سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

خطاب الكراهية في السودان.. من خطاب الحرب إلى تهديد وحدة البلاد

خطاب الكراهية في السودان.. من خطاب الحرب إلى تهديد وحدة البلاد

 

لم تعد الحرب في السودان تقتصر على ساحات القتال وما تخلفه من قتلى وجرحى ونازحين ودمار، بل امتدت إلى المجال الاجتماعي، وأعادت إلى السطح خطابًا من الكراهية والتمييز ظل حاضرًا بدرجات متفاوتة في الثقافة والممارسة السياسية والاجتماعية السودانية. ومع اتساع نطاق الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، وانتقالها إلى مناطق لم تكن تعرف الحرب في السابق، وجد هذا الخطاب مساحة أوسع للانتشار، مستفيدًا من وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة في إنتاجه وتداوله وتوظيفه في التعبئة والتحريض وتبرير العنف.

كمبالا ــ التغيير

وفي ندوة نظمتها صحيفة «التغيير» الإلكترونية بالتعاون مع مركز الخاتم عدلان للاستنارة، قدمتها الأستاذة مديحة عبدالله تحت عنوان «خطاب الكراهية خلال الحرب الأخيرة: التحديات والحلول والمعالجات»، ناقش عدد من الباحثين والصحفيين والناشطين جذور الظاهرة وأشكالها وانعكاساتها على الحرب والمجتمع ومستقبل الدولة السودانية. وذهبت المداخلات إلى أن خطاب الكراهية ليس مجرد مفردات عابرة أو تعبيرات غاضبة تفرضها أجواء الحرب، وإنما ظاهرة أعمق تتصل بإدارة التنوع وبنية الدولة والصراعات السياسية والاجتماعية التي رافقت تاريخ السودان الحديث.

وفي هذا السياق، فرّقت رئيس تحرير صحيفة «التغيير» رشا عوض بين النقد السياسي والفكري المشروع وبين خطاب الكراهية، موضحة أن الأخير يقوم على الازدراء والتحقير لجماعة أو فرد بسبب صفات متأصلة لا يملك تغييرها، مثل الأصل العرقي أو الدين أو اللغة أو الشكل أو الإعاقة. وحذرت من أن خطورة هذا الخطاب تبدأ عندما يتحول الانتماء العرقي أو القبلي أو الجهوي إلى معيار للحكم على الأفراد ومواقفهم، بما يلغي التعدد داخل المكونات الاجتماعية نفسها.

وترى عوض أن المشكلة لا تكمن في انتقاد جماعة أو مؤسسة أو قائد سياسي أو عسكري بسبب أفعاله ومواقفه، وإنما في تحويل صفات الهوية المتأصلة إلى أساس للإدانة والإقصاء. وبحسب ما عرضته في الندوة، فإن التعميم الذي يساوي بين الانتماء إلى مجموعة اجتماعية معينة وموقف سياسي أو عسكري محدد، يفتح الباب أمام تجريد أفراد تلك المجموعة من حقوقهم كمواطنين، ويحوّل الخلاف السياسي إلى صراع هوياتي يصعب معه التعايش.

جذور أقدم من الحرب

وتطرح الندوة سؤالًا يتجاوز الحرب الحالية: هل ولد خطاب الكراهية مع حرب 15 أبريل، أم أن الحرب كشفت بذورًا قديمة كانت كامنة في الثقافة والمجتمع السوداني؟

وترى رشا عوض أن جذور الظاهرة أعمق من الحرب الراهنة، وأن معالجة المشكلة تقتضي الاعتراف بما وصفته بـ«المسكوت عنه» في الهوية والثقافة السودانية، و أشارت إلى ما وصفتها بالمفردات والأمثال البغيضة، ووصف الناس بـ”العبيد” و”الخدم” على أساس انتمائهم العرقي. وقالت “لذلك، إذا لم نعترف بهذا الواقع و المسكوت عنه، ونضعه على الطاولة، فلن نعبر إلى الأمام؛ لأن هذه الأشياء تظل كامنة في التربة الثقافية، وأول ما تحدث حرب تظهر وتنمو إلى السطح، وتتحول إلى غابة كثيفة من الكراهية، مثلما يحدث حاليًا».

وأشارت إلى أن السودان، بوصفه مجتمعًا يجمع مكونات عربية وأفريقية متعددة، ظل يعاني من صراع حول تعريف الهوية، تحول في بعض مراحله إلى تراتبية سياسية واجتماعية تمنح امتيازات أكبر لمن تتطابق لغته أو ملامحه أو انتماؤه مع التصور السائد للهوية العربية.

وقالت رشا: وفي السودان لدينا مشكلة خطيرة جدًا؛ فنحن خليط من عرب وأفارقة، ولأسباب سياسية واجتماعية مركبة، أصبحنا نزعم أننا عرب خُلّص، وأصبحنا نحدد التراتبية السياسية والاجتماعية على أساس “العروبي”، وأصبحت هذه الامتيازات لمن يتحدث العربية بطلاقة، أو تكون ملامحه أقرب إلى المكون “العربي”. وبعدها نصطدم بأن فينا مكونًا غير عربي، وقد يكون ذلك ظاهرًا في أشكالنا وألواننا وملامحنا، وجزء كبير منا لديه لغات “أم” غير العربية. فالانتماء الأيديولوجي العربي أصبح كارهًا للجزء الأفريقي، وعندما تكون كارهًا لجزء من ذاتك، يسقط هذا الكره على المواطنين الذين يمثلون الجزء الأفريقي.

وأضافت إذا لم نتصالح مع هويتنا السودانية كما هي، سنظل نمارس هذه الكراهية والاستبعاد والإقصاء المنهجي لملايين السودانيين الذين يجب أن تكون لديهم حقوق مساوية لنا في الوطن، بمفهوم دولة المواطنة.

وبحسب هذا الطرح، فإن عدم التصالح مع التعدد داخل الهوية السودانية أسهم في إنتاج أشكال من الإقصاء والتمييز، ظهرت في مفردات وأمثال شعبية وتوصيفات اجتماعية تحمل ازدراءً على أساس العرق أو الجهة أو اللون. وتقول عوض إن هذه المظاهر تظل كامنة في «التربة الثقافية»، لكنها سرعان ما تطفو إلى السطح عندما تندلع الحروب، لتتحول إلى خطاب واسع من الكراهية والاستئصال، مثل أن نقول: «إن مشكلة السودان هي الغرابة»، ما يعني أن مشكلة البلاد لن تُحل إلا باستئصالهم من الدولة. والأمثلة عديدة، مثل وصف مكونات اجتماعية في البلاد بأنهم «عرب شتات»، وليسوا سودانيين، وأنهم مشكلة السودان، فيصبح الحل في إبادتهم. وفي ذاكرة الأمثال الشعبية المتداولة: «البيجي من الغرب ما بسر القلب»، وفي المقابل، عندما يتم تداول خطاب بأن الدولة «دولة شايقية»، فإن ذلك يعني أنك تريد إزالتهم، وكأن الشايقية تحولت إلى هوية سياسية، والمفترض أنه عندما نأتي إلى حل المشكلة السياسية يتم إقصاؤهم.

ولا تقف جذور الظاهرة، وفق ما طرحه المتحدثون، عند مرحلة قريبة من التاريخ السوداني. فقد أشار الباحث الاجتماعي شمس الدين ضو البيت إلى جذور تعود، بحسب رؤيته، إلى نحو مئتي عام، منذ الغزو التركي المصري عام 1821، معتبرًا أن تلك المرحلة شهدت إدخال أنماط دينية واجتماعية وفكرية أسهمت في تشكيل بيئة لاحقة لخطاب الكراهية، من بينها انتشار السلفية وتقنين الاسترقاق.

وقال ضو البيت “الغزو التركي المصري أدخل جانبين أساسيين شكّلا البذرة الحقيقية لخطاب الكراهية؛ أولهما إدخال السلفية، وتقنين الاسترقاق”، و أضاف “المجتمع السوداني كان صوفيًا، وأن الصوفية أساسها قبول الآخر المختلف، و هذا الدين الذي كان موجودًا وتقبّل الناس”.

و أوضح أن هذا المسار الفكري استمر خلال مراحل الحكم اللاحقة، وصولًا إلى تحوله، في رأيه، إلى جزء من بنية الدولة والفكر السياسي خلال فترة حكم الحركة الإسلامية بعد عام 1989، حيث انتقلت بعض التراتبيات إلى القانون والدستور ومؤسسات الدولة.

وتابع ضو البيت “البذرة الثانية لخطاب الكراهية تمثلت في تقنين الاسترقاق، الذي كان موجودًا بصورة اجتماعية، لكن الحكم التركي المصري أسّس له بصورة مقننة، و الدولة التركية وقتها كانت تدفع المرتبات رقيق”.

الحرب تكشف ما كان كامناً

لكن الحرب الحالية أعطت خطاب الكراهية نطاقًا غير مسبوق، بحسب المشاركين في الندوة. وتقول رشا عوض إن الانتهاكات التي شهدتها الحرب ليست كلها جديدة على تاريخ السودان، إذ شهدت مناطق مختلفة من البلاد، منذ خمسينيات القرن الماضي، حروبًا وانتهاكات واسعة، إلا أن الجديد في حرب 15 أبريل هو اتساع نطاقها ووصولها إلى مناطق مثل الخرطوم والجزيرة وسنار، وهي مناطق لم تكن قد اختبرت الحرب بالحدة نفسها من قبل.

كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توثيق الانتهاكات ونشرها على نطاق واسع، الأمر الذي جعل الصدمة الاجتماعية أكبر، ورافقها تصاعد في الخطاب الذي يحاول تفسير العنف من خلال الهوية العرقية أو الجهوية بدل البحث في أسبابه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وترى عوض أن بعض الخطابات المصاحبة للحرب دفعت باتجاه تحميل مكونات اجتماعية بعينها مسؤولية العنف بصورة جماعية، في مقابل تجاهل أو تقليل الانتهاكات التي ترتكبها مؤسسات وأطراف أخرى. وحذرت من أن خطاب الكراهية يمكن أن يتحول إلى وسيلة للهروب من الأسئلة المتعلقة بجذور الحرب، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

ومن أخطر مظاهر هذا التحول، وفق المشاركين، التعامل مع المواطنين على أساس ملامحهم وانتماءاتهم الجهوية والقبلية. واستشهدت الندوة بما عُرف بـ«قانون الوجوه الغريبة»، معتبرة أن تصنيف المواطنين ومحاكمتهم على أساس السحنة أو الانتماء يمثل تهديدًا مباشرًا لمفهوم المواطنة والوحدة الوطنية.

وقالت رشا: «وهذا النوع من الخطابات هو المغذي الرئيسي للحروب الأهلية والمقدمة النظرية للإبادات الجماعية؛ لذلك يجب ألا نستهين بخطاب الكراهية، أو نتعامل معه باعتباره مجرد كلام يُقال، ونتساهل مع قبوله. فالحرب أصلًا أولها كلام، ونحن حاليًا نعيش في أسوأ حرب شهدتها البلاد»

وفي الاتجاه المقابل، لم يغفل المتحدثون عن خطاب الكراهية المضاد، الذي يضع مكونات شمال ووسط السودان في كتلة واحدة، من خلال أوصاف مثل «الجلابة» و«أحفاد المستعمر» و«الدفتر دار» و«بقايا الخديوية». واعتبرت عوض أن كلا الاتجاهين يؤديان إلى النتيجة نفسها، وهي تجريد الآخر من مواطنته وتحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة صفرية تقوم على الاستئصال وعدم إمكانية التعايش.

الكراهية وخطر التقسيم

من أكثر التحذيرات التي برزت في الندوة ارتباط خطاب الكراهية بمستقبل وحدة السودان. فقد حذرت عوض من أن استمرار الخطاب الاستئصالي قد يوفر بيئة لمشروعات تقسيمية تقوم على افتراض استحالة التعايش بين مكونات البلاد.

وأشارت إلى ظهور ما وصفته بمؤشرات لمشروعات تقوم على الفصل بين «السودان الغربي» ومناطق الشمال والوسط والشرق، محذرة من أن خطاب الكراهية يمكن أن يمنح هذه المشاريع أساسًا اجتماعيًا وسياسيًا. كما انتقدت في المقابل محاولات الحفاظ على وحدة البلاد بقوة السلاح وبنموذج الدولة المركزية القابضة، معتبرة أن هذا النهج يعيد إنتاج الأسباب التي قادت في السابق إلى انفصال جنوب السودان.

وبحسب هذا الطرح، فإن الحفاظ على وحدة السودان لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما يحتاج إلى خطاب سياسي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل بالأخطاء والمظالم، ونبذ خطاب الكراهية، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية، إلى جانب العدالة الانتقالية ووضع خارطة طريق مختلفة عن المسارات التي قادت البلاد إلى الحروب.

وسائل التواصل.. ساحة جديدة للحرب

ولم تعد الكراهية تنتشر فقط عبر الخطاب السياسي التقليدي أو المنابر الاجتماعية، إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أهم ساحات إنتاجها وتداولها.

وأشارت رشا عوض إلى أن الإنترنت، ومواقع التواصل بصورة خاصة، وفرت مساحة يمكن من خلالها استخدام هويات مجهولة والابتعاد عن المساءلة القانونية، بينما طورت المنصات آليات لحذف بعض العبارات المحرضة، لكنها في الوقت نفسه تواجه محاولات للتحايل على الخوارزميات من خلال تغيير المفردات والصياغات المستخدمة.

وفي السياق ذاته، قال الأمين العام لنقابة الصحفيين السودانيين محمد عبد العزيز إن ما يميز حرب 15 أبريل هو استخدام التقنيات الحديثة في نشر خطاب الكراهية، مشيرًا إلى أن الخطاب أصبح، بحسب تقديره، أكثر تنظيمًا ومؤسسية في استخدامه لدفع الجماعات إلى المشاركة في القتال وتبرير العنف.

كما أشارت رحاب حامد من منظمة التضامن السوداني لمحاربة التمييز العنصري «تسامي» إلى أن المنظمة تعمل في هذا المجال منذ عام 2013، وأن تجاربها مع القوى السياسية والأحزاب كشفت، بحسب قولها، عن غياب مسودات أو تصورات واضحة للتعامل القانوني مع خطاب الكراهية والعنصرية. ودعت إلى بدء التوعية في سن مبكرة، والاستفادة من علم النفس السياسي في فهم سلوك الأفراد والجماعات، مع التعامل مع وسائل الإعلام ومواقع التواصل بوصفها سلاحًا ذا حدين يمكن أن ينشر الكراهية أو يساهم في محاصرتها.

الدولة.. من المتلقي إلى المنتج

أحد المحاور الأكثر حضورًا في النقاش كان الحديث عن انتقال خطاب الكراهية من المجال الاجتماعي إلى المجال المؤسسي.

وقال الدكتور جمعة كندة إن خطاب الكراهية ليس مجرد نصوص مكتوبة أو عبارات مباشرة، وإنما يشمل الإيحاءات والمفاهيم وحتى النكات التي تحمل سمات الازدراء. وحذر من أن المجتمع السوداني يمارس هذا النوع من الخطاب في الحياة اليومية بدرجات مختلفة، أحيانًا بصورة غير واعية، ما يجعل مواجهته معركة داخلية لا تقتصر على مواجهة “الآخر”.

ويرى كندة أن خطورة الظاهرة تتضاعف عندما تصبح الدولة أو مؤسساتها أو قياداتها طرفًا في إنتاجها أو توفير الحماية لها، مشيرًا إلى أن ما وصفه بممارسة «قانون الوجوه الغريبة» ليس قانونًا بالمعنى الرسمي، وإنما ممارسة وجدت دعمًا من سياسيين وقيادات في الدولة وقطاع أمني.

وبحسب كندة، فإن خطاب الكراهية كان حاضرًا في الحروب السودانية السابقة، لكن الجديد في الحرب الحالية هو اتساع رقعة القتال، وظهور قوة جديدة هي الدعم السريع، إلى جانب انتقال الانتهاكات إلى مناطق لم تكن معتادة على الحرب.

وقال كندة: «في السابق كان الجيش يمارس كل ما يمارسه الدعم السريع حاليًا، والجديد هو ظهور قوة جديدة، هي الدعم السريع، وهي خريجة المدرسة القديمة».

ويرى أن جوهر المشكلة يتمثل في أن الدولة لم تنجح منذ نشأتها في بناء مشروع وطني جامع قادر على إدارة التنوع.

من خطاب الكراهية إلى أزمة المواطنة

ولا تقف نتائج خطاب الكراهية، بحسب المشاركين، عند الأذى النفسي أو الإقصاء الاجتماعي، بل يمكن أن تمتد إلى الحقوق الأساسية نفسها.

وقال كندة إن d