي قادت البلاد إلى الحروب.
وقدمت عوض ورقة بعنوان «خطاب الكراهية وحرب السودان»، أوضحت فيها ضرورة التمييز بين خطاب الكراهية والنقد السياسي والفكري المشروع، مشيرة إلى أن الخلط بينهما قد يؤدي إلى التضييق على حرية التعبير.
ونوهت إلى أن انتشار الإنترنت، ولا سيما منصات التواصل الاجتماعي، أسهم في تفشي خطاب الكراهية، مستفيدة من إمكانية استخدام هويات مجهولة أو غير حقيقية، بما يتيح نشر محتوى دون ضوابط أو مساءلة مباشرة.
وأشارت إلى أن منصات التواصل الاجتماعي بدأت في حذف بعض العبارات والمحتويات التي تتضمن خطاب كراهية، إلا أن مستخدمين يلجأون إلى التحايل على خوارزميات الرصد عبر تغيير المفردات المستخدمة، مؤكدة أن العالم بدأ يدرك خطورة انتشار هذا الخطاب عبر الإنترنت.
وتطرقت عوض إلى الآثار السياسية والاجتماعية لخطاب الكراهية الذي تصاعد بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، معتبرة أن الجديد في الحرب الحالية يتمثل في اتساع نطاقها ووصولها إلى مناطق لم تشهد حروباً من قبل.
وقالت إن الانتهاكات من قتل واغتصاب ونهب وسلب ليست ظاهرة جديدة في السودان، إذ شهدت البلاد انتهاكات مماثلة، وأحياناً أكثر فظاعة، منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن غياب وسائل التواصل الاجتماعي والتوثيق الواسع حال دون انتشارها بالصورة التي تشهدها البلاد حالياً.
وأضافت أن وصول الحرب إلى الخرطوم والجزيرة وسنار وغيرها من المناطق التي لم تكن معتادة على الحروب، جعل قطاعات واسعة من السودانيين يواجهون للمرة الأولى صوراً مباشرة للقتل والانتهاكات، ما أسهم في تصاعد الصدمة المجتمعية وخطاب الكراهية.
وحذرت عوض من توظيف خطاب الكراهية في مشاريع تقسيم السودان، معتبرة أن بعض القوى السياسية تسعى إلى استغلال الانقسامات المجتمعية لتحقيق أهداف تتعلق بالسلطة، ومحذرة من أن خطاب التقسيم قد يفتح الباب أمام مشاريع انفصالية مقابلة في مناطق أخرى من البلاد.
وشددت على أن خطاب الكراهية أصبح ظاهرة مؤسسية، ما يتطلب معالجته عبر إصلاح منظومات التربية والتعليم والمناهج، وإعادة هيكلة الدولة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، مؤكدة أن السودان يحتاج إلى ترتيبات جديدة تتجاوز نموذج الدولة المركزية.
كما دعت إلى عدم إغفال أثر الخطاب الديني، مشيرة إلى وجود أفكار ومناهج دينية يمكن أن تؤسس لكراهية المختلف دينياً، ودعت إلى مناقشة هذه الأفكار وتصويبها حتى لا تتحول الكراهية إلى ممارسة مغطاة بغطاء ديني.
من جانبه، قال الدكتور جمعة كندة إن خطاب الكراهية لا يقتصر على النصوص المكتوبة أو المسموعة، وإنما يشمل مختلف أشكال التعبير والإيحاءات التي تحمل سمات الازدراء، بما في ذلك إمكانية تحول النكات إلى أدوات لخطاب الكراهية.
واعتبر كندة أن خطاب الكراهية في السودان يرتبط بسوء إدارة التنوع منذ بدايات تأسيس الدولة، موضحاً أن الظاهرة تحولت من نتيجة لأزمات اجتماعية وسياسية إلى سبب في تعميقها، في ظل غياب مشروع متكامل لبناء الدولة الوطنية والمؤسسات والهوية الجامعة.
وقال إن خطاب الكراهية كان حاضراً في الحروب السودانية السابقة، لكن الحرب الحالية نقلته إلى مناطق لم تعرف الحرب في السابق، ما أدى إلى اتساع نطاقه وتأثيره.
وحذر من خطورة تحول خطاب الكراهية إلى ممارسة مؤسسية داخل الدولة، خاصة عندما تصدر من مسؤولين وقيادات سياسية وأمنية، لأن ذلك يمنحه نوعاً من الحصانة ويحول الظاهرة إلى جزء من الممارسة السياسية.
ودعا كندة إلى أن تبدأ معالجة الظاهرة بالاعتراف الفردي والجماعي بوجود خطاب الكراهية وتجذره في الثقافة والممارسة السياسية السودانية، بما يشمل اعتراف مؤسسات الدولة والقوى السياسية بمسؤوليتها عنه.
وأشار إلى أن خطاب الكراهية يستهدف المساحات المشتركة بين السودانيين، ما يستدعي تنسيق الجهود الوطنية والدولية لمواجهته، مقترحاً إنشاء مرصد قومي سوداني، أو مرصد مدعوم دولياً، لمناهضة خطاب الكراهية، على أن يجمع بين الأبعاد القانونية والإعلامية والثقافية والاجتماعية.
بدوره، اعتبر الباحث الاجتماعي ومدير مشروع الفكر الديمقراطي، شمس الدين ضو البيت، أن خطاب الكراهية في السودان ليس ظاهرة جديدة، بل له جذور عميقة في الثقافة والممارسة السياسية.
وقال إن الدولة السودانية تأسست، في جانب منها، على خطاب كراهية تعود جذوره إلى نحو مئتي عام، منذ الغزو التركي المصري للسودان عام 1821.
وأشار ضو البيت إلى عاملين أساسيين أسهما، بحسب رؤيته، في تكوين جذور خطاب الكراهية؛ أولهما دخول تيارات سلفية إلى المجتمع السوداني، الذي وصفه بأنه كان مجتمعاً صوفياً يقوم في الأساس على قبول الآخر المختلف.
أما العامل الثاني، بحسب ضو البيت، فيتمثل في تقنين ممارسة الاسترقاق، التي كانت موجودة اجتماعياً قبل الحكم التركي المصري، قبل أن تتحول إلى ممارسة منظمة ومقننة في ظل الدولة التركية المصرية.
ودعا ضو البيت إلى القطيعة مع خطاب الكراهية، واعتماد الفصل بين الدين والدولة في أي نظام سياسي، إلى جانب مواجهة خطاب الكراهية عبر إصلاح المناهج التعليمية وترسيخ ثقافة الاحترام والتعايش والمحبة.
تفاصيل أوفى لآحقاً
altaghyeer.info