
يشهد الحزب الديمقراطي الأمريكي تحولا لافتا مع صعود مرشحين تقدميين وتراجع نفوذ التيار المرتبط بالشركات الكبرى، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على الطبقة العاملة.
ويعكس هذا التحول -وفق طرح روبرت رايش وزير العمل الأمريكي الأسبق والأستاذ حاليا للسياسات العامة في جامعة كاليفورنيا- مدى تنامي مطالب الناخبين الأمريكيين بسياسات تركز على تكاليف المعيشة ودور الشركات في الاقتصاد والسياسة.
ويقول رايش -في مقال بصحيفة الغارديان (The Guardian)- إن صعود الديمقراطيين التقدميين ليس بالضرورة تعبيرا عن رغبة الأمريكيين في الاشتراكية، بل هو دليل على بحثهم عن مرشحين مستعدين للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة ومواجهة نفوذ الأثرياء والشركات.
ويرى رايش أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أسهمت في كشف العلاقة بين السلطة والشركات الكبرى، بعدما استفادت شركات عملاقة من عقود حكومية وإعفاءات ضريبية وتسهيلات تنظيمية، إلى جانب امتيازات أخرى. ويعتقد أن هذا الوضع أظهر لكثير من الأمريكيين حجم نفوذ الشركات والأثرياء في صناعة القرار.
ويقول إن الناخبين الذين يتجهون إلى الديمقراطيين التقدميين لا يفعلون ذلك بالضرورة لأنهم يؤيدون الاشتراكية، وإنما لأنهم يريدون سياسات تجعل السكن والغذاء والرعاية الصحية ورعاية الأطفال أكثر قدرة على التحمل، وتواجه كبار المانحين والرؤساء التنفيذيين وقطاع وول ستريت.
ويستشهد رايش بفوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية بولاية ميشيغان، رغم إنفاق مجموعات سياسية مرتبطة بمنافسته مبالغ تفوق ما أنفقته حملته بفارق كبير. ويرى أن السباق تحوّل إلى مواجهة على مستقبل الحزب بين التيار المرتبط بالشركات والتيار التقدمي.
ويرجع رايش جذور نفوذ الشركات داخل الحزب الديمقراطي إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأ الديمقراطيون في الكونغرس يعتمدون بصورة أكبر على تمويل الشركات ووول ستريت. ومع مرور الوقت، يرى أن هذا التمويل منح الشركات نفوذا متزايدا داخل الحزب، وأضعف قدرته على تبني سياسات أكثر حدة لصالح العمال.
إعلانويشير إلى أن إدارات ديمقراطية حققت إنجازات اجتماعية مهمة، بينها قانون الرعاية الصحية الميسرة وتوسيع الإعفاء الضريبي للعاملين وإنشاء إجازات أسرية، لكنه ينتقد ما يعتبره فشلا في معالجة جذور التفاوت الاقتصادي.
ويضيف أن إدارتي الرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما دعمتا اتفاقيات التجارة الحرة دون توفير حماية كافية للعمال الذين فقدوا وظائفهم، كما لم تنجحا في تعزيز النقابات أو فرض عقوبات فعالة على الشركات التي تنتهك حقوق العمال. وبالتوازي، ساهم تراجع النقابات في إضعاف القدرة التفاوضية للطبقة العاملة.
يرى رايش أن على الحزب الديمقراطي إعادة تعريف هويته والعودة إلى التركيز على مصالح العمال، وهو ما يتطلب مواجهة نفوذ الشركات والأثرياء وإعطاء الأولوية لقضايا الأجور والسكن والرعاية الصحية.
ويرى رايش أن الجمع بين تحرير التجارة، وتراجع النقابات، وإنقاذ وول ستريت، وتزايد الاحتكارات، وضعف إصلاح تمويل الحملات الانتخابية، أنتج اقتصادا يخدم الأثرياء ونظاما سياسيا يمنح أصحاب النفوذ قدرة أكبر على التأثير.
ويعتبر أن التحولات الانتخابية الأخيرة تعكس -في نظره- بداية تراجع قدرة الأموال الكبيرة على ضمان نفوذ التيار الديمقراطي المرتبط بالشركات، خصوصا مع معاناة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والعمالية من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الأمان الوظيفي.
ويخلص رايش إلى أن الحزب الديمقراطي أمام فرصة لإعادة تعريف هويته والعودة إلى التركيز على مصالح الأمريكيين العاملين، معتبرا أن نجاح الديمقراطيين في استعادة هذا الدور يتطلب مواجهة نفوذ الشركات والأثرياء، وإعطاء الأولوية لقضايا الأجور والسكن والرعاية الصحية وحقوق العمال.
aljazeera.net