سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

هل فقدت الآلية الخماسية بوصلتها في السودان

 

هل فقدت الآلية الخماسية بوصلتها في السودان؟
صالح عمار

يدور هذه الأيام جدل واسع حول دور الآلية الخماسية وقدرتها على تسهيل العملية السياسية بين الأطراف السياسية في السودان. وهو جدل بالغ الأهمية لأكثر من أربعين مليون سوداني يترقبون أي بارقة أمل يمكن أن تقود إلى وقف الحرب الأكثر دموية في العالم حالياً.
تتكون الآلية الخماسية من خمس منظمات دولية وإقليمية معنية بالشأن السوداني، هي: الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والإيغاد، والجامعة العربية. وقد جاء تكوينها بعد إطلاق أربع دول، هي الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية، بيانها الشهير في 12 سبتمبر 2025، الذي وضع خارطة طريق للحل، مؤكداً على وحدة السودان، والوقف الفوري للحرب، والهدنة الإنسانية، واستبعاد الحركة الإسلامية المصنفة إرهابية.
واكتمل تشكيل الآلية الخماسية بصورتها الحالية في نوفمبر 2025، أي بعد نحو شهرين من بيان الرباعية. وبينما ركزت الرباعية على قضايا وقف إطلاق النار وانسياب المساعدات الإنسانية والتواصل مع طرفي الحرب، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، أُنيط بالخماسية دور جمع الفرقاء السياسيين والدفع بالحوار السياسي إلى الأمام.
غير أن الآلية الخماسية عانت منذ نشأتها من عيوب بنيوية أساسية، وهي تمثل جوهر المعضلة التي تواجهها اليوم.
أول هذه العيوب أنها لم تنشأ بموجب قرار رسمي من الأمم المتحدة يحدد تفويضها ومهامها والعلاقات بين أطرافها وهياكلها، كما كان الحال في تجارب مثل “يوناميد” و”يونيتامس”. ونتيجة لذلك ظلت طبيعة العلاقات بين مكوناتها الخمسة، بل وحتى حدود مهمتها نفسها، غير محددة بصورة واضحة، الأمر الذي فتح الباب أمام فراغات تنظيمية وتحركات تفتقر أحياناً إلى الضوابط اللازمة وتخضع لرؤية كل منظمة منفردة او حتى الاشخاص الذين يمثلونها.
أما العيب الثاني، والمرتبط مباشرة بالأول، فهو أن الآلية لم تعلن مبادئ واضحة أو رؤية محددة تسترشد بها في عملها، كما فعلت الرباعية في بيانها التأسيسي. وبذلك منحت نفسها مساحة واسعة للحركة تحت عناوين عامة مثل تحقيق السلام والتوافق بين القوى المدنية، وهي شعارات مهمة بلا شك، لكنها تظل فضفاضة ومجردة، ولا تصلح وحدها كأساس سياسي واضح يمكنه أن يشكل قاعدة انطلاق لعملية سياسية ذات مصداقية.
وقاد هذا الغموض بدوره إلى العيب الثالث، إذ تحولت الخماسية عملياً إلى جهة تمتلك صلاحيات واسعة تصل إلى حد تحديد قضايا الحوار وأطرافه ومواعيده، وإدارة تفاصيله الأساسية الاخرى، وذلك من دون توافق مسبق من الأطراف السودانية نفسها، رغم تأكيدها المستمر أن الحوار يجب أن يكون سودانياً سودانياً.
وبسبب هذه العيوب من جهة، وتعقيدات المشهد السوداني من جهة أخرى، لم تنجح محاولات جمع الفرقاء السياسيين خلال شهور طويلة.
وفي يونيو 2026 عُقدت أول جولة من المشاورات السياسية دعت اليها الخماسية في اديس ابابا، لكنها كادت أن تنهار منذ ساعاتها الأولى بسبب الطريقة التي تعاملت بها الخماسية مع مسألة التمثيل السياسي. وذلك بسبب منحها طرفاً مسانداً لسلطة بورتسودان وضعية كتلة سياسية تفوقت من حيث عدد المقاعد على كتل مثل “صمود” و”تأسيس” والكتلة الديمقراطية، واعتبرتها الكتلة الأولى ضمن أربع كتل، من دون أن تقدم الخماسية دليلاً واضحاً يبين طبيعة هذه الكتلة أو أسس تكوينها. لقد منحت الخماسية نفسها الحق في تحديد اطراف العملية السياسية، دون مشاورات مع اصحاب المصلحة، وباتت طريقتها فرض الامر الواقع.
ورغم ذلك، أظهرت القوى السودانية المشاركة قدراً كبيراً من المسؤولية. فقد واصلت أطراف عديدة، من بينها “صمود”، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، وحزب البعث، وحزب الامة (مبارك الفاضل) وحزب المؤتمر الشعبي وقوى وشخصيات من المجتمع المدني، إضافة إلى الكتلة الديمقراطية، الحوار المباشر وغير المباشر فيما بينها، وتمكنت من التوصل إلى رؤيتين بشأن مستقبل الحوار وآلياته، وسلمتهما إلى الخماسية يوم 4 يونيو 2026.
وكان من المتوقع أن تشكل هذه التفاهمات أساساً لجولة جديدة من الحوار والحراك السياسي، إلا أن الخماسية تجاهلت ذلك تماما وفاجأت الأطراف السودانية بدعوة جديدة تبدا من الصفر وكأن شئيا لم يحدث، وطلبت منهم الحضور خلال أيام إلى أديس أبابا، ومن دون أجندة واضحة، لتعيد طرح الأسئلة ذاتها: ما رؤيتكم لحل الأزمة السودانية؟ وما الذي ينبغي أن تقوم به الخماسية؟ وذلك رغم أن هذه الأسئلة كانت قد أُجيب عنها بالفعل في الوثائق التي تسلمتها الآلية من الأطراف المشاركة، وكان المتوقع أن تعد الخماسية برنامج عمل أو أفكاراً بناءً عليها.
وكانت النتيجة الحتمية نتيجة ذلك مقاطعة غالبية القوى السياسية والمدنية للمشاورات التي أصرت الخماسية على عقدها في نهاية يوليو الماضي بأديس أبابا.
وهنا برز السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه اليوم: من يملك العملية السياسية السودانية؟ هل هم السودانيون أنفسهم أم الآلية الخماسية؟
لقد وجدت القوى السياسية السودانية نفسها في موقع يطالب الخماسية بالعودة إلى دورها الطبيعي كمُيسّر للحوار، لا كمالك له. فالمطلوب منها أن تساعد الأطراف السودانية على التوافق، لا أن تتولى نيابة عنها تحديد القضايا والأطراف والمسارات وكل مايتعلق بالعملية السياسية.
وإذا كانت هناك خطوة قد تقود إلى فشل الخماسية بصورة كاملة، فهي الإصرار على المضي في “اختراع” كتلة رابعة لا وجود لها، إلى جانب التساهل في مسألة إشراك الحركة الإسلامية التي يقودها علي كرتي.
وفي المقابل، وكنتيجة لموقفها الرافض للحرب والتبعية، تدرك القوى المدنية أنها تتعرض بصورة دائمة لمحاولات تشويه أمام الرأي العام، وإظهارها بوصفها بعيدة عن هموم السودانيين ومعاناتهم. وتتحمل الحركة الإسلامية الارهابية بقيادة علي كرتي النصيب الأكبر من صناعة هذه الصورة الذهنية، بينما تسهم فيها أحياناً أطراف داخلية وخارجية أخرى.
ومع ذلك، فإن الاختلاف بين القوى المدنية ليس أمراً استثنائياً، بل هو سمة طبيعية في كل التكوينات الديمقراطية التي تسعى إلى تمثيل التنوع والتعدد. غير أن الحالة السودانية أكثر تعقيداً بسبب إدخال مكونات عسكرية أو قوى مؤيدة للحرب ضمن تصنيف القوى المدنية. فهناك أطراف مدنية معروفة تتمتع باستقلالية واضحة وعملت لسنوات ضد الحرب، مثل قوى إعلان نيروبي، في حين توجد قوى أخرى صُنفت مدنية رغم ارتباطها الوثيق بأطراف الحرب وتقييد هامش حركتها السياسية. ولذلك يصبح من غير المنصف تحميل القوى المدنية المستقلة مسؤولية مواقف أو خيارات أطراف مرتبطة بالحرب. ومع الإشارة إلى أنه، رغم هذا الواقع المعقد، فقد استطاعت قوى مدنية بقيادة “صمود” الاستمرار في الحوار مع القوى السياسية المرتبطة بأطراف الحرب، ووصلت معها إلى حد معقول من التفاهمات، التي فشلت الخماسية في الدفع بها إلى الأمام.
وفي النهاية، فإن ما ينتظره السودانيون بصورة عاجلة هو أن تعيد الخماسية ترتيب نفسها ومراجعة منهج عملها. ويبدأ ذلك بتقليص تأثير الأشخاص أو الجهات داخلها المنحازين لرؤى أطراف الحرب السودانية وحلفائهم الإقليميين، مع تعزيز التنسيق مع الرباعية والالتزام بالمبادئ التي طرحتها. وعندها فقط يمكن للخماسية أن تكون الية مناسبة لتيسير الحوار السوداني تجد القبول من الاطراف السياسية السودانية.

altaghyeer.info