سوسيولوجيا الخوف من الآخر لدى القوى المدنية
د. عبد الناصر علي الفكي
يظل باب مقومات الحوار السياسي مفتوحاً، غير قابل للإغلاق، طالما أنه يقوم على معطيات الواقع الداخلي المأزوم، المتزامن مع حالة الهشاشة والضعف التي تعتري المبادرات الدولية، سواء تلك التي تحركها أطراف النزاع علناً، أو تلك التي تمارس دورها بصورة غير مباشرة ضمن سياقات الحرب. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن ينطلق النقاش من توافق حول بنود أجندة الحوار، شرط أن يتم الاتفاق عليها من قبل مكونات القوى المعارضة، بما في ذلك الأطراف غير المنضوية تحت تحالف “صمود”، مثل: التحالف الجذري، والحزب الشيوعي، وتحالف الميثاق الثوري للسلطة الشعبية (لجان المقاومة)، والأحزاب والكيانات الموقّعة على مشروع التغيير، بالإضافة إلى باقي الأجسام والكيانات السياسية التي تؤمن بأن السلطة المدنية هي الأساس، وأن استردادها يشكل الغاية المركزية.
وتتمثل إحدى أهم الفرص المتاحة اليوم في قدرة القوى المدنية على الممارسة العملية، والانخراط في نقاش عميق واجب حول القضايا الكلية التي تمس التوافقات الوطنية، وقد عُرفت هذه الحوارات السياسية بـ”الحد الأدنى المشترك”، وهي أشبه بـ”دفن الليل أبو كراع بره”، برغم المجهود النضالي الكفاحي الذي بُذِل فيها إبّان المخاطر والمهددات الأمنية لأجهزة النظم الشمولية. وتتجسد هذه المحطات في جبهة الهيئات عام 1964، التي تشكّلت عقب انتفاضة 21 أكتوبر بقيادة نقابات المهنيين والأساتذة والطلاب، وأدت إلى إسقاط حكم عبود وتشكيل حكومة انتقالية، وانتخاب برلمان انقلب عليه العقيد النميري عام 1969م. ثم جاءت انتفاضة أبريل 1985م، حين انحاز الجيش لمطالب الشعب في 6 أبريل، بعد احتجاجات عارمة قادها التجمع النقابي (النقابات واتحادات الطلاب) والتجمع الوطني (الأحزاب السياسية)، على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية وقمع نظام النميري. واختتمت هذه المحطات بـثورة ديسمبر 2019م، التي كانت تراكماً نضالياً طويلاً اشترك فيه الجميع، وتعددت أشكاله النضالية وأدواته، وتوجت في 19 ديسمبر 2018م، وتصاعدت بالاعتصام في محيط القيادة العامة للجيش الذي أعلن – مجبراً – في 11 أبريل 2019م خلع البشير، لتكون الأوسع والأطول في تاريخ السودان الحديث. وكانت جميعها تعكس محاولة لمواكبة الزخم الثوري الجماهيري، من خلال تأسيس إطار للتغيير، وتحديد قضايا ما بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية.
وتُعد تجربة “تحالف الحرية والتغيير” نقلة نوعية في العمل التحالفي الثوري، حيث استندت إلى مخزون طويل من البرامج السياسية، مثل برنامج “السياسات البديلة” الذي انبثق عن جهود قوى الإجماع الوطني منذ عام 2012، و”البرنامج الإسعافي” الذي طرح في عام 2018 كخريطة طريق لمعالجة الانهيار الاقتصادي وإعادة هيكلة الدولة. لكن الممارسة الفعلية بعد تغيير ديسمبر 2019 كشفت عن تراجع في كثير من مكتسبات الإجماع الوطني في ملفات حساسة، كالاقتصاد، والسياسة الخارجية، ونظام الحكم، والعلاقة مع الجيش. وتارجح الهم الوطني بين اليسار واليمين والوسط والقوى الثورية (لجان المقاومة)، وما هو دولي وإقليمي، وهو المشهد الذي عكس عمق التمزق السياسي والأيديولوجي والممارسة.
لقد اتسم سلوك بعض الأحزاب في الفترة الانتقالية بحالة أسميها “عمى السلطة” والاستفراد بالقرار، وسيادة فلسفة “كلما قل عدد المتحالفين، كبرت حصة كلّ منهم في كعكة الجهاز التنفيذي والإداري للدولة”، وهو ما تجسّد في نماذج عديدة مرّت على حساب المصلحة العامة، والحرص على المسار المدني الديمقراطي، لا من باب الكيد السياسي الضيق. فرغم قصر تلك الفترة وتعرضها للانقلاب، فإنها تحتاج إلى نقد ومراجعة حقيقية من بيوت خبرة متخصصة وذات ثقة. وقد انعكس كل ذلك سلباً على توسيع المشاركة الحقيقية للقوى الثورية في إدارة الفترة الانتقالية، وعدم قدرتها على العمل المشترك، مما أضعفها وجعلها لقمةً سائغة، ومهد الطريق لانقلاب طرفي الحرب وبعض حركات الكفاح المسلح ومساندة كتلة الحرية والتغيير الديمقراطية في 25 أكتوبر 2021، وهو الذي أوقف مساراً كان يمكن أن يقود إلى حلول توافقية، وجاء عقب صراع محتدم مع محاولات ونجاح هيمنة الشركاء العسكريين على السلطة وإدارة المرحلة والاقتصاد. واليوم تعاد الكرة، لكن في ظل ظروف حرب كارثية ومدمرة، تفرض علينا جميعاً (المدنيين) صناعة وطن معافى قوي، يمتلك برنامجاً وطنياً شاملاً، يفضي إلى دستور دائم بمشاركة الجميع، وتحديد واضح للهوية، ونظام اقتصادي وإداري متكامل، وهيكلة الحكم وفق أسس مدنية.
وقبل كل ذلك، لا بد من وضع محددات دقيقة: من هي القوى المدنية؟ وما هي شروط الانتماء إليها؟ وكيف نفرق بين المدني وغير المدني في السياق السياسي الراهن؟ فالفرصة ما زالت متاحة للتوافق الواسع المطلوب – جبراً لا اختياراً – وفقاً لمعاناة المواطنين والوطن، من خلال حوار جاد وعميق، يجمع كل الكتل والتحالفات والقوى السياسية والفاعلين في المجال العام، على أن يبدأ النقاش بمادة حوارية وشفافة حول بنود وأجندة الحوار وماهيته، التي ستُطرح لاحقاً على طرفي الحرب، وآليات إنهاء النزاع والمساعدات الإنسانية والعدالة الانتقالية وتوطينها سودانياً، وعلاج الآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للحرب في الفترة الانتقالية. إن القوى المدنية السياسية تبحر في معركة وجودية في سفينة واحدة، وإن بدت متعددة الاتجاهات، إلا أن الهدف مشترك وهو الديمقراطية.
والرهان اليوم ليس مبنيا علي خطاب البرهان المستهلك المتكرر، وإنما على جرأة وشجاعة الحوار، النقطة الفاصلة، ويأتي وعي القوى المدنية بـ سوسيولوجيا الخوف من الآخر التي تسيطر على المشهد الماضي فيما بينها ، بتجاوز نحو المستقبل، والقدرة على تحويل الخوف إلى أداة بناء، لا إلى استدعاء ذاكرة سيئة تخوينية تقف سدا امام الواجب الوطني. إن الخوف الممنهج المؤسسي، طالما تغذّى واستمرأ على تجارب الإقصاء والاستئثار والكنكشة، يحتاج إلى معالجة جذرية عبر إعادة بناء الثقة، والاعتراف بالتعددية، والانفتاح على كل الأطراف الوطنية التي تؤمن بالتداول السلمي والديمقراطي، وبعدها عملية التداول السلمي والتنافس الانتخابي، و”الحشاش يمليء شبكتو”، كما المثل السوداني.
إن الحديث عن الحوار ليس مجرد مناورة سياسية، بل أهم فرص الوحدة والتواصل والنقاش الحقيقي بين المدنيين المؤمنين بالتحول المدني الديمقراطي، والقيم الحقيقية للتغيير: التداول السلمي، والمواطنة، والتنمية المستدامة، والمشاركة السياسية الواسعة. وهو السبيل الوحيد لتجاوز سوسيولوجيا الخوف السياسية، وإعادة الثقة بين مكونات المشهد الوطني، والخروج من عنق الزجاجة نحو مستقبل ينعم فيه الجميع بالأمن والكرامة والعدالة. وشجاعة، مرونة إرادة المبادرة نحو الآخر تؤدي إلى الالتقاء الوطني للمدنيين الفاعلين في المجال العام والسياسي، التواقين للحرية والعدالة والسلام.
هل تعي القوي المدنية حقيقة الفعل وتتعلم من التجارب المتكررة المتشابهة ؟.
* أستاذ جامعي
altaghyeer.info