العدالة الانتقالية «3-5»: تجارب العالم… لماذا نجحت تجارب وأخفقت أخرى؟
ميرغني الحبر/ المحامي
ليس هناك نموذج واحد للعدالة الانتقالية يمكن نقله من دولة إلى أخرى كما هو. فكل مجتمع يدخل إليها محملاً بتاريخه الخاص، وطبيعة الصراع الذي عاشه، وتركيبته الاجتماعية والسياسية، وقوة مؤسساته، وموازين القوى بين أطرافه.
ولهذا فإن دراسة تجارب الدول لا ينبغي أن تكون بحثًا عن نموذج جاهز نستورده إلى السودان، وإنما محاولة لفهم شروط النجاح وأسباب الإخفاق.
لقد اختارت بعض الدول المحاكمات الواسعة، بينما فضلت دول أخرى لجان الحقيقة والمصالحة، واتجهت دول إلى الجمع بين الاثنين، وأدخلت دول أخرى آليات محلية أو تقليدية في منظومة العدالة. وبين هذه التجارب جميعًا يمكن أن نرى حقيقة مهمة: العدالة الانتقالية تنجح عندما تصبح جزءًا من عملية بناء دولة جديدة، وتتعثر عندما تتحول إلى صفقة سياسية أو أداة انتقام أو مجرد لجنة تقدم تقريرًا ثم ينتهي الأمر.
ومن أبرز التجارب التي تستحق التوقف عندها جنوب أفريقيا، ورواندا، والمغرب، وسيراليون، إلى جانب تجارب أمريكا اللاتينية التي أثبتت أهمية الحقيقة والمساءلة والإصلاح المؤسسي.
عندما انتهى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كانت البلاد تقف أمام مأزق بالغ التعقيد.
كان الماضي مليئًا بجرائم وانتهاكات ارتكبتها مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن، وفي المقابل كانت البلاد بحاجة إلى انتقال سياسي سلمي يمنع الانزلاق إلى حرب أهلية.
في هذا السياق أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة بموجب قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة لعام 1995. ولم تكن اللجنة مجرد لجنة لتسجيل التاريخ؛ فقد عملت من خلال ثلاث لجان رئيسية تناولت انتهاكات حقوق الإنسان، والعفو، وجبر الضرر وإعادة التأهيل.
وكانت فلسفة التجربة تقوم على فكرة شديدة الحساسية: منح بعض مرتكبي الانتهاكات إمكانية الحصول على العفو إذا قدموا إفصاحًا كاملًا عن أفعالهم وكانت الأفعال مرتبطة بهدف سياسي واستوفت الشروط القانونية.
وهنا ظهرت معادلة غير مألوفة:
الحقيقة مقابل العفو، وليس العفو مقابل الصمت.
فالمجتمع لم يكن يُطلب منه أن ينسى، وإنما كان المطلوب أن يعرف ما حدث، وأن يواجه الجناة بأفعالهم، وأن يمنح الضحايا فرصة لسرد قصصهم أمام المجتمع.
وقد سجلت اللجنة نفسها أن البحث عن الحقيقة كان ضروريًا لفهم الماضي المنقسم، وأن الاعتراف العلني بالمعاناة والظلم يساعد في استعادة كرامة الضحايا. لكنها في الوقت نفسه أدركت أن الحقيقة وحدها لا تجعل المصالحة أمرًا تلقائيًا، وأن المصالحة تحتاج إلى عدالة اجتماعية أيضًا.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة التجربة الجنوب أفريقية: أنها لم تطلب من المجتمع أن يختار بين الحقيقة والسلام، بل حاولت بناء جسر بينهما.
لكن هل نجحت بالكامل؟
بالطبع لا.
فقد تعرضت تجربة العفو لانتقادات قوية، وشعر بعض الضحايا بأن الإفلات من العقوبة كان ثمنًا باهظًا للانتقال السياسي. كما أن تنفيذ بعض توصيات اللجنة وجبر الضرر وملاحقة بعض المسؤولين ظل موضع جدل، وهو ما يوضح أن إنشاء لجنة للحقيقة لا يكفي وحده. وحتى اليوم ما زالت جنوب أفريقيا تتعامل مع ملفات مرتبطة بجرائم حقبة الفصل العنصري.
الدرس السوداني هنا واضح:
لا ينبغي أن يكون العفو طريقًا لإخفاء الحقيقة، ولا يجوز أن تكون المصالحة بديلًا عن الحقيقة والاعتراف بالانتهاكات وإنصاف الضحايا . وإذا اختار السودان في مرحلة ما شكلًا من أشكال العفو، فينبغي أن يكون مشروطًا، محددًا، ومنضبطًا بالقانون، وألا يشمل الجرائم الأشد خطورة بصورة تلقائية.
تختلف رواندا جذريًا عن جنوب أفريقيا.
فبعد الإبادة الجماعية عام 1994، واجهت البلاد عددًا هائلًا من المتهمين، إلى درجة أن النظام القضائي التقليدي لم يكن قادرًا على التعامل مع حجم القضايا.
وبحلول عام 2000 كان هناك أكثر من مائة ألف مشتبه بهم ينتظرون المحاكمة.
وكان أمام الدولة خياران: إما أن تستغرق المحاكمات عقودًا طويلة، أو أن تبحث عن آلية مختلفة.
فجاء نظام Gacaca، وهو نظام عدالة مجتمعية شاركت فيه المجتمعات المحلية، وانتخبت قضاة للنظر في عدد كبير من قضايا الإبادة، مع استثناء بعض الجرائم والأشخاص من اختصاصه. وقد عالجت محاكم الغاكاكا أكثر من مليون قضية عبر أكثر من 12 ألف محكمة مجتمعية قبل إغلاقها عام 2012.
وكانت فلسفة هذا النظام مختلفة: أن تعود العدالة إلى المجتمع نفسه، وأن يعرف الناس ماذا حدث لأقاربهم، وأن يعترف الجناة بجرائمهم ويطلبوا الصفح، مع إمكانية تخفيف العقوبة في بعض الحالات لمن أبدى الندم وسعى إلى المصالحة.
وقد ساعدت هذه الآلية في معالجة عدد هائل من القضايا لم يكن القضاء العادي قادرًا على استيعابها.
لكن التجربة لم تكن بلا مشكلات.
فالعدالة المحلية قد تكون أكثر قربًا من الضحية، لكنها قد تكون أيضًا أكثر تعرضًا للضغط الاجتماعي والسياسي، كما أن تطبيق العدالة على نطاق واسع وبواسطة قضاة غير محترفين يثير تساؤلات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة.
ومع ذلك، فإن الدرس الأهم من رواندا هو أن العدالة الانتقالية يجب أن تتناسب مع حجم المأساة.
فإذا كان عدد الضحايا والجرائم والمتهمين يفوق قدرة المحاكم التقليدية، فإن الدولة تحتاج إلى ابتكار آليات استثنائية، مع المحافظة قدر الإمكان على الحد الأدنى من ضمانات العدالة.
والسودان قد يواجه مشكلة مشابهة من حيث ضخامة عدد الضحايا والانتهاكات وتعدد مناطق الصراع، الأمر الذي يجعل التفكير في آليات متعددة المستويات أمرًا ضروريًا.
تمثل تجربة المغرب نموذجًا آخر جديرًا بالدراسة.
فقد أنشأ المغرب هيئة الإنصاف والمصالحة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة والواسعة والمنهجية لحقوق الإنسان التي وقعت خلال الفترة من 1956 إلى 1999.
وكانت الهيئة ذات طبيعة غير قضائية، وركزت على كشف الحقيقة، ومعالجة قضايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، وجبر أضرار الضحايا، واقتراح إصلاحات تمنع تكرار الانتهاكات.
وتميزت التجربة المغربية باتساع مفهوم جبر الضرر.
فلم يقتصر الأمر على التعويض المالي، وإنما شمل، بحسب ما أوردته تقارير الأمم المتحدة، جوانب تتعلق بإعادة الوضع القانوني والإداري والمهني، والرعاية الصحية، وإعادة الإدماج الاجتماعي، إضافة إلى برامج لجبر الضرر الجماعي في المناطق التي شهدت انتهاكات جسيمة.
وهذه نقطة مهمة للغاية.
فإذا كان الظلم قد أصاب فردًا، فإن جبر الضرر قد يكون فرديًا؛ أما إذا أصاب منطقة أو جماعة كاملة، فقد تحتاج الدولة إلى معالجة جماعية، مثل إعادة الخدمات، والتنمية، وتأهيل المناطق المتضررة، وحفظ الذاكرة.
لكن التجربة المغربية تكشف في الوقت نفسه أحد أكبر تحديات العدالة الانتقالية.
فقد أشارت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إلى أن عمل الهيئة لم يشمل جميع الانتهاكات، وإلى أن بعض حالات الاختفاء ظلت دون حل، كما أثارت مسألة عدم ملاحقة مرتكبي الانتهاكات، وما قد يترتب على ذلك من إفلات فعلي من العقاب.
وهكذا تعطينا المغرب نجاحًا مهمًا في الحقيقة وجبر الضرر، يقابله قصور في جانب المساءلة الجنائية.
والدرس هنا بالغ الأهمية بالنسبة للسودان:
لا ينبغي أن نختزل العدالة الانتقالية في التعويضات والمصالحة، ولا في لجان كشف الحقيقة، إذا كانت الجرائم الخطيرة ستظل بلا مساءلة.
خرجت سيراليون من حرب أهلية مدمرة خلفت أعدادًا كبيرة من الضحايا والانتهاكات.
واختارت الدولة الجمع بين أكثر من آلية، فأنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة، وفي الوقت نفسه أنشئت المحكمة الخاصة لسيراليون لمحاكمة الأشخاص الأكثر مسؤولية عن الجرائم الخطيرة.
وهذه التجربة مهمة لأنها تطرح سؤالًا مختلفًا:
هل يمكن الجمع بين المصالحة والمحاكمة؟
كانت الإجابة: نعم.
فالمحكمة الخاصة أرسلت رسالة واضحة بأن الجرائم الأكثر خطورة لن تمر دون مساءلة، بينما وفرت لجنة الحقيقة مساحة أوسع لفهم أسباب النزاع وسماع الضحايا وتوثيق الانتهاكات.
وقد وصفت الأمم المتحدة المحكمة الخاصة بأنها تجربة رائدة في العدالة الدولية، وأسهمت، بحسب ما أُعلن آنذاك، في الحد من الإفلات من العقاب ودعم سيادة القانون والمصالحة وإعادة البناء.
لكن سيراليون تقدم لنا درسًا آخر أيضًا: وجود المؤسسات لا يعني بالضرورة تنفيذ توصياتها.
فقد خلصت تقارير أممية إلى أن تنفيذ عدد من توصيات لجنة الحقيقة كان بطيئًا، وأن برنامج جبر الضرر عانى من نقص الإرادة السياسية والموارد.
وهذا يثبت أن المشكلة ليست دائمًا في تصميم العدالة الانتقالية، وإنما في الإرادة السياسية والقدرة على التنفيذ.
كانت دول أمريكا اللاتينية من أهم المختبرات المبكرة للعدالة الانتقالية الحديثة، خصوصًا بعد الانتقال من الأنظمة العسكرية إلى الديمقراطية في دول مثل الأرجنتين وتشيلي.
وقد برز فيها دور لجان الحقيقة وتوثيق الانتهاكات، إلى جانب المحاكمات وبرامج التعويض والإصلاح المؤسسي.
والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه التجارب هو أن الانتقال الديمقراطي لا يعني بالضرورة إغلاق ملفات الماضي.
فالدولة الديمقراطية الجديدة تحتاج إلى أن تقول بوضوح إن الجرائم التي ارتكبت باسم الدولة أو تحت حماية السلطة ليست جزءًا طبيعيًا من ممارسة الحكم، وإن المؤسسات الديمقراطية لا يمكن أن تستمر إذا ظلت الجرائم الكبرى بلا مساءلة.
وهذا درس شديد الصلة بالسودان، لأن أحد جذور أزمتنا هو أن الانقلابات والحروب والانتهاكات كانت في كثير من الأحيان تتراكم فوق بعضها دون معالجة حقيقية، حتى أصبح الماضي نفسه جزءًا من الحاضر.
عندما نضع هذه النماذج جنبًا إلى جنب، نجد أن التجارب الناجحة نسبيًا لم تتبع وصفة واحدة.
جنوب أفريقيا ركزت بصورة كبيرة على الحقيقة والمصالحة والعفو المشروط.
رواندا استخدمت العدالة المجتمعية واسعة النطاق لمعالجة عدد هائل من القضايا، إلى جانب القضاء الوطني والعدالة الدولية.
المغرب ركز على الحقيقة وجبر الضرر والإصلاحات، لكنه واجه انتقادات بسبب محدودية المساءلة الجنائية.
سيراليون جمعت بين لجنة الحقيقة والمحكمة الخاصة.
وأمريكا اللاتينية قدمت نماذج متعددة جمعت بدرجات مختلفة بين الحقيقة والمحاكمة والتعويض والإصلاح المؤسسي.
إذن لا توجد وصفة سحرية.
لكن هناك مجموعة من الشروط المشتركة التي تبدو ضرورية:
أولًا: إرادة سياسية حقيقية.
فالعدالة الانتقالية لا تستطيع العمل إذا كانت السلطة الجديدة تريد استخدامها ضد خصومها فقط.
ثانيًا: استقلال المؤسسات.
لا يمكن أن تحقق العدالة لجنة أو محكمة خاضعة لمن تحاكمهم أو لمن يملكون القوة السياسية.
ثالثًا: مشاركة الضحايا.
فالضحية ليست مجرد رقم في تقرير، وإنما صاحب حق في معرفة الحقيقة والمشاركة في صياغة الحلول التي تخصه.
رابعًا: شمول العدالة.
ينبغي أن تشمل الانتهاكات بصرف النظر عن هوية مرتكبها أو انتمائه السياسي أو العسكري أو القبلي.
خامسًا: جبر الضرر.
فالعدالة التي تكتفي بعقاب الجاني وتنسى الضحية تظل ناقصة.
سادسًا: إصلاح المؤسسات.
لأن الغاية ليست معاقبة انتهاكات الماضي فقط، وإنما منع إنتاج مستقبل مشابه.
سابعًا: الموارد والقدرة على التنفيذ.
فالبرامج الطموحة التي لا تجد تمويلًا ومؤسسات قادرة على تنفيذها تتحول في النهاية إلى وثائق جميلة على الرفوف.
ربما تكون هذه أهم خلاصة؛
ينبغي ألا يستنسخ السودان نموذج جنوب أفريقيا، ولا رواندا، ولا المغرب، ولا سيراليون.
فالسودان ليس جنوب أفريقيا، والحرب السودانية ليست الإبادة الرواندية، والمجتمع السوداني وتركيبته السياسية والاجتماعية يختلفان عن كل هذه المجتمعات.
لكن يمكننا أن نتعلم من الجميع.
يمكن أن نتعلم من جنوب أفريقيا أن الحقيقة شرط للمصالحة.
ومن رواندا أن حجم الجرائم قد يفرض آليات عدالة غير تقليدية.
ومن المغرب أن جبر الضرر يمكن أن يكون فرديًا وجماعيًا، وأن التنمية في المناطق المتضررة قد تكون جزءًا من العدالة نفسها.
ومن سيراليون أن الجمع بين القضاء ولجان الحقيقة ممكن، وأن الجرائم الكبرى لا ينبغي أن تضيع في زحام المصالحة.
ومن تجارب أمريكا اللاتينية أن الانتقال الديمقراطي الحقيقي يحتاج إلى مواجهة إرث الدولة السلطوية وإصلاح مؤسساتها.
لكن السودان يواجه تحديًا أكبر من مجرد اختيار الآليات.
فهو يحتاج إلى الإجابة أولًا عن سؤال سياسي وأخلاقي بالغ الصعوبة:
من هم ضحايا العدالة الانتقالية السودانية؟
هل نبدأ من انتهاكات ما بعد الاستقلال؟
أم من حروب الجنوب؟
أم دارفور؟
أم جبال النوبة والنيل الأزرق؟
أم انتهاكات الأنظمة العسكرية؟
أم أحداث ثورة ديسمبر؟
أم جرائم الحرب التي وقعت منذ أبريل 2023؟
أم نضع كل ذلك في إطار تاريخي واحد؟
والسؤال الآخر لا يقل أهمية:
كيف يمكن تحقيق العدالة في بلد ما زالت الحرب فيه تلقي بظلالها على الدولة والمجتمع، وما زالت أطراف الصراع تملك السلاح والقوة؟
هنا تحديدًا تبدأ خصوصية الحالة السودانية.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى عدالة انتقالية تعالج مظالم وانتهاكات الماضي، وإنما يحتاج إلى عدالة انتقالية تعمل في الوقت نفسه على منع إنتاج انتهاكات الماضي من جديد.
ومن هنا سيكون المقال الرابع هو قلب هذه السلسلة:
العدالة الانتقالية في السودان: من ثورة ديسمبر إلى حرب أبريل… لماذا تعثرت؟ وماذا نريد منها الآن؟
وسنحاول فيه أن نواجه السؤال الأصعب دون مجاملة أو ان