سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

تحولات تربك الحلفاء.. هل فقدت واشنطن بوصلتها في آسيا

تحولات تربك الحلفاء.. هل فقدت واشنطن بوصلتها في آسيا

في وقت تستنزف فيه حرب إيران القدرات العسكرية الأمريكية، وتدفع واشنطن بحاملة طائرات من المحيط الهادي إلى الشرق الأوسط، يختار الرئيس دونالد ترمب في اللحظة نفسها خفض المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية وفتح الباب أمام لقاء جديد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

وبين الحرب والدبلوماسية، يبدو أن سياسة واشنطن في آسيا تتحرك بلا بوصلة ثابتة، مما يثير قلق الحلفاء ويمنح الخصوم فرصة لإعادة اختبار حدود القوة الأمريكية.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

فقد كشفت التطورات الأخيرة عن حجم التباين في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ أعلن الرئيس ترمب عبر منصته الخاصة "تروث سوشيال"، الأحد، أمره وزير الحرب بيت هيغسيث بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية بشكل كبير، متذرعا بأن القرار يأتي تقديرا لعلاقته الجيدة مع الزعيم الكوري الشمالي، وبالتزامن مع سحب حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس جورج واشنطن" من غرب المحيط الهادي وإرسالها إلى الشرق الأوسط.

نزهة صغيرة تتحول إلى مأزق كبير

وترى هيئة تحرير صحيفة واشنطن بوست، في مقال افتتاحي، أن التطورين، إذا ما أُخذا معا، يكشفان مخاطر السياسة الخارجية "المتذبذبة" للرئيس الأمريكي.

وتلفت الصحيفة إلى أن ترمب أوحى بأن تقليص المناورات مع سول جاء عقابا لكوريا الجنوبية على عدم انضمامها إلى الحرب ضد إيران، وهو ما يجعل الالتزامات الدفاعية الأمريكية تجاه الحلفاء تبدو "أقل رسوخا".

وتذهب هيئة التحرير إلى مفارقة أكثر عمقا، فوثائق الإستراتيجية التي أصدرتها إدارة ترمب نفسها حذّرت من نشر القوات الأمريكية على مساحات تفوق قدرتها، ومن خطر أن تنجر الولايات المتحدة إلى "حروب كبرى متزامنة عبر مسارح مختلفة".

وتقول واشنطن بوست إن الحملة العسكرية على إيران، التي وصفها ترمب في وقت سابق بأنها "نزهة صغيرة"، استنزفت مخزونات من الأسلحة عالية التقنية إلى مستويات مقلقة. وبحسب تقديرات أوردتها الصحيفة، ربما استُهلك نحو 80% من الصواريخ الاعتراضية الخاصة بمنظومة "ثاد"، ونحو نصف صواريخ باتريوت، وما يقارب نصف صواريخ توماهوك.

إعلان

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ضوء التحذير الوارد في إستراتيجية الدفاع الوطني من أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لخوض حربين كبيرتين في وقت واحد، خصوصا إذا كانت إحداهما في مواجهة قوة منافسة من مستوى الصين.

وترى الصحيفة أن الاختبار الذي كانت الإستراتيجيات الأمريكية السابقة تحذر منه قد وصل بالفعل، وأن السؤال لم يعد نظريا حول قدرة واشنطن على خوض حرب متعددة الجبهات، بقدر ما يتعلق بجاهزية القوات الأمريكية الآن.

وتشير الافتتاحية إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك قوة عسكرية هائلة وانتشارا عالميا لا مثيل له، بما في ذلك 11 حاملة طائرات عملاقة، لكن صيانة السفن، وبرامج التدريب، وضغط أحواض بناء السفن تجعل ثلاثا منها أو أربعا فقط قادرة على الإبحار في أي وقت خلال فترات السلم. وترى الصحيفة أن وتيرة الحرب تختلف عن وتيرة السلم، "لكن البنتاغون لا يتصرف على هذا الأساس".

وتدعو الصحيفة ترمب إلى تسريع شراء الصواريخ وتطوير بدائل منخفضة الكلفة لإعادة بناء المخزونات، إلى جانب تقليص التضخم البيروقراطي والرضا عن الذات داخل وزارة الدفاع.

كما تعتبر أن طلب الإدارة موازنة دفاعية تبلغ 1.5 تريليون دولار قد يكون ضروريا لإعادة بناء قاعدة القوة الأمريكية، لكنها تطرح سؤالا أساسيا حول ما إذا كان سيتم إنفاق كل دولار "بحكمة".

لكن المشكلة -في نظر الصحيفة- لا تتوقف عند السلاح والمخزونات، بل تمتد إلى الحلفاء، فـ"الحديث الخشن" لترمب عن تقاسم الأعباء قد يكون مفهوما في أوقات السلم، لكنه عندما يصدر في لحظة تبدو فيها القوات الأمريكية "متمددة إلى أقصى الحدود، فإنه يبدو تصرفا متهورا".

صفقة نووية مستعصية

وفي هذا السياق تحديدا تأتي خطوة ترمب تجاه كوريا الشمالية التي تبدو في ظاهرها دبلوماسية، لكنها تحمل تداعيات إستراتيجية أوسع.

فبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فإن ترمب ضغط على مستشاريه لترتيب لقاء مع كيم جونغ أون بحلول الخريف المقبل، ربما على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي التي ستستضيفها مدينة شنتشن بالصين في نوفمبر/تشرين الثاني.

وتقول الصحيفة إن التخطيط الرسمي للقاء لم يبدأ بعد، لكن رغبة ترمب في عقد اجتماع جديد مع كيم تكشف عن بحثه عن إنجاز كبير في السياسة الخارجية، في وقت يبدو فيه النصر على إيران "بعيد المنال".

وتستشهد الصحيفة برأي بروس كلينغنر، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) الذي قال إن هذا التوجه "يرضي مستبدا آخر بناء على تصور خاطئ بأن العلاقة الشخصية تحقق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية".

كوريا الشمالية كانت دائما تريد أن تتخلى الولايات المتحدة عن سعيها لنزع سلاحها النووي وتتقبلها كدولة تمتلك أسلحة نووية

بواسطة الخبير فيكتور تشا

غير أن الطريق إلى الصفقة النووية يبدو اليوم أكثر صعوبة مما كان عليه خلال ولاية ترمب الأولى، فقد التقى الرجلان 3 مرات بين عامي 2018 و2019، وانتهت المحادثات من دون اتفاق على تفكيك البرنامج النووي الكوري الشمالي.

على أن الأخطر هو أن كيم يدخل أي مفاوضات جديدة وهو أقوى مما كان عليه قبل 8 سنوات، فوفق الخبير بمعهد ستانفورد للتعاون والأمن الدولي، جيفري لويس، باتت ترسانة كوريا الشمالية تضم "مئات الصواريخ ومقادير متزايدة من البلوتونيوم واليورانيوم عالي التخصيب".

إعلان

يضاف إلى ذلك تعزيز كيم علاقاته مع بكين وتعميق التعاون الصاروخي مع طهران وإرسال آلاف الجنود لدعم الغزو الروسي لأوكرانيا.

ويرى الخبير بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، فيكتور تشا، أن بيونغ يانغ كانت دائما تريد أن "تتخلى الولايات المتحدة عن نزع السلاح النووي وتتقبلها كدولة تمتلك أسلحة نووية".

وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن تقييما سنويا لأجهزة الاستخبارات الأمريكية خلص في مارس/آذار، إلى أن بيونغ يانغ لا تزال ملتزمة بتوسيع برامجها الإستراتيجية من الصواريخ والرؤوس النووية وتعزيز قدرتها على الردع.

كما حذر مسؤول كبير في البنتاغون من أن القوات النووية الكورية الشمالية باتت أكثر قدرة على استهداف الأراضي الأمريكية، وأن صواريخها تستطيع ضرب كوريا الجنوبية واليابان برؤوس نووية أو تقليدية.

إلبريدج كولبي وصف كوريا الجنوبية وبولندا والفلبين بحلفاء الولايات المتحدة النموذجيين (غيتي)

هل ثمة جانب إيجابي في الموقف الأمريكي؟

وتلتقط مجلة نيوزويك -في تقرير لمحررها المختص بالشؤون الصينية جون فنغ- هذه التناقضات والتقلبات في مواقف الإدارة الأمريكية التي تحدث ارتباكا حادا لدى حلفائها.

وتتجسد هذه التناقضات في تصريحات مسؤول السياسات بالبنتاغون إلبريدج كولبي، الذي نقلت عنه المجلة وصفه كوريا الجنوبية وبولندا والفلبين بـ"الحلفاء النموذجيين"، ليتبع ذلك تراجع أمريكي عن نشر قوات أو تقليص للالتزامات الأمنية.

وترى نيوزويك أن كوريا الشمالية كانت قد أدانت المناورات واعتبرتها "تدريبا على حرب عدوانية"، قبل أن يتدخل ترمب في اللحظة الأخيرة ويقلصها.

ويلفت جون، في تقريره، إلى أن خصوم الولايات المتحدة أدركوا أن ترسانة نووية محدودة يمكن أن تمنح دولة صغيرة قدرة كبيرة على فرض حساباتها.

وينقل عن أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوسان الوطنية، روبرت كيلي، أن "واشنطن تمتلك أوراقا أضعف مما كانت عليه قبل 8 سنوات"، خصوصا بعدما أصبح لبيونغ يانغ داعمان إضافيان هما موسكو وبكين، مضيفا أن ترمب أصبح "أكثر اندفاعا وغير مهتم بالوفاء بالتفاصيل، وربما يكون أكثر ميلا لتقديم تنازلات من أجل الحصول على جائزة نوبل".

 واشنطن تجد نفسها أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، اختبار يتطلب الموازنة بين طموحات القيادة وواقع القدرات الميدانية قبل أن يفقد الحلفاء ثقتهم فيها بالكامل

أما المحلل بمعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية في سنغافورة، أدريان أنغ، فيرى أن إدارة ترمب تضيف "نقاطا جديدة" إلى سجل عدم اليقين "على أساس شبه يومي".

ومع ذلك، يرى بعض المحللين جانبا إيجابيا في الموقف، إذ تشير المحللة العسكرية بمؤسسة ديفينس برايوريتيز، جينيفر كافانا، إلى أن المناورات لم تحقق أهدافها، وأن "على واشنطن تسليم مسؤولية أمن كوريا الجنوبية إلى سول بالكامل".

كما يرى إيفان سانكي من معهد كاتو أن المحادثات قد تؤدي على الأقل إلى "فرض حد أقصى لترسانة الصواريخ والمواد الانشطارية".

لكن المخاوف تظل قائمة من أن تؤدي هذه التنازلات، بما فيها إعادة النظر في صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار تجنبا لإثارة حفيظة الصين، إلى التقليل من هيبة الولايات المتحدة، وتشجيع خصومها، طبقا لتقرير جون فنغ.

وما يمكن استخلاصه من تقارير هذه الصحف الثلاث هو أن واشنطن تجد نفسها أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، اختبار يتطلب الموازنة بين طموحات القيادة وواقع القدرات الميدانية قبل أن يفقد الحلفاء ثقتهم فيها بالكامل.

aljazeera.net