سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

ذهب السودان: من هدر الموارد إلى هدر الفرصة التاريخية

ذهب السودان: من هدر الموارد إلى هدر الفرصة التاريخية

عمر سيد أحمد

منذ فقد السودان معظم عائدات نفطه بعد انفصال الجنوب عام 2011، أصبح الذهب مصدره الأول للنقد الأجنبي، ثم تحول بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى أداة لحفظ القيمة وتمويل اقتصاد الصراع. والمفارقة أن بلدًا يملك موردًا بمليارات الدولارات يعجز عن تحويله إلى احتياطيات أو استثمار أو وظائف.

تشير التقديرات إلى فجوة تقارب 55 طنًا بين الإنتاج المعلن والصادرات الرسمية عام 2025، تعادل نظريًا أكثر من 6 مليارات دولار بأسعار تلك السنة. وقد أقرّ وزير المالية د. جبريل إبراهيم نفسه لوكالة فرانس برس بأن السودان أنتج 70 طنًا من الذهب عام 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا منها. والمهم في هذا الاعتراف ليس دقة كل رقم على حدة، فبنك السودان المركزي ينسب إلى نفس العام رقم صادرات مختلفًا قليلًا (14.7 طنًا)، بقدر ما هو دليل على أن الدولة نفسها لا تملك رقمًا واحدًا موثوقًا لحجم ما يُستخرج على أرضها، وهو جوهر الأزمة أكثر من كونه مجرد تهريب.

ويستحوذ التعدين الأهلي غير المنظم، بحسب تحليل Chatham House، على الحصة الأكبر من إنتاج السودان الكلي، مع تقديرات لنسبة التهريب تتراوح بين 48 و80 في المئة بحسب المصدر والسنة، وهي فجوة تتكرر عامًا بعد عام أيًّا كان الرقم المعتمد للصادرات الرسمية، بما يؤكد أن المشكلة بنيوية لا عرضية.

وتكشف تصريحات أخرى للوزير نفسه عن اتساع هذه الفجوة من زاوية مختلفة؛ إذ أوضح خلال مشاركته في ملتقى التعدين بالخرطوم أن الحكومة تمكنت من حصر نحو 199 طنًا من الذهب المنتج تُقدّر قيمتها بنحو 26 مليار دولار، لكنها لم تضمن مرور هذه الكميات عبر قنوات التصدير الرسمية، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها تعرّض للتهريب. وتحتاج دلالة رقم 199 طنًا إلى شيء من التحفظ؛ فبعض التغطيات نقلت تصريح الوزير باعتباره إنتاجًا سنويًا، في حين تشير بيانات تفصيلية منشورة قبل التصريح إلى أن 199 طنًا تمثل إنتاج الذهب المرصود والمدوَّن خلال أربع سنوات، صُدِّر منها نحو 88 طنًا فقط، بينما تجاوز الفاقد 111 طنًا بقيمة قُدّرت بنحو 18 مليار دولار. لذلك تبدو قراءة الرقم باعتباره رقمًا تراكميًا أكثر اتساقًا مع بيانات عام 2025 التي تضع إنتاج ذلك العام عند نحو 71 طنًا.

فالذهب لا يفقد بلده فقط حين يُهرَّب؛ ما يختفي فعليًا هو اسم السودان من سلسلة القيمة العالمية، بينما يظهر اسم غيره في سجلاتها. والدليل الأقوى على ذلك ليس اتهامًا سياسيًا، بل مفارقة حسابية بسيطة: فإنتاج مصر المحلي من الذهب، ومعظمه من منجم السكري، ظل شبه ثابت عند نحو 15.8 إلى 16 طنًا سنويًا طوال السنوات الأخيرة، بينما صدّرت مصر عام 2023 نحو 29.83 طنًا من الذهب بقيمة 1.83 مليار دولار وفق بيانات UN Comtrade التي حللتها Chatham House — أي ما يقارب ضعف إنتاجها المحلي في عام واحد. وذهب نحو 55 في المئة من تلك الصادرات، أي 16.48 طنًا بقيمة مليار دولار تقريبًا، إلى الإمارات وحدها. وفي الأشهر العشرة الأولى من 2024 وحدها، بلغت صادرات مصر من الذهب نحو 41.14 طنًا، منها 25.86 طنًا للإمارات بقيمة 1.6 مليار دولار — أي أن مصر صدّرت خلال عشرة أشهر فقط كمية تفوق كثيرًا إنتاجها المنجمي السنوي كله. وعلى مستوى القيمة الإجمالية، قفزت صادرات الذهب والمعادن النفيسة المصرية من 1.63 مليار دولار عام 2022 إلى 1.86 مليار عام 2023، ثم 3.26 مليار عام 2024 بزيادة 75.4 في المئة، لتتسارع إلى 6.76 مليارات دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025 وحدها، مقابل 2.63 مليار في الفترة نفسها من 2024 — زيادة سنوية بلغت 157 في المئة. والأدهى أن احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي المصري نفسه لم تُضف إليها سوى 1.25 طن فقط خلال عامي 2023 و2024 مجتمعين، مقارنة بـ44 طنًا أضافها في الربع الأول من عام 2022 وحده وفق مجلس الذهب العالمي، أي قبل الحرب السودانية بعام كامل؛ ما يعني أن الذهب المتدفق عبر مصر خلال سنوات الحرب لم يستقر في احتياطياتها بل مرّ عبرها إلى الخارج.

وفي المقابل، لا تسجل بيانات بنك السودان المركزي هذا التدفق: فقيمة الذهب الذي صدّره السودان رسميًا إلى مصر عام 2024 لم تتجاوز 16.3 مليون دولار، أي نحو واحد في المئة من إجمالي صادرات الذهب السودانية المسجلة، بينما تقدّر أبحاث ميدانية استندت إليها Chatham House دخول أكثر من 60 طنًا من الذهب غير المشروع إلى مصر منذ اندلاع الحرب، بمعدل تجاوز أحيانًا 100 كيلوغرام يوميًا، ساعده إلغاء مصر رسوم استيراد الذهب في مايو 2023. وأكدت رويترز في أكتوبر 2025 أن جانبًا مهمًا من الذهب المهرَّب يتحرك نحو مصر ليصل في نهاية المطاف إلى الإمارات عبر إعادة التصدير، خصوصًا بعد الاضطراب الذي أصاب تجارة السودان المباشرة مع أبوظبي. لا تثبت هذه الأرقام أن كل سبيكة تصدّرها مصر مصدرها السودان؛ فهناك مخزونات قديمة وذهب معاد تدويره وواردات قانونية. لكن هذه الفجوة، مقترنة بتجاوز صادرات مصر لإنتاجها المحلي وبجمود احتياطياتها، تجعل من مسار السودان–مصر–الإمارات تفسيرًا يصعب تجاهله: الذهب السوداني لا يختفي إحصائيًا حين يُهرَّب، بل يظهر من جديد في صادرات دولة أخرى. وفي موازاة ذلك، اتهمت CNN عام 2022 شبكات روسية-سودانية بتهريب الذهب لدعم احتياطيات موسكو وحماية الروبل من العقوبات، وفرض الاتحاد الأوروبي في يوليو 2026 إجراءات على تجارة الذهب السوداني بوصفه مصدر تمويل للصراع. وهكذا بات هذا المعدن أصلًا جيوسياسيًا تتنافس عليه أطراف إقليمية ودولية، بينما تنهار القوة الشرائية للجنيه السوداني رغم امتلاك البلاد الموردَ ذاته الذي يحمي عملات أخرى من الانهيار في ظروف مشابهة من الحرب والعقوبات.

ومكافحة التهريب وحدها لن تحل المشكلة، لأن السوق الموازية تمنح المنتج مزايا لا توفرها القنوات الرسمية: سعرًا أعلى، ودفعًا أسرع، وإجراءات أبسط. فالحل ليس منع البيع خارج الرسمية، بل جعل الرسمية أكثر جاذبية وأمانًا وربحية من التهريب: ربط السعر المحلي بالعالمي، ومراكز شراء قريبة من الإنتاج، ودفع سريع، وحماية قانونية للمنتجين.

الأعمق من ذلك أن الذهب هنا ليس المشكلة، بل مرآة تكشف غياب نظام اقتصادي متكامل. فالسودان ليس فقيرًا بالموارد؛ لديه الذهب والأرض والمياه والثروة الحيوانية والصمغ والسمسم والقطن، لكن ضعف المؤسسات يحول دون تحويل هذه الموارد إلى ثروة وطنية مستدامة. وهنا يصح التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة من الهدر لا مستوى واحد. فهناك أولًا هدر الموارد ذاتها: التهريب والفساد والتهرب الضريبي وخروج رؤوس الأموال وهجرة القوة العاملة، وكلها مؤشرات على عجز الدولة عن معرفة ما يُنتج وكم يُنتج ومن يصدّر وأين تذهب الحصيلة. وهناك ثانيًا هدر القيمة: فالمشكلة ليست فقط أن جزءًا من الذهب يُهرَّب، بل أننا نتعامل مع الموارد بوصفها مادة خامًا للبيع الفوري لا مدخلات لبناء سلاسل إنتاجية؛ فالقطن كان يمكن أن يتحول إلى نسيج وملابس، والماشية إلى لحوم وجلود، والذهب نفسه إلى احتياطي واستثمار بدل أن يكون مجرد خام يُباع فورًا. وهناك ثالثًا، وهو الأخطر، هدر الفرصة التاريخية: فحين تتسع السوق السوداء عامًا بعد عام، وتضعف قدرة الدولة على خلق وظائف بأجور جاذبة، وتهاجر الكفاءات، وتتحول الأصول الوطنية الناضبة إلى ثروة عابرة للحدود لا تعود بأثر يُذكر على من أنتجها، فإن السودان لا يخسر موردًا بعينه فحسب، بل يخسر لحظة تاريخية كان يمكن أن يُعاد فيها بناء اقتصاد ما بعد النفط على أسس مختلفة. وهذه المستويات الثلاثة، مجتمعة، هي هدر لرأس المال البشري والمادي والمؤسسي وللزمن نفسه؛ وهو ما يفسر لماذا لا يكفي الحديث عن “وقف التهريب” لمعالجة الأزمة. وعمليًا يتخذ هذا الهدر أشكالًا ملموسة قابلة للحصر لا مجرد وصف عام: هدر مباشر في التهريب ذاته، وهدر مالي في الرسوم والضرائب وحصيلة الصادر الضائعة، وهدر للنقد الأجنبي حين لا تدخل العائدات الجهاز المصرفي، وهدر في تراكم احتياطيات الدولة من الذهب والعملة، وهدر للقيمة المضافة حين يُصدَّر الذهب خامًا بلا تصنيع أو تكرير محلي. وهناك أخيرًا هدر بين الأجيال: فالذهب مورد ناضب، وكل طن يُستخرج اليوم دون أن يتحول إلى بنية تحتية أو رأس مال بشري أو أصول إنتاجية هو استنزاف مسبق لثروة كان يفترض أن تبقى لمن سيأتون بعدنا. المطلوب الانتقال من معادلة “استخراج ← تصدير ← استهلاك” إلى معادلة “استخراج ← تصنيع ← قيمة مضافة ← ادخار ← استثمار ← وظائف ← نمو”.

ومن الأدوات المؤسسية اللازمة إنشاء سوق وطنية للذهب تتطور إلى بورصة معادن، تضع سعرًا مرجعيًا وتوحد المعايير وتتيح تتبعًا للذهب من المنجم حتى التصدير. وهذه الفكرة ليست جديدة؛ فقد طرحتها اللجنة الاقتصادية لتحالف “لقحت” عام 2020، لكنها لم تتحقق بفعل مقاومة القوى المضادة للتحول الديمقراطي – وهو ما يذكّر بأن أزمة غياب المؤسسات أسبق من الحرب الحالية بكثير.

كما يحتاج السودان إلى إطار واضح لإدارة عائدات الذهب يفصل بين دعم الاحتياطيات عبر البنك المركزي، وتمويل الاحتياجات العامة، والاستثمار في صندوق وطني لإعادة البناء يخضع لموازنة منشورة وتدقيق مستقل، حتى لا يتحول إلى قناة جديدة لتمويل شبكات النفوذ. ويبقى إصلاح الجهاز المصرفي شرطًا أساسيًا لنجاح ذلك، لأن كلما ضعفت ثقة الناس بالمصارف، ازداد ميلهم للاحتفاظ بالذهب والنقد الأجنبي خارج النظام الرسمي.

ولا يمكن فصل إدارة الذهب عن عدالة توزيعه: فمناطق الإنتاج، وأغلبها فقير، يجب أن تحصل على نصيب معلن من العوائد لبناء المياه والطرق والمدارس. كذلك لا يمكن تجاهل الكلفة البيئية للتعدين العشوائي واستخدام الزئبق، والتي تتطلب قواعد قابلة للتطبيق لحماية العمال والمياه والتربة.

أما الخطر الأكبر فهو أن ينتهي القتال لتبدأ إعادة إعمار تكرر نفس الأنماط: انتقال من اقتصاد حرب إلى اقتصاد إعمار ريعي وفاسد، تحتكر فيه الشبكات ذاتها التي مولت الصراع عقود البناء. لذلك يجب أن تسبق أموال الإعمار إصلاحات مؤسسية حقيقية: شفافية مالية، وموازنة موحدة، وإفصاح عن ملكية الشركات، وتدقيق مستقل للأصول والموارد الطبيعية. فالمال وحده لا يصلح مؤسسة فاسدة؛ المؤسسة السليمة هي التي تجعل المال منتجًا. كما يجب أن يستحضر أي تخطيط اقتصادي لما بعد الحرب سيناريوهات دارفور المختلفة، بما يضمن أن تبقى الموارد رابطًا اقتصاديًا للتجارة والطاقة والمياه لا حدودًا مغلقة تُغذي صراعًا جديدًا.

السؤال إذن ليس فقط: أين ذهب الذهب؟ بل: أين ذهب اقتصاد السودان نفسه؟ ومن يلتقط القيمة التي تنتجها موارده؟ فالذهب ليس عدوًا ولا مصدرًا للفساد بطبيعته؛ يمكن أن يكون رأس المال الأولي لإعادة بناء اقتصاد منتج، بشرط ألا تُستهلك ثروة اليوم في تمويل استهلاك اليوم أو حرب اليوم، بل يُستثمر جزء منها في القدرة التي تصنع ثروة الغد. فالسودان لا يحتاج إلى اقتصاد يقوم على الذهب، بل إلى اقتصاد يستخدم الذهب ليتحرر من الاعتماد عليه.

altaghyeer.info