سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

رسائل بالنار لأنقرة.. أين تتجه المغامرة الإسرائيلية في سوريا

رسائل بالنار لأنقرة.. أين تتجه المغامرة الإسرائيلية في سوريا

يتصاعد التوتر في سوريا على وقع تحركات إسرائيلية تستهدف إعادة رسم المشهد الأمني والعسكري في البلاد، وسط خلافات متزايدة بشأن الوجود التركي ودور أنقرة في دعم دمشق.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال، أمس الأربعاء، إن إسرائيل أوضحت موقفها بشأن الوجود العسكري التركي في سوريا، مؤكدا أنها "لن تتسامح مع وجود عسكري تركي في سوريا يشكل تهديدا لإسرائيل".

وأضاف نتنياهو: "أوضحنا أننا لن نتسامح مع وجود عسكري تركي في سوريا، ويبدو أنهم لم يسمعونا جيدا، فحرصنا على أن يفهموا بشكل أفضل"، بحسب تعبيره. وذلك في إشارة إلى القصف الإسرائيلي الذي استهدف -الثلاثاء الماضي- مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي شمالي سوريا.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي محمود علوش إن التصعيد الإسرائيلي في سوريا يتجاوز ما تثيره إسرائيل بشأن انتشار عسكري تركي مزعوم في قاعدة أبو الظهور، لكنها تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تحقيق 3 أهداف إستراتيجية تتعلق بمستقبل سوريا العسكري وعلاقاتها الإقليمية:

  • منع إعادة بناء الجيش السوري الجديد.
  • توسيع مطلب نزع السلاح من جنوب سوريا ليشمل سوريا بأكملها، بحيث تصبح الدولة السورية، وفق التصور الإسرائيلي، منزوعة السلاح.
  • التدخل في طبيعة العلاقات بين تركيا وسوريا، نظرا إلى اعتبار إسرائيل الدور العسكري والدعم التركي لدمشق تهديدا أمنيا لها.

وأضاف علوش أن المطالب الإسرائيلية لا تبدو، من وجهة النظر السورية، مطالب واقعية يمكن لدمشق قبولها بسهولة، موضحا أن إسرائيل تحاول وضع سوريا أمام خيارين: إما القبول بالتصور الإسرائيلي لمستقبلها، أو تحمل تبعات الانخراط في الرؤية التركية، التي تقوم على إعادة بناء سوريا كدولة ومؤسسات، ولا سيما المؤسسات العسكرية.

وأشار المتحدث إلى أن سوريا لا تبدو راغبة في الانجرار إلى حرب مع إسرائيل، وأن الرئيس أحمد الشرع كان واضحا في تحذيره من محاولات إسرائيلية لدفع دمشق نحو مواجهة عسكرية، مؤكدا أن سوريا لا ترى مصلحة لها في الدخول في مثل هذه الحرب.

رهان دمشق على الدبلوماسية

وبحسب علوش، فإن إسرائيل لا تكتفي بمحاولة دفع سوريا إلى المواجهة، بل تسعى أيضا إلى استفزاز تركيا، بما قد يفتح الباب أمام مواجهة أكبر تشمل الأطراف الثلاثة داخل الأراضي السورية.

إعلان

وقال إن الرهان السوري لا يزال منصبا على المسار الدبلوماسي، في ظل انفتاح دمشق على إمكانية التفاوض مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني، وهو ما أكده أيضا وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.

لكنّ المتحدث لفت إلى أن المفاوضات الأمنية بين الجانبين مستمرة منذ نحو عام ونصف، وأن سوريا أبدت خلالها استعدادا للتفاوض، غير أن إسرائيل، كلما اقترب المسار من مرحلة يمكن أن تفضي إلى نتائج، كانت تعود إلى التصعيد الميداني بما يؤدي إلى تعطيل المفاوضات.

وأكد علوش أن التصعيد يفرض ضغوطا كبيرة على دمشق، لكنه استبعد أن تكون لديها إمكانية لقبول المطالب الإسرائيلية المتعلقة بقدراتها العسكرية أو بعلاقاتها الإستراتيجية مع شركائها في المنطقة، وفي مقدمتهم تركيا.

وشدد على أن إسرائيل لا تستطيع فرض تصورها بشأن طبيعة القدرات العسكرية السورية أو العلاقات الإستراتيجية التي تختار دمشق إقامتها مع حلفائها وشركائها الإقليميين، معتبرا أن ما يجري يعكس محاولة إسرائيلية للتأثير في شكل الدولة السورية الجديدة وموقعها الإقليمي.

ورأى علوش أن التصعيد الإسرائيلي يرفع مستوى المخاطر التي تخوضها حكومة بنيامين نتنياهو في سوريا إلى مستوى جديد، موضحا أن التطورات المقبلة قد تقود إلى مسارين؛ أولهما إعادة ضبط قواعد الاشتباك بين إسرائيل وسوريا وتركيا، وإعادة تفعيل قنوات التواصل الخلفية التي أسهمت خلال الفترة الماضية في تهدئة التوترات، وهو ما قال إنه يتوافق مع ما تريده إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

أما المسار الثاني، بحسب علوش، فيتمثل في دفع التصعيد المنطقةَ نحو مراحل أكثر تعقيدا قد يصعب احتواؤها والسيطرة عليها، معتبرا أن المنطقة تقف أمام منعطف جديد في ظل تصاعد النزعة العدوانية الإسرائيلية تجاه سوريا.

سياسة ممنهجة لخلق الذرائع

وبدوره، قال الخبير الأمني والعسكري نوار قباقيبو إن النهج الإسرائيلي ليس جديدا، مشيرا إلى أن إسرائيل بدأت منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 توسيع استهدافها للمواقع العسكرية السورية، قبل أن تنتقل إلى التوغل وإنشاء قواعد عسكرية وتنفيذ انتهاكات ميدانية.

وأوضح أن المرحلة الأولى من هذا التصعيد تركزت في الجنوب السوري، حيث قدمت إسرائيل المنطقة باعتبارها مصدر تهديد أمني لها، واستخدمت ذلك مبررا للتوسع وإنشاء قواعد عسكرية وتنفيذ عمليات اعتقال.

وأضاف المتحدث أن نطاق التصعيد اتسع في مارس/آذار 2025 مع استهداف مطاري "تدمر" و"تي فور"، ما أدى إلى تعطيلهما، مشيرا إلى أن الذرائع الإسرائيلية تغيرت لاحقا، إذ برز التدخل التركي في سوريا باعتباره مبررا جديدا للهجمات.

وأشار قباقيبو إلى أن ما يجري يعكس وجود ما وصفها بـ"ماكينة خلق الذرائع" في الإعلام الإسرائيلي ومراكز الدراسات الإسرائيلية، موضحا أن هذه الذرائع لا ترتبط بالضرورة بحادثة محددة، إذ يمكن لأي تطور أمني، مثل ضبط مستودع أسلحة أو العثور على شحنة أسلحة متجهة من سوريا إلى لبنان، أن يتحول إلى مبرر للحديث عن تهديد للأمن القومي الإسرائيلي.

وأكد أن خلق الذرائع بات، منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، جزءا من سياسة إسرائيلية تهدف إلى استمرار الضغط على سوريا، سواء في الجنوب السوري أو عبر محاولة رسم خطوط حمراء تتعلق بشكل الدولة السورية، وطبيعة الجيش السوري، وعلاقة الجيش الجديد بشركائه في المنطقة.

رسالة مباشرة إلى تركيا

ورأى الخبير الأمني والعسكري أن التصعيد الإسرائيلي يحمل أيضا رسالة مباشرة إلى تركيا، مفادها أن إسرائيل مستعدة لاستهداف أي موقع تراه تهديدا لأمنها القومي، حتى لو كان قريبا من الحدود التركية أو ضمن مناطق ترتبط تاريخيا بنفوذ أنقرة السياسي والعسكري.

إعلان

وأوضح أن تركيا كانت خلال سنوات الثورة السورية موجودة في شمال غرب سوريا وتدعم الجيش الوطني والمنظومة القائمة هناك، معتبرا أن إسرائيل تريد من خلال تحركاتها التأكيد أن قرب هذه المناطق من الحدود التركية لن يحول دون استهدافها إذا اعتبرتها تهديدا.

وحذر قباقيبو من أن أخطر ما في التصعيد الحالي هو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواصل تجاوز الحدود أو الطلبات الأمريكية، مشيرا إلى أن تسريبات إعلامية سبقت الاستهداف الأخير تحدثت عن محاولة أمريكية لمنع إسرائيل من ضرب مواقع في سوريا.

وقال إن التأثير الأمريكي على إسرائيل يحتاج إلى إعادة تقييم، مستشهدا بحادثة استهداف المفاعل النووي في دير الزور عام 2007، حين طلبت إسرائيل من الولايات المتحدة دعم الاستهداف، بينما رفضت واشنطن العملية وحذرت من تداعياتها، قبل أن تنفذ إسرائيل الضربة رغم ذلك.

وأضاف أن الدور الأمريكي يبدو حاليا مُنصبا بصورة أساسية على الحد من حجم الضربات أو التعامل مع تداعياتها بعد وقوعها، وليس بالضرورة منعها بشكل كامل.

وشن الطيران الإسرائيلي، فجر الثلاثاء، 8 غارات جوية استهدفت مدرج مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، وألحقت أضرارا مادية ببنيته التحتية.

aljazeera.net