
حركة إسلامية أفغانية، تأسست من طلاب المدارس الدينية عام 1994 وسيطرت على المدن والمحافظات الرئيسية في أفغانستان. هدفت لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد عقب انسحاب الاحتلال السوفياتي عام 1989 والصراع على السلطة الذي خلف فوضى عارمة فيها، قبل أن يتطور هدفها إلى إقامة حكومة إسلامية.
و"طالبان" هي جمع كلمة "طالب" في لغة البشتو؛ إذ ينتمي معظم أفراد الحركة إلى القومية البشتونية التي يتركز معظم أبنائها في شرق وجنوب البلاد، ويمثلون نحو 40-60% من تعداد الأفغان.
دامت فترة حكم طالبان الأولى خمس سنوات، قبل أن تخسر السلطة عام 2001 عقب الاحتلال الأمريكي الذي تذرّع بأحداث 11 سبتمبر/أيلول ليشنّ حربا عليها استمرت 20 عاما، قبل أن تعلن الحركة في 15 أغسطس/آب 2021 سيطرتها على القصر الرئاسي في كابل، وانسحاب قوات التحالف التي كانت تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان، وانتهاء الحرب، لتعود السلطة إلى الحركة مجددا.
نشأت الحركة الإسلامية لطلبة المدارس الدينية -المعروفة باسم "طالبان"- عام 1994 في ولاية قندهار، جنوب غربي أفغانستان، على الحدود مع باكستان، على يد الملا محمد عمر مجاهد، إذ كان يرغب في القضاء على مظاهر الفساد الأخلاقي، وإعادة أجواء الأمن والاستقرار إلى أفغانستان. وساعده على ذلك طلبة المدارس الدينية الذين بايعوه أميرا لهم عام 1994.
وقيل إن التشاور بشأن تشكيل الحركة تم بدعوة المؤسسين إلى بيت الملا على وليمة عقيقة ابنه، وإنه كان يطوف ومن معه على دراجات نارية على الحلقات الدينية، فتمكن من إقناع 53 شخصية دينية و13 طالبا، نقلهم إلى قرية "كشك نخود" يوم 15 يناير/كانون الثاني 1994، فكان يوم تأسيس حركة طالبان.
إعلانإبان ظهور طالبان، كانت حكومة القائدين الأفغانيين برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود تسيطر على سبع ولايات فقط في شمال ووسط أفغانستان، في حين كان يسيطر القائد الشيوعي السابق رشيد دوستم على ست ولايات في الشمال، وكانت قوات "شورى ننغرهار" تحكم ثلاث ولايات في الشرق، وإدارة إسماعيل خان تتحكم في غرب أفغانستان، إضافة إلى العديد من الولايات التي كانت من دون أي نوع من الإدارة.
وفي 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1994، أعلنت طالبان على لسان الناطق الرسمي باسمها الملا عبد المنان نيازي، بعد أن استولت على مديرية سبين بولدك، أن هدفها يتمثل في استعادة الأمن والاستقرار وجمع الأسلحة من جميع الأطراف، وإزالة مراكز جمع الإتاوات التي سلبت الناس أموالهم من الطرق العامة.
لكن بعد أن استولت الحركة على عدد من الولايات ولقيت قبولا مبدئيا لدى قطاعات عريضة من الشعب الأفغاني، طورت أهدافها، لتصبح إقامة حكومة إسلامية. وفي 3 أبريل/نيسان 1996، بايع 1500 من العلماء من مختلف أنحاء أفغانستان الملا محمد عمر ولقبوه بأمير المؤمنين.
وفي سبتمبر/أيلول 1996، سقطت كابل في يد طالبان بعد انسحاب القوات الحكومية منها إلى الشمال، وأعدمت الحركة ليلة دخولها العاصمة رئيس البلاد الشيوعي السابق نجيب الله.
تتمثل أبرز أهداف طالبان وفق ما نشرته بـ:
ساعدت عوامل عدة على سرعة انتشار حركة طالبان وإقبال الأفغان عليها في العديد من الولايات، خاصة الجنوبية والشرقية، رأى على إثرها الناس في الحركة وسيلة لتخليص أفغانستان من ويلات الحروب وإعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد وتوحيدها، مما مهد الطريق أمام الحركة للتوسع والسيطرة.
فقد تزامن ظهور طالبان مع فترة كانت أفغانستان تعاني فيها تبعات حروب أهلية طاحنة، نشبت بين فصائل المعارضة صراعا على السلطة، كما كان يسود البلاد انفلات أمني، تمثل في اختطاف السيارات، خاصة التابعة للمؤسسات الإغاثية، وأعمال السلب والاشتباكات المسلحة التي كانت تقع بين المجموعات المسلحة داخل الأماكن المزدحمة، مما أسفر عن عشرات القتلى ومئات الجرحى.
إعلانوكانت الفوضى قد دبت في الجسد الأفغاني بعد دحر قوات الاحتلال السوفياتي نهاية ثمانينيات القرن العشرين، وانقسمت أفغانستان بين الجماعات والفرق المتصارعة، وأصبحت وحدة البلاد مهددة نتيجة لذلك، ولم يكن أمام السكان قوة موحدة تجبرهم على احترام القوانين والتقيد بالأمن العام.
كذلك، فكان الفساد منتشرا نتيجة رواسب الحقبة الشيوعية التي عاشتها أفغانستان، وتحكم القائد الشيوعي رشيد دوستم في بعض الولايات، والفوضى الإدارية التي جعلت من الصعوبة على جهة معينة محاربة الرذائل التي انتشرت في المجتمع الأفغاني المحافظ بطبيعته، فلقيت حركة طالبان -التي أخذت على عاتقها محاربة مثل هذه المظاهر- صدى طيبا في نفوس الأفغان.
حظيت حركة طالبان بعد ظهورها بدعم من باكستان، التي سعت إلى التعاون مع حكومة صديقة لتسهيل عمليات التبادل التجاري بينها وبين جمهوريات آسيا الوسطى، ولم تجد بغيتها في حكومة رباني ومسعود التي اتهمتها بالتعاون مع الهند، فلما ظهرت طالبان سارعت باكستان إلى دعهما والتعاون معها، فكانت باكستان أول دولة في العالم تعترف بحكومة طالبان في 25 مايو/أيار 1997.
أما الولايات المتحدة فقد سعت في البداية إلى مواجهة الأصولية الأفغانية بأصولية أكثر تشددًا منها، بما يتيح إقصاء القوى المتنافسة وإفساح المجال أمام جماعة أصولية واحدة يمكن تطويعها لاحقًا بما يخدم المصالح والسياسة الأمريكية.
كما هدفت إلى الحد من النفوذ الإيراني ومنع تمدده شرقًا، ولا سيما نحو جمهوريات آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين، التي تضم احتياطيات نفطية ضخمة تُعد من الأكبر عالميًا بعد منطقة الخليج العربي.
وفي هذا السياق، لم تُبدِ الولايات المتحدة اعتراضًا على تقدم حركة طالبان، ولم تقف في طريق تمددها. غير أن تضارب المصالح سرعان ما غيّر طبيعة العلاقة؛ لتتحول طالبان من طرف يمكن توظيفه في الحسابات الأمريكية إلى أحد ألد خصومها.
طالبان حركة إسلامية سنية تعتنق المذهب الحنفي، وترى وجوب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. تعلم أفراد الحركة في المدارس الدينية الديوبندية -نسبة إلى قرية ديوبند في الهند- وتأثروا بالمناهج الدراسية لهذه المدارس؛ مما انعكس على أسلوبهم في الحكم. وركزت تلك المدارس على العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والسيرة، إضافة إلى بعض العلوم العصرية التي تدرس بطريقة تقليدية.
وفي هذه المدارس، يتدرج الطالب من مرحلة إلى أخرى، فيبدأ بالمرحلة الابتدائية ثم المتوسطة فالعليا والتكميلية، ثم يقضي عاما يتخصص فيه في دراسة علوم الحديث، فيما يُسمّى "دورة الحديث".
وأثناء الدراسة، تتغير مرتبة الطالب العلمية فيطلق عليه لفظ "طالب" الذي يجمع في لغة البشتو على "طالبان"، وهو كل من يدخل المدرسة ويبدأ التحصيل العلمي، ثم يصبح "مُلّا"، وهو الذي قطع شوطا في المنهج ولم يتخرج بعد، وأخيرا "مولوي"، وهو الذي أكمل المنهج وتخرج من دورة الحديث، ووضعت على رأسه العمامة وحصل على إجازة في التدريس.
ترى طالبان أن القرآن والسنة هما دستور الدولة الإسلامية، ولذلك تعتقد أنه لا أهمية لوضع دستور أو لائحة لتنظيم شؤون الدولة. كما ترفض استعمال لفظ الديمقراطية، لأنه "يمنح حق التشريع للشعب وليس لله".
وتعتبر الحركة أمير المؤمنين بمثابة الخليفة، ينتخبه أهل الحل والعقد، ولا توجد مدة محددة لتوليه المنصب، ويتم عزله فقط في حالة العجز أو الموت، أو إذا أتى ما يخالف الدين. ويتمتع بنوع من السيطرة الروحية على الأفراد الذين يعدون مخالفته معصية شرعية.
إعلانتهتم الحركة اهتماما كبيرا بالمظهر الإسلامي كما تتصوره، فتأمر الرجال بإطلاق اللحى ولبس العمامة، وتمنع إطالة الشعر وتحرّم الموسيقى والغناء والصور، وتمنع عمل المرأة خارج بيتها، وتشرف على تنفيذ ذلك هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كما لا تسمح الحركة بتشكيل أحزاب سياسية جديدة، ولا تقبل الأحزاب الموجودة، ويقول مؤسس الحركة في ذلك إنه رفضها لأنها "تقوم على أسس عرقية وقبلية ولغوية، وهي نوع من العصبيات الجاهلية، الأمر الذي تسبب في مشاكل وعداء وفرقة بين الناس".
لا تمتلك الحركة هيكلًا إداريًا واضحًا أو لوائح تنظّم شؤونها الداخلية وبرامجها، كما تفتقر إلى برامج لتأهيل أعضائها أو بطاقات للعضوية. وهي تؤكد أنها ليست حزبًا بالمعنى المتعارف عليه، ولذلك لا تولي اهتمامًا كبيرًا بالهياكل الإدارية والتنظيمية، وإنما ترى أن دورها يتمثل في خدمة الشعب بأسره من خلال تفعيل الدوائر الحكومية.
ومع ذلك، فإن للحركة هيكلا شبه تنظيمي يتمثل في:
وقد رأس الحركة عند نشأتها الملا محمد عمر، والذي أعلن عام 2015 عن وفاته قبل عامين واختيار الملا أختر محمد منصور شاه محمد أميرا للحركة خلفا له، لكنه لم يعمر طويلا على رأس الحركة، فقد اغتالته طائرة أميركية عام 2016، ليخلفه إلى اليوم المولوي هبة الله آخوند زاده.
وبالرغم من مجالس الشورى الكثيرة التي أنشأتها الحركة فإنها تؤمن بأن الشورى معلمة وليست ملزمة؛ فالقرارات المهمة يتخذها الملا بالاستئناس بآراء أهل الشورى، وله الحرية الكاملة في الأخذ بآراء مجلس الشورى أو رفضها.
وتعتبر الحركة متماسكة من الداخل، رغم افتقارها للائحة داخلية ونظام للعضوية، وذلك بسبب الخلفية الفكرية الموحدة لعناصرها، إذ إن معظمهم تخرجوا في مدارس دينية واحدة تنتمي إلى المدارس الديوبندية التي تعارض التيارات الفكرية التجديدية، إضافة إلى لإخلاص لفكرهم النابع من كون العمل لأجله جهادا في سبيل الله.
كما يرجع التماسك لعدم وجود شخصيات محورية ذات نفوذ قوي في الحركة أثر في استقرارها الداخلي، إضافة إلى تنفيذ عقوبات فورية للمخالفين، وتغيير مستمر في المناصب حتى لا تتشكل جيوب داخلية أو مراكز قوى. كذلك، فلا تقبل الحركة أفراد الأحزاب الأفغانية الأخرى، خاصة في المناصب الكبيرة ومراكز اتخاذ القرار.
تبرز نظريتان حول التشكيلة العسكرية لحركة طالبان: تقول الأولى إن قوات طالبان تشكلت من طلاب الحوزة العلمية، وتلقوا تدريبات عسكرية فيما بعد، انطلقت من المدرسة الدينية المسماة بـ"سنك سر" الواقعة في منطقة "مايواند" في ولاية قندهار، التي درس فيها الملا عمر.
ويعتقد هؤلاء أن الدعم كان في البداية من المساعدات المالية والأسلحة التي كان يقدمها لهم الحاج بشير، وهو أحد كبار الشخصيات في مايواند، والزعيم القبلي الحاج بورجيت.
أما النظرية الثانية، فتعتقد أن القوات تكونت من مجموعة من الضباط الشيوعيين الموالين للرئيس نجيب الله أمين، ومجموعة من جنود وضباط باكستانيين وميليشيا "جيش الصحابة الباكستانية"، وطلاب العلوم الدينية الأفغان، ومجموعة من أعضاء "الحزب الإسلامي" بقيادة مولوي خالص و"حركة النهضة الإسلامية" بقيادة مولوي محمدي، وجماعة من زعماء تهريب المخدرات، وعدد من زعماء عشائر البشتون.