
أمستردام : 18 أغسطس2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية في الأيام الماضية باتساع رقعة المواجهات، في عدد من المحاور بعد تقدم الجيش السوداني على محور كردفان واستعادته السيطرة على كل من مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، إضافة إلى إعادة فتح طريق الصادرات الرئيسي الذي يربط مدينة الأبيض بالعاصمة الخرطوم، وتراجعت قوات الدعم السريع بشكل ملحوظ.
لكن سرعان ما غيرت قوات الدعم السريع من خططها الحربية وسيطرت على محلية قيسان لأول مرة بفتح جديدة كما اجتاحت قواتها محلية الكرمك للمرة الثانية بولاية النيل الأزرق، بينما استأنفت عمليات العسكرية باستخدام الطائرات المسيرة الاستراتيجة والانتحارية، بعد توقف لأكثر من إسبوعين، استهدفت خلالها مناطق بعيدة عن المواجهات العسكرية في ولايات الخرطوم ونهر النيل وشمال كردفان.
ومع اشتداد المعارك ساءت الأوضاع الإنسانية في ولاية النيل الأزرق واضطر سكان محليتي قيسان والكرمك للدخول إلى الأراضي الإثيوبية طلباً للحماية، مع موجات نزوح مستمرة للمناطق الآمنة داخل الولاية، في ظل هطول أمطار غزيرة انعدام الغذاء والدواء، ما قد ينذر بتفشي وبائيات مثل الكوليرا وحمى الضنك التي لم تغب عن محافظة الكرمك.
موجات نزوح
وتشهد المناطق الشرقية بمحافظة قيسان موجات نزوح عالية، واضطر مواطنو منطقة أداسي والقري المجاورة لها إلى العبور بالمراكب نحو منطقة كمبال بالضفة الشرقية لمحافظة ود الماحي، في ظل ارتفاع حاد في منسوب المياه وأمطار ورياح غزيرة مع ازحام شديد للركاب، مما يعرض حياة المدنيين لخطر بالغ ويضاعف من معاناتهم الإنسانية.
وحذرت منظمات دولية ومحلية من أن استمرار القتال في هذه الظروف يهدد أرواح الأبرياء، مطالبين بوقفٍ فوري لإطلاق النار وفتح ممرات آمنة لإنقاذ المدنيين وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة.
وتتفاقم أوضاع النازحين يومًا بعد يوم، حيث يواجه الآلاف نقصًا حادًا في الغذاء ومياه الشرب ومواد الإيواء والخدمات الصحية، بينما تضطر الأسر إلى ترك منازلها ومصادر رزقها بحثًا عن أماكن أكثر أمنًا.
محافظ الكرمك يتحدث لدبنقا
وقال محافظ الكرمك بولاية النيل الأزرق عبدالعاطي محمد الفكي: إنَّ المدينة تعرضت لاعتداءات للمرة الثانية ولهجوم مكثف عبر المسيّرات الانتحارية والاستراتيجية، وأيضاً موجات من الهجوم البشري من مقاتلي قوات الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو.
وأضاف الفكي لـ”راديو دبنقا” أن هذه المجموعة تضم عدداً من ما وصفهم بالـ “مرتزقة” من جنوب السودان، ومن إثيوبيا، وحتى من ليبيا، وهم ضمن هذه المجموعة التي تقوم بالاعتداء على مدينة الكرمك، لافتاً إلى أن القوات المسلحة تتصدى ببسالة لهذا الاعتداء، وهي قادرة، بإذن الله تعالى، على إخراجهم من كامل حدود محافظة الكرمك.
عبور الحدود
من جهته قال الأمين العام لمبادرة الجتمع المدينة بولاية النيل الأزرق، علي هجو أن الأوضاع الإنسانية كارثية في مدينة قيسان، الفارين من مناطق النزاعات إلى داخل الولاية وآخرين في اتجاه حدود دولة إثيوبيا. بلغوا أكثر من 3,000 مواطن، والأكثر هم الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى في أوضاع إنسانية صعبة.
وأشار إلى تفاقم أوضاع النازحين مع ظروف الخريف وهطول الأمطار بكثافة أثناء التنقل، وقال بخلاف اللجوء إلى الأراضي الإثيوبية هنالك حالات نزوح لأعداد كبيرة من النازحين حيث وصل أكثر من 13,000 نازح إلى مناطق بكوري، وفي بعض المناطق المتفرقة لمحافظة قيسان.
وأوضح أن هناك نزوح للجهة الشرقية لمحافظة قيسان، في منطقة تيارة، التي راجت أنباء عن اقتحام قوات الحركة الشعبية للمدينة. وتابع قائلاً: “لذلك نحن نرى بأن الوضع الإنساني في مدينة قيسان أوضاع إنسانية كارثية بكل المقاييس، والوضع الأمني هش جداً”. كاشفاً عن وجود مفقودين كثيرون من المدنيين في مدينة قيسان حتى الآن، وغير معروفة وجهتهم لكن
وقال الأمين العام لمبادرة المجتمع المدني لراديو دبنقا إنهم يطالبون المنظمات الإقليمية أو الدولية إلى التدخل العاجل لإنقاذ أرواح المواطنين هناك، مشيراً إلى أن الوضع خطير ومستفحل خاصة لمن هم في الحدود الإثيوبية، بالإضافة إلى العالقين داخل مدينة قيسان، وهناك أعداد من المفقودين بعدد غير قليل.
كما ناشد هجو أطراف الحرب، الحركة الشعبية والدعم السريع، فتح ممرات لضمان خروج آمن للمدنيين من المناطق التي تشهد عمليات، داعياً المجتمع الدولي بالضغط على أطراف الحرب من أجل الاتفاق على هدنة إنسانية أو وقف إطلاق النار، للأغراض الإنسانية، مع هذا الوضع الكارثي.
استهداف المدنيين بالمسيرات
ومن جانب عسكري وحول التصعيد بالمسيرات يصاحبه هجوم عملياتي على الأرض، اعتبر الخبير العسكري اللواء كمال إسماعيل أن الهدف من استخدام المسيّرات الاستراتيجية، هو ضرب السودانيين، وكثير من المسيّرات تستهدف أهدافاً مدنية، والحرب ذاتها داخل المدن، وبالتالي كذلك المصدر هو المواطن السوداني، والحرب تستهدف المدن، والحرب مرفوضة أساساً لأنها تستخدم المواطنين كدروع بشرية لهذه الحرب وتغذيها.
وقال إسماعيل لـ”راديو دبنقا” إنَّ انتقال قوات الدعم السريع للسيطرة على قيسان في النيل الأزرق يأتي في تعويض بعض الخسائر وتشتيت الجهد للطرف الثاني، كما يأتي في توسيع قاعدة الحرب وشموليتها.
وأضاف قائلاً: “أنا كضابط جيش ورجل عسكري، وناضلنا وشاركنا في مشاركات فعلية في الحرب على الإخوان المسلمين الذين هم أشعلوا هذه الحرب ، منبهاً إلى أنهم خلال 30 سنة كانوا يركزون تركيزاً كاملاً على القوات النظامية والجيش وموارد الدولة، وقد تمكنوا من السيطرة عليها وامتلكوها تماماً”.
استعادة قومية الجيش والدولة
وأعرب الخبير العسكري عن أسف أنهم كانوا يأملون في فترة الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك في صدور “قرار قوي” لاستعادة قومية القوات المسلحة واستعادة قومية الدولة، لكن هذا لم يتم، لأن الإسلاميين كانوا مسيطرين سيطرة كاملة، وأضاف قائلا: ” وللأسف الشديد، القوة السياسية التي جاءت في الحكم في تلك الف لم تنتبه لهذا المسار”.
وقال إسماعيل: “صحيح، الآن نحن نمر بأزمة كبيرة جداً، لذلك الجهد الجماعي للدعوة وسط القوى المدنية المناهضة للحرب وتعبئة الناس لإيقاف الحرب مطلوبة..كلما استمرت هذه الحرب، كلما ندفع من الدماء الموارد والبنية التحتية، ثمناً لهذا العمل الإجرامي”.
وشدد على استمرار دعوتهم للحوار، والعمل على بناء جيش قومي وطني، مشيراً إلى تجربتهم السابقة في التحالف السوداني في بناء جيش، لكنهم تراجعوا عن ذلك القرار بعد تروي ودراسة لكل تاريخ الصراع والحروب، مشيراً إلى أن تكوين جيش موازٍ في هذه المرحلة يعني أنك أصبحت جزءٍ من هذه الحرب.
وجدد الخبير العسكري اللواء كمال إسماعيل، التذكير بأن هذه الحرب لانهاية لها إلا بالتفاوض، وتابع قائلا: ” كلما استمر يوم في هذه الحرب سنظل ندفع ثمناً غالياً من دماء شبابنا ومواردنا”.
فك الرسن
من جهته اعتبر الخبير العسكري المقدم محمد نور أن العمليات ستنشط أكثر بعد خطاب قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي” بتوجيه مقاتلي بـ” فك الرسن” في الفترة القادمة، مشيراً إلى أن حميدتي كان على تواصل مع دول المبادرة الرباعية وتواصل مع الاتحاد الأفريقي وتواصل الخماسية، من أجل وقف التصعيد.
وتضم دول المبادرة الرباعية أمريكا والسعودية ومصر والإمارات، بينما تضم اللجنة الخماسية كل من الأمم المتحدة والاتحادين الأوربي والإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” إضافة إلى جامعة الدول العربية.
وقال نور لـ”راديو دبنقا” إنَّ إشارة حميدتي لقواته بعبارة “فك الرسن”، تعني أن تعود العمليات العسكرية لشكلها السابق في الهجوم باستخدام المسيّرات واحتلال المواقع عبر القوات، معتبراً أن المسيّرات هي أساس موجودة لديهم ولم يحصلوا عليها، موضحاً أن والجهة التي تدعمهم أوقفت دعمها، ولذلك هم لديهم الخطة “ب” دائماً في تكتيكاتهم الحربية.
حرب ليس فيها منتصر
ولفت إلى أن هذه هذه الحرب التي سبق أن تحدثوا عن مساوئها كثيراً بأن ليس فيها منتصر ولن يستطيع طرف أن يكسب هذه الحرب، معتبراً أن التصعيد الأخير من قبل قوات الدعم السريع عبر استخدام المسيرات الاستراتيجية بها بالمسيّرات والانتقال من موقع لآخر، لإرسال رسالة واحدة للقوات المسلحة مفادها “أنني ما زلت حياً”.
وقال الخبير العسكري مقدم محمد نور أنه من الملاحظ أن اقتحام قوات الدعم السريع لمحافظة قيسان في ولاية النيل الأزرق يأتي في إطار الحيلة بإفراغ بعض المناطق في كردفان وإشغالهم بعمليات صغيرة بينما يكونوا في التحضير لمهاجمة منطقة أخرى، مثل ما حدث في كردفان أثناء الانشغال والتركيز على كردفان هاجموا محافظة قيسان بولاية النيل الأزرق. لافتاً إلى أن استراتيجية قيسان تأتي أهميتها إلى أنها أقرب للحدود الجنوبية الشرقية، ويمكن أن تكون خط إمداد، بالنسبة للدعم السريع.
حرب استنزاف للطرفين
وخلص إلى أن الحرب ماهي إلا عملية استنزاف للطرفين، وكل طرف يحاول استنزاف الآخر بتكتيكات عسكرية معروفة، وقال إنَّ كل طرف يخلي منطقة ليهاجم منطقة أخرى، أبعد ما تكون من المنطقة التي تعرض لهجوم فيها وينسحب، مبيناً أن هذه التكتيكات الحربية، تطيل أمد الحرب، كما أنها ليست تكتيكات حسم عسكري للطرفين.
وأضاف قائلاً:” لذلك نحن في تنظيم الضباط المتقاعدين “جيش، شرطة وأمن” ظللنا نردد دائماً بأن هذه الحرب لا منتصر فيها بقوة السلاح، والخاسر الأكبر فيها الوطن بموارد ه وثرواته وبنياته التحتية والمواطن هو المنتهكة حقوقه”. مشيراً إلى استمرار الحرب يعني الهروب للأمام من المحاسبة لكل أطرافها، مؤكداً أن الطرفين سيهزمان أنفسهما في النهاية”.
وأكد أن هذه الحرب ليس لها إلا بالتفاوض ولكنه رأى أن كل من حكومة بورتسودان “غير الشرعية”، وحكومة تأسيس غير الشرعية والاثنين يمضيان بإصرار وعناد في مزيد من التصعيد للعمليات الحربية.
dabangasudan.org